يشهد القطاع الثالث (غير الربحي) على المستوى العالمي تحولات هيكلية عميقة، تفرضها المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية، فضلاً عن تصاعد التدقيق المجتمعي والحكومي.
وفي هذا السياق، تبرز أطروحة مايكل سيبريتش، المبنية على مشاهداته في المؤتمر الدولي السابع عشر للجمعية الدولية لأبحاث القطاع الثالث (ISTR)، كوثيقة نقدية تسلط الضوء على فجوة جوهرية في الأدبيات والممارسات الحالية للقطاع. تتمثل هذه الفجوة في الانشغال المفرط بـ "كيفية" (The How) إدارة وتوجيه الموارد الخيرية، على حساب الإجابة على السؤال الوجودي والاقتصادي الأهم: "لماذا" (The Why) يوجد هذا القطاع في الأصل؟
يحاول هذا المقال تقديم قراءة تحليلية عميقة لهذه الأطروحة من منظور الاقتصاد غير الربحي، مستكشفةً الأبعاد الاقتصادية والمؤسسية لتحولات العمل الخيري عالمياً، مع إسقاط هذه التحولات على واقع القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية ضمن "رؤية 2030".
اقتصاديات "الكيفية": تقليل تكاليف المعاملات وإعادة هيكلة السلطة
يشير المقال إلى تركيز الباحثين والممارسين على تحسين آليات تقديم الأموال الخيرية والتخفيف من اختلالات موازين القوى.
من منظور اقتصادي، يمكن تفسير هذا التوجه من خلال زاويتين:
- التحول المؤسسي للاستثمار الاجتماعي:
إن تغيير الخطاب من "فعل الخير" (Philanthropy) الكلاسيكي إلى "الاستثمار الاجتماعي الخاص" يعكس توجهاً لتبني أدوات اقتصاد السوق في القطاع غير الربحي.
هذا التحول يسعى لتعظيم "العائد الاجتماعي على الاستثمار" (SROI)، ولكنه في الوقت ذاته يخلق حالة من التماثل المؤسسي (Institutional Isomorphism) التي قد تفقد القطاع مرونته. - العمل الخيري القائم على الثقة (Trust-Based Philanthropy):
اقتصادياً، يُعد هذا التوجه محاولة صريحة لمعالجة "مشكلة الأصيل والوكيل" (Principal-Agent Problem) وتقليل "تكاليف المعاملات" (Transaction Costs).
فالنماذج التقليدية المليئة بالقيود والرقابة المفرطة ترفع من تكاليف الامتثال الإداري، وتهدر الموارد التي كان يجب أن توجه للخدمات الفعلية.
مفارقة الديمقراطية واقتصاديات المبرر الوجودي (سؤال "لماذا؟")
تتجلى القيمة التحليلية الأكبر في المقال في دعوته لتجاوز الآليات الإجرائية والبحث عن تبرير وجودي للقطاع.
في الاقتصاد غير الربحي، نعتمد عادة على نظرية "فشل الحكومة" (Government Failure) أو نظرية "فشل السوق" (Market Failure) لتبرير وجود القطاع الثالث.
إلا أن الكاتب يضع يده على "المفارقات داخل الديمقراطية"، فتركز الثروة في العمل الخيري الكلاسيكي يخلق مفارقة توجيه مبالغ ضخمة للتأثير على السياسات الاجتماعية دون المرور عبر آليات التخصيص الديمقراطية. لذلك، فإن الاكتفاء بالقول بأن القطاع الثالث "يسد الفجوات" لم يعد كافياً؛ بل يجب أن تتبلور نظريات تركز على دور القطاع في بناء "رأس المال الاجتماعي" وتحفيز الابتكار الاقتصادي.
تقلص الفضاء المدني وتكلفة البقاء المؤسسي
يحذر المقال من ظاهرة "تقلص المساحة المتاحة للمجتمع المدني عالمياً".
من منظور الاقتصاد المؤسسي، فإن زيادة العداء تجاه القطاع يُترجم إلى ارتفاع حاد في "التكاليف التنظيمية" (Regulatory Costs).
عندما تفرض الحكومات قيوداً صارمة، تتحول المنظمات من "تعظيم المنفعة الاجتماعية" إلى "صراع البقاء الإداري". وهنا يصبح تحسين "الكيفية" مجرد حل تكتيكي لا يمتلك القدرة على حماية القطاع.
القطاع غير الربحي في السعودية: التوسع المؤسسي الموجه (رؤية 2030) كنموذج مضاد
على النقيض من ظاهرة "تقلص الفضاء المدني" العالمية التي أشار إليها سيبريتش، تقدم المملكة العربية السعودية من خلال "رؤية 2030" نموذجاً اقتصادياً مغايراً يتسم بـ "التوسع المؤسسي الموجه" (State-Led Institutional Expansion).
في هذا النموذج، تتدخل الدولة ليس لتحجيم القطاع، بل لتمكينه ليصبح شريكاً استراتيجياً في الناتج المحلي.
- مأسسة "الكيفية" لخدمة "الغاية":
لم تكتفِ الرؤية بدعم العمل الخيري العشوائي، بل عملت على هيكلته اقتصادياً عبر تأسيس "المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي". هذا التحول أسهم في انتقال القطاع من الرعوية البحتة إلى الاستدامة المالية والاستثمار الاجتماعي، مما حقق نمواً هائلاً في عدد المنظمات غير الربحية ليصل إلى 5,700 منظمة بنهاية عام 2024 بزيادة بلغت 252.76% مقارنة بعام 2015. - الأثر الاقتصادي المستهدف (الناتج المحلي والقوى العاملة):
تجيب رؤية 2030 بوضوح على سؤال "لماذا يوجد القطاع؟" من خلال ربطه بمستهدفات الاقتصاد الكلي. يهدف القطاع إلى رفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي من أقل من 1% (تحديداً 0.2% كخط أساس) إلى 5% بحلول 2030.
وقد أظهرت المؤشرات الحديثة لعام 2024 تقدماً ملموساً بتسجيل مساهمة بلغت حوالي 0.99% إلى 1.4%. كما يستهدف القطاع توظيف 1.1% من إجمالي القوى العاملة بحلول 2030، وقد وصل إلى 0.64% في 2024.
وكالة الأنباء السعودية - بناء رأس المال الاجتماعي:
تجلى دور القطاع في تعزيز التماسك الاجتماعي بتجاوز المستهدفات الوطنية؛ حيث استقطب القطاع 1.2 مليون متطوع في 2024، متجاوزاً مستهدف المليون متطوع قبل حلول عام 2030 بست سنوات، لتصل القيمة الاقتصادية للتطوع للفرد الواحد إلى نحو 138.94 ريال.
يمثل مقال سيبريتش جرس إنذار للباحثين في الاقتصاد غير الربحي؛ فالاستغراق في تحسين آليات العطاء (الكيفية) دون بناء سردية قوية تبرر وجوده (السببية) يعرض القطاع للهشاشة. غير أن التجربة السعودية، كما تثبت مؤشرات رؤية 2030، تقدم مقاربة فريدة تدمج بين الأمرين؛ حيث يتم تطوير أدوات الحوكمة والتمكين (الكيفية) كرافعة أساسية لتحقيق (الغاية) الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، ليتحول القطاع الثالث من عبء أو كيان مهمش، إلى محرك أساسي للنمو الاقتصادي، ورافد رئيسي لتوليد الوظائف وبناء رأس المال الاجتماعي المستدام.
التعليقات (2)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!