لا تبدأ الفقاعات الاستثمارية عادة من فكرة ضعيفة. على العكس، كثير من الفقاعات الكبرى في التاريخ بدأت من فكرة صحيحة، ثم بالغت الأسواق في تسعيرها. حدث ذلك مع السكك الحديدية، ومع الإنترنت، ومع العملات الرقمية، وقد يحدث اليوم، بدرجات مختلفة، مع الذكاء الاصطناعي.
في مقطع متداول، قدّم سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لـ Alphabet، قراءة مزدوجة للمشهد.
الحماس حول الذكاء الاصطناعي، كما يرى، منطقي؛ لأن الطلب حقيقي، والاستخدام يتوسع، والشركات والمستهلكون يتبنون الأدوات الجديدة بسرعة. لكنه، في الوقت نفسه، لا ينفي وجود مبالغة استثمارية تشبه ما حدث في بدايات الإنترنت.
هذه الملاحظة كانت مدخلًا لسؤال طُرح على عدد من طلاب وطالبات جامعة اليمامة بمدينة الرياض:
هل يعيش الذكاء الاصطناعي فقاعة استثمارية؟
الإجابات لم تأتِ بوصفها تصويتًا بسيطًا بين “نعم” و”لا”. بل كشفت عن وعي اقتصادي لافت: التقنية قد تكون حقيقية، بينما تكون بعض الأسعار حولها مبالغًا فيها. وهنا تحديدًا تبدأ القصة الأكثر أهمية.
ليست التقنية هي الفقاعة دائمًا
تضع "ريماس المشعلي" @Rimas Almashali يدها على التمييز الأهم في النقاش. فهي ترى أن مظاهر الفقاعة، إن وجدت، لا تكمن في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في تقييمات بعض الشركات المرتبطة به. فالمستثمرون، كما تشير، يضخون أموالًا كبيرة اعتمادًا على توقعات نمو مستقبلية، وقد يدفع ذلك التقييمات إلى مستويات تتجاوز القيمة الحقيقية للشركات.
هذه قراءة مالية دقيقة. فالسوق لا يشتري أداء الشركة الحالي فقط، بل يشتري توقعاته لما ستكون عليه في المستقبل. وكلما اتسعت المسافة بين الحلم المالي والربح الفعلي، زادت احتمالات التصحيح.
لكن ريماس لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه موجة عابرة. فهي تؤكد أنه أصبح واقعًا اقتصاديًا في قطاعات متعددة، وليس مجرد “ترند” مؤقت. وهذا يفتح الباب لفكرة أكثر نضجًا: قد تنخفض أسعار بعض الشركات، لكن التقنية نفسها قد تستمر في إعادة تشكيل الاقتصاد.
حين تتعايش الفقاعة مع التقنية المؤثرة
"رنا الشمراني" @Rana Alshamrani ترفض الإجابة الحاسمة. في رأيها، لا يمكن اختزال المشهد في حكم واحد. هناك مؤشرات مبالغة واضحة في بعض تقييمات السوق، لكن هناك أيضًا طلبًا حقيقيًا ومتزايدًا على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
تستند رنا إلى المعنى الذي طرحه بيتشاي نفسه: الحماس عقلاني بسبب الطلب الحقيقي، لكنه لا يخلو من عناصر غير عقلانية في السوق. وهذا ربما يكون الوصف الأدق للحظة الحالية. فالفقاعة الاستثمارية والتقنية المؤثرة ليستا نقيضين بالضرورة. يمكن أن توجد تقنية عظيمة داخل سوق مبالغ في أسعارها.
هذا ما حدث في بدايات الإنترنت. لم تكن الشبكة وهمًا، لكن كثيرًا من الشركات التي رفعت شعار الإنترنت كانت مبالغًا في تقييمها. وبعد التصحيح، لم تختفِ التقنية، بل اختفت الشركات الأضعف.
الطلب الحقيقي لا يبرر كل سعر
"جمانة الشهري" @Jumana Alshehri تقرأ المسألة من زاوية النمو والاستخدام. فهي ترى أن الحماس تجاه الذكاء الاصطناعي مبرر لأنه يستند إلى تطبيقات حقيقية ونمو واضح، لكنها تحذر من افتراض أن كل الاستثمارات الحالية مقيمة بشكل صحيح.
