فخ «ولدنا اللي ربيناه».. حين تصبح العاطفة عبئاً على القرار الاقتصادي

في كواليس إدارة الأعمال والمشاريع، كثيراً ما تتسلل المشاعر الإنسانية إلى غرف الاجتماعات لتنافس لغة الأرقام والبيانات. ولعل أحد أبرز المظاهر المعبرة عن هذا التداخل هو ما يمكن تسميته بفخ «ولدنا اللي ربيناه»؛ وهو الارتباط العاطفي الزائد الذي يطوّره رائد الأعمال أو المستثمر تجاه مشروعه، ليتعامل معه كأحد أبنائه لا كأصل استثماري أُسّس لغرض محدد: توليد القيمة وتحقيق العائد.

هذا الولاء العاطفي غير المدروس يفرض تكلفة اقتصادية باهظة على المؤسسات، ويظهر أثره بوضوح في ثلاثة مظاهر رئيسية:

1. الوقوع في أسر "التكلفة الغارقة"

تتحول الأموال والجهود التي صُرفت في الماضي إلى قيد يكبّل الحاضر والمستقبل. يقع الكثيرون في مغالطة منطقية تدفعهم للاستمرار في مشروع خاسر أو ضعيف الجدوى، مبررين ذلك بحجم الإنفاق السابق، متناسين القاعدة الاقتصادية الذهبية: "التكلفة الغارقة مالٌ أو جهدٌ صُرِف، ولا ينبغي أن يحكم قرار اليوم".

2. العاطفة كعائق أمام سيولة الأصول

حين تسيطر العاطفة على الإدارة، يصبح قرار البيع أو التسييل بمثابة "التخلي" أو الاعتراف بالفشل. هذا التفكير يعطل مرونة رأس المال؛ فرفض التخلي عن الأصل في الوقت المناسب يحرم المستثمر من قنص فرص بديلة، وقد يعني تفويت صفقات تمنح عائداً أعلى بكثير. إن الخروج من المشروع في الوقت المناسب ليس فشلاً، بل قد يكون نجاحاً يفتح الباب لإعادة تخصيص الموارد بكفاءة.

3. تجميد العائد لصالح الذكريات

المشروع التجاري في نهاية المطاف ليس غاية عاطفية في حد ذاته، بل هو أداة لتخصيص رأس المال وفق معايير الجدوى. عندما تطغى الذكريات والجهد المبذول تاريخياً على المؤشرات الحالية، تتجمد السيولة وتتراجع القدرة التنافسية للمنشأة.

خلاصة القول:
إن استدامة الأعمال وتنميتها تتطلب فصلاً حاسماً بين المشاعر والاستثمار. وإذا كان للولاء مكان في قطاعات أخرى، فإن القانون الأول في عالم الاستثمار يظل ثابتاً: في الاقتصاد.. الوفاء للبيانات، لا للذكريات.