في مقالها التحليلي العميق "المرونة نتيجة، وليست استراتيجية"، تقدم الدكتورة ديليك سيدأحمد، خبيرة السياسات الاقتصادية، تشخيصاً نقدياً لواقع العمل الخيري عبر الحدود ومستقبل القطاع غير الربحي في ظل نظام عالمي متشرذم.
من خلال توظيف استعارة "الطائرات المحلقة" التي تقاطع المؤتمرات الأكاديمية دون أن توقفها، ترمز الكاتبة إلى حالة التجاهل أو الاستجابة البطيئة للمؤسسات الدولية تجاه التحولات الهيكلية الضخمة التي تعصف بالعالم.
تأتي أهمية هذا النص، ضمن دراسة اقتصاديات القطاع غير الربحي، من كونه ينقل النقاش من حيز "إدارة التبرعات" إلى حيز "الاقتصاد السياسي الماكرو"، طارحاً تساؤلات جوهرية حول طبيعة التمويل، وهيكلية المؤسسات الخيرية، وإعادة تعريف مفاهيم التنمية بعيداً عن القوالب النيوليبرالية الجاهزة.
القطاع غير الربحي في "عالم ما بعد المساعدات"
تبدأ الكاتبة بتشخيص ثلاث صدمات هيكلية يتعرض لها اقتصاد القطاع الثالث حالياً:
- انحسار التمويل الحرج:
وهو تراجع ملحوظ في حجم المساعدات التقليدية وتدفقات رأس المال الخيري عبر الحدود. - تآكل الشراكات والقيادة الدولية:
تراجع دور المؤسسات الدولية الكلاسيكية وتآكل الثقة بها. - تغير هيكل الفاعلين (صعود الكيانات التكنولوجية):
دخول لاعبين جدد مثل شركات التكنولوجيا العملاقة لسد الفراغ، مما يفرض نموذجاً جديداً للتمويل التنموي يغير من قواعد "المساءلة" (Accountability)؛ فالجهات المانحة الجديدة لا تخضع لنفس معايير المساءلة التي كانت تخضع لها الحكومات والمؤسسات الدولية السابقة.
هذا التشخيص يعكس أزمة تمويل وتوجيه داخل القطاع غير الربحي، حيث لم تعد آليات العرض والطلب التقليدية للمساعدات تعمل بنفس الكفاءة، مما يمهد لظهور ما أسمته بـ "عالم ما بعد المساعدات".
الاقتصاد السياسي للعمل الخيري: تفكيك السردية النيوليبرالية
تكمن قوة المقال في جرأته على كشف الارتباط العضوي بين تمويل القطاع غير الربحي وبين النظام الرأسمالي العالمي.
تلاحظ الكاتبة، بصفتها خبيرة اقتصادية، أن المنظمات تبحث عن بدائل للنظام الحالي دون فهم ما كان يحافظ على بقائه في المقام الأول.
تشير القراءة الاقتصادية للنص إلى أن "تعزيز الديمقراطية" و"العمل الخيري العابر للحدود" لم يكونا غايات في حد ذاتهما، بل كانا أدوات مدعومة اقتصادياً ضمن مرحلة محددة من "الرأسمالية المفتوحة" (حرية التجارة وحركة رأس المال).
وبمجرد أن بدأت هذه المرحلة في الانغلاق (مع صعود الحمائية الاقتصادية والتنافس الاستراتيجي)، بدأ تمويل القطاع غير الربحي بالانحسار.
تستنتج الكاتبة هنا حقيقة قاسية: إن تخلف الدول النامية لم يكن خللاً عابراً، بل كان "بفعل التصميم" (By design) في ظل النظام السابق الذي استخدم المساعدات للحفاظ على مصالحه.
"المرونة" كمخرجات اقتصادية (Economic Outcomes)
في صلب مادة اقتصاديات القطاع غير الربحي، عادة ما تُطرح "المرونة" (Resilience) كاستراتيجية يجب على المؤسسات والمجتمعات تبنيها.
لكن سيدأحمد تقلب هذه المعادلة، مؤكدة أن المرونة تشبه "الثروة"؛ لا يمكن فرضها بقرار. المرونة، من منظور اقتصادي، هي "نتيجة" طبيعية لامتلاك "قدرات إنتاجية" (Productive capabilities).
أي أن قدرة المجتمعات على مواجهة الصدمات لا تأتي من برامج التوعية أو المنح الخيرية المؤقتة، بل تنبع من وجود مؤسسات قادرة على الإنتاج، الابتكار، خلق فرص العمل، وبناء اقتصاد حقيقي.
بناءً على ذلك، ترى الكاتبة أن إصلاح الحوكمة هو رفاهية تتبع بناء القدرات الإنتاجية، وليس العكس.
إعادة هندسة مؤشرات القياس: من "الكم" إلى "الكرامة"
تنتقد الكاتبة قصور المؤشرات الاقتصادية التقليدية مثل "الناتج المحلي الإجمالي" (GDP) أو "حجم التدفقات الرأسمالية" في قياس الأثر الحقيقي للقطاع غير الربحي.
هذه المؤشرات تقيس "حجم" الحركة الاقتصادية لكنها تعجز عن قياس جودتها.
بدلاً من ذلك، تدعو إلى تبني معايير تعتمد على "القدرة والكرامة" (Capability and Dignity)؛ وهو ما يتقاطع مع نظرية "القدرات" للاقتصادي أمارتيا سن (Amartya Sen).
السؤال الأهم في اقتصاديات القطاع الخيري لم يعد "كم دولاراً عبر الحدود؟" بل "هل منح هذا الدولار المجتمعات المحلية الوكالة والقدرة على الاختيار والرفض والبناء؟".
مستقبل منظمات المجتمع المدني: من الرعاية إلى الإنتاج
يُختتم المقال بتساؤل مفصلي يمثل تحدياً استراتيجياً للمنظمات غير الربحية:
إذا كانت المرونة الاقتصادية والمجتمعية تعتمد على القدرات الإنتاجية بدلاً من القواعد الدولية، فهل يجب على المجتمع المدني أن يغير من نموذج عمله؟ تُلمح الكاتبة إلى ضرورة انتقال المنظمات غير الربحية من أَدوارها التقليدية (تقديم الخدمات، كسب التأييد، وحملات المساءلة) إلى أدوار اقتصادية أكثر تعقيداً؛ تتمثل في دعم "القدرات الإنتاجية" للمجتمعات المحلية وإعادة تنظيم قدراتها المؤسسية لتحقيق ذلك. هذا يعني أن العمل الخيري يجب أن يتحول من كونه "مسكناً" لآثار السوق النيوليبرالي، إلى شريك في بناء "هياكل اقتصادية منتجة".
التعليقات (4)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!