هذه النقطة شديدة الأهمية. في الأسواق، وجود قطاع واعد لا يعني أن كل شركة داخله فرصة جيدة. قد يكون الاتجاه العام صحيحًا، بينما تكون بعض الرهانات الفردية خاطئة. وقد يكون الطلب متزايدًا، بينما تكون الأسعار قد سبقت الأرباح بسنوات.
لذلك تؤكد جمانة أن الشركات التي ستبقى هي تلك التي تمتلك نماذج أعمال قوية وقيمة حقيقية. أي أن البقاء لن يكون لمن يرفع شعار الذكاء الاصطناعي، بل لمن يستطيع تحويله إلى منتج، وإيراد، وميزة تنافسية، وتدفقات نقدية قابلة للاستمرار.
درس الدوت كوم: سقوط الشركات لا يعني سقوط التحول
عبدالله القاسم يستحضر فقاعة الدوت كوم في أواخر التسعينيات. وقتها، ارتفعت تقييمات شركات الإنترنت إلى مستويات مبالغ فيها، ثم انهارت آلاف الشركات. ومع ذلك، لم يكن انهيار تلك الشركات دليلًا على فشل الإنترنت. على العكس، خرج من تلك المرحلة اقتصاد رقمي جديد، وبرزت شركات كبرى مثل أمازون وجوجل.
هذا التشبيه يمنح النقاش عمقًا تاريخيًا. فالتاريخ الاقتصادي يبيّن أن الأسواق قد تخطئ في تسعير الموجات الكبرى، لكنها لا تلغي بالضرورة القيمة الكامنة في التقنية. أحيانًا يكون التصحيح هو الطريقة التي تفرز بها السوق الشركات الحقيقية من الشركات التي عاشت على الحماس وحده.
يرى عبدالله أن الذكاء الاصطناعي قد يسير في مسار مشابه. التقنية نفسها حقيقية، وتدخل في البرمجة والطب والتعليم والصناعة وغيرها، لكن ليست كل شركة تضع كلمة “AI” في اسمها ستنجح. وإذا حدث تصحيح، فسيضرب غالبًا الشركات الضعيفة أو غير المربحة، بينما تبقى الشركات ذات المنتجات القوية والتدفقات النقدية الواضحة.
البنية التحتية وراء الحماس
"غادة الوعلان" @Ghadah Alwallan تضيف عنصرًا آخر إلى النقاش: الطلب لا يقتصر على التطبيقات المباشرة للذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى البنية التحتية التي يقوم عليها. فالحماس الحالي، في رأيها، مبرر إلى حد كبير لأن الطلب على تطبيقات الذكاء الاصطناعي والبنية الداعمة لها يتوسع بسرعة.
هذه زاوية مهمة اقتصاديًا. فالذكاء الاصطناعي ليس برنامجًا واحدًا أو تطبيقًا معزولًا. إنه منظومة كاملة تحتاج إلى رقائق، ومراكز بيانات، وطاقة، وسحابة، ومواهب، وشبكات توزيع، ونماذج تشغيل. لذلك فإن الموجة لا تخلق شركات برمجية فقط، بل تعيد ترتيب سلاسل قيمة كاملة.
لكن غادة الوعلان تضع حدًا واضحًا للحماس: نجاح التقنية لا يعني أن كل الشركات ستنجح، ولا أن كل التقييمات الحالية مبررة. وبذلك تعود إلى الفكرة المركزية في النقاش كله: التقنية قد تكون صحيحة، لكن السعر قد يكون خاطئًا.
سلوك المستثمر: حين يتحول الاسم الرائج إلى مطب
"غادة السرهيد" @Ghada Alsarheed تنقل النقاش من الشركات إلى المستثمر نفسه. فالسؤال، في رأيها، لا يتعلق فقط بما إذا كانت هناك مبالغة أم لا، بل بسبب انجذاب المستثمرين إلى الموجات الجديدة، وكيفية تعاملهم معها.
تدعو غادة السرهيد إلى الرجوع للمصدر، والسؤال، والاستفسار، والبدء بخطوات صغيرة، والتعلّم قبل التوسع، وعدم الانجراف خلف الدعاية. هذه ليست ملاحظة نظرية؛ إنها قاعدة عملية في كل موجة استثمارية. فالمستثمر الذي لا يفهم ما يشتريه قد يتحول من مشارك في فرصة إلى ضحية لضجيج السوق.
وتشبّه العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والاستثمار بـ”المطبات”، مستحضرة تجربة البيتكوين وتقلباته. ورغم أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن العملات الرقمية من حيث طبيعته الإنتاجية واستخداماته المؤسسية، فإن التشبيه مفيد في جانب محدد: حين ينتشر الاسم بين الناس بسرعة، قد يتحرك رأس المال بدافع الخوف من فوات الفرصة أكثر من الفهم الحقيقي للمخاطر.
ما الذي تقوله هذه المداخلات مجتمعة؟
تكشف هذه الآراء الطلابية عن ست خلاصات اقتصادية واضحة.
الأولى: الذكاء الاصطناعي ليس فقاعة كاملة، لأنه يستند إلى استخدامات حقيقية وطلب متزايد.
الثانية: بعض تقييمات الشركات قد تكون مبالغًا فيها، خصوصًا حين تُبنى على توقعات نمو مستقبلية لم تتحقق بعد.
الثالثة: التاريخ الأقرب للمقارنة هو الإنترنت، لا لأنه يكرر نفسه حرفيًا، بل لأنه يبيّن كيف يمكن أن تنهار شركات كثيرة بينما تبقى التقنية وتكبر.
الرابعة: الشركات القادرة على البقاء ليست تلك التي تستخدم خطاب الذكاء الاصطناعي فقط، بل التي تملك نموذج عمل واضحًا وقيمة قابلة للقياس.
الخامسة: المستثمر يحتاج إلى وعي وسؤال وتحقق، لا إلى الاندفاع خلف الموجة.
السادسة: التصحيح، إن حدث، لن يكون بالضرورة حكمًا على الذكاء الاصطناعي، بل على المبالغة في تسعير بعض الوعود المحيطة به.
الأسواق لا تسعّر التقنية وحدها
في النهاية، لا تسعّر الأسواق التقنية بوصفها فكرة مجردة. إنها تسعّر القدرة على تحويل التقنية إلى أرباح. وهنا يكمن جوهر النقاش. قد يكون الذكاء الاصطناعي أحد أهم التحولات الاقتصادية في هذا العقد، لكن ذلك لا يجعل كل شركة مرتبطة به استثمارًا جيدًا، ولا يجعل كل تقييم حالي قابلًا للدفاع عنه.
الذكاء الاصطناعي قد يرفع الإنتاجية، ويعيد تشكيل قطاعات كاملة، ويفتح أسواقًا جديدة. لكنه في الوقت نفسه قد يدفع المستثمرين إلى المبالغة، والشركات إلى تضخيم الوعود، والأسواق إلى تسعير مستقبل لم يصل بعد.
ولهذا تبدو الإجابة الأكثر اتزانًا كالتالي:
الذكاء الاصطناعي ليس فقاعة في جوهره، لكنه يعيش داخل بيئة استثمارية قد تحمل فقاعات جزئية حول بعض الشركات والتقييمات والتوقعات.
هل الذكاء الاصطناعي مهم؟
ما يميز هذا النقاش الطلابي أنه لم يقع في ثنائية سهلة: فقاعة أو ثورة. بل اقترب من المنطقة التي تتحرك فيها الأسواق فعلًا: منطقة تختلط فيها القيمة بالضجيج، والابتكار بالمضاربة، والطلب الحقيقي بالتوقعات المفرطة.
قد نشهد تصحيحًا في أسعار بعض شركات الذكاء الاصطناعي. وقد تختفي شركات دخلت الموجة بخطاب أكبر من قدرتها. لكن من غير المرجح أن يختفي الذكاء الاصطناعي نفسه من الاقتصاد. كما حدث مع الإنترنت، قد تنفجر المبالغة، بينما تبقى البنية الجديدة التي غيّرت طريقة العمل والإنتاج والمعرفة.
السؤال، إذن، ليس: هل الذكاء الاصطناعي مهم؟
الأرجح أنه مهم.
السؤال الأدق: من سيحوّل هذه الأهمية إلى قيمة اقتصادية مستدامة، ومن سيبقى مجرد اسم عابر في موجة مرتفعة؟
التعليقات (3)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!