تكشف أحدث إفصاحات 13F عن تحول لافت، وإن كان محدوداً، في سلوك المستثمرين المؤسسيين تجاه أسهم التكنولوجيا العملاقة والقطاعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. فبينما لم تتخلَّ المؤسسات عن رهاناتها على التكنولوجيا، تشير بيانات الربع الثاني من عام 2026 إلى أنها أصبحت أكثر انتقائية في توزيع رأس المال، ولا سيما تجاه أسهم «السبعة الكبار» التي قادت صعود السوق خلال السنوات الماضية.

ويشير تحليل أجرته رويترز لإفصاحات 13F المقدمة إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) إلى أن نحو 6,371 جهة استثمارية، وأظهر التحليل أن نحو 44% من الجهات خفّضت حيازاتها في أسهم «السبعة الكبار»، مقابل 42% زادت حيازاتها أو فتحت مراكز جديدة فيها، تشمل صناديق معاشات وصناديق تحوط ومديري ثروات وغيرهم من المستثمرين المؤسسيين، كشفت عن مراكزها الاستثمارية حتى نهاية يونيو. تشير الأرقام إلى انقسام أكبر بين مديري المحافظ، لكنها لا تكشف وحدها اتجاه التدفقات النقدية الصافية؛ لأنها تقارن عدد الجهات التي رفعت حيازاتها أو خفضتها، لا قيمة الأموال المتحركة بينها.

ولا تعني هذه الأرقام أن المؤسسات تتوقع بالضرورة انهيار أسهم التكنولوجيا العملاقة، بقدر ما تعكس انتقالاً من حالة الحماس الواسع إلى إدارة أكثر دقة للمخاطر والتقييمات ومقدار الانكشاف على الصفقات المزدحمة (أي الرهانات التي يتكدس فيها عدد كبير من المستثمرين في الاتجاه نفسه.).

حذر أكبر تجاه «السبعة الكبار»

تضم مجموعة «السبعة الكبار» بعض أكبر شركات التكنولوجيا الأمريكية، ومنها مايكروسوفت وميتا وألفابت وأمازون وإنفيديا وغيرها من الشركات العملاقة التي أصبحت تمثل وزناً كبيراً في المحافظ المؤسسية.

وتكمن أهمية أرقام 13F في أنها تظهر أن السوق لم يعد يتحرك وفق رهان مؤسسي موحد على هذه المجموعة. فالفارق بين الجهات التي خفضت مراكزها وتلك التي رفعتها ضيق نسبياً، ما يشير إلى أن المستثمرين يختلفون بدرجة كبيرة حول ما إذا كانت الأسعار الحالية تعكس بالفعل النمو المستقبلي المتوقع من هذه الشركات.

ويرى بعض المحللين أن السبب قد يكون أبسط من تغير النظرة إلى الشركات نفسها: بعض المؤسسات ربما بلغت بالفعل الحد الذي تسمح به سياسات المخاطر والتركيز داخل محافظها. وعندما يصبح سهم ما يمثل وزناً كبيراً في المحفظة، قد لا يكون أمام مدير الاستثمار مجال واسع لزيادة المخصصات، حتى إذا ظل مقتنعاً بالأساسيات طويلة الأجل للشركة.

ومن ثم، فإن عدم شراء المزيد من السهم لا يعني بالضرورة الرغبة في بيعه؛ فقد يكون ببساطة انعكاساً لقيود إدارة المخاطر أو حدود التركّز في المحفظة.

غياب الإجماع لا يعني التخلي عن الذكاء الاصطناعي

ويبدو هذا التمييز أكثر أهمية عند النظر إلى أسهم الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المرتبطة بها.

ففي الوقت الذي أصبحت فيه المؤسسات أكثر حذراً تجاه بعض أسهم التكنولوجيا العملاقة، ظلت هناك شهية شرائية تجاه مجموعة من الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ووفق تحليل رويترز، كانت نحو 36% من الجهات الاستثمارية مشترية صافية في مجموعة الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي شملها التحليل، ومنها شركات مثل Arista Networks و Broadcom.

لكن طبيعة هذا الإقبال تبدو مختلفة عن المراحل الأولى من موجة الذكاء الاصطناعي. فبعض المستثمرين بدأ ينظر إلى هذه الأسهم باعتبارها صفقات زخم ذات حساسية مرتفعة للتقييمات والسيولة والرافعة المالية، وليس فقط باعتبارها استثمارات طويلة الأجل مدعومة بنمو الأرباح.

وهنا تظهر نقطة مهمة: الحذر المؤسسي لا يساوي رفضاً للذكاء الاصطناعي. بل قد يعني أن المستثمرين يؤمنون باستمرار النمو في القطاع، لكنهم أصبحوا أكثر انتقائية بشأن الشركات والأسعار التي يرغبون في دفعها مقابل هذا النمو.

أشباه الموصلات تحتفظ بجاذبيتها

الصورة أكثر إيجابية في قطاع أشباه الموصلات. فقد أظهر تحليل إفصاحات الربع الثاني أن نحو 48% من الجهات الاستثمارية كانت مشترية صافية في أسهم القطاع، مقابل 34.5% كانت بائعة صافية. وهذا يعني أن الميل المؤسسي ظل إيجابياً، حتى في الوقت الذي أصبحت فيه إدارة المخاطر أكثر حضوراً في قرارات المستثمرين.

وهذه النتيجة مهمة لأنها تمنع استخلاص استنتاج مبالغ فيه من بيانات 13F، مفاده أن المؤسسات «تهرب من التكنولوجيا». الواقع أكثر تعقيداً: المستثمرون خففوا بعض مراكزهم في أسهم التكنولوجيا العملاقة، لكنهم لم يتخلوا عن الرهان على البنية التحتية التي تقف خلف طفرة الذكاء الاصطناعي.

كما أظهرت البيانات تفاوتاً بين القطاعات المرتبطة بهذه الموجة؛ إذ كان الاهتمام بمراكز البيانات وبعض المجالات المجاورة للذكاء الاصطناعي أكثر توازناً، في المقابل، مالت المؤسسات إلى البيع بدرجة أكبر في بعض أسهم البرمجيات والطاقة.

Tiger Global تقدم مثالاً واضحاً

ربما لا يوجد مثال أوضح على إعادة ضبط المراكز من تحركات Tiger Global Management خلال الربع الثاني.

فبحسب إفصاحات الصندوق، خفّضت Tiger Global حيازتها في ألفابت بنسبة 45.4% إلى 5.81 مليون سهم حتى نهاية يونيو، كما قلصت مركزها في إنفيديا بنسبة 6.8% إلى 11.20 مليون سهم. وخفضت أيضاً حيازتها في مايكروسوفت بنسبة 9.3% إلى 2.27 مليون سهم، وفي أمازون بنسبة 3.2% إلى 9.68 مليون سهم، وفي ميتا بنسبة 8.5% إلى 2.82 مليون سهم.

ولم يقتصر الخفض على شركات «السبعة الكبار»، إذ قلصت Tiger Global مركزها في Broadcom بنحو 51% إلى 1.75 مليون سهم، وخفضت حيازتها في Taiwan Semiconductor Manufacturing Company بنسبة 12.3% إلى 4.88 مليون سهم.

لكن الجانب الآخر من القصة لا يقل أهمية. ورفع الصندوق حيازته في Intel من 1.64 مليون إلى 4.25 مليون سهم، أي إلى أكثر من ضعفي مستواها في الربع السابق. بعدما كان يمتلك 1.64 مليون سهم في الربع السابق، كما أنشأ مركزاً جديداً في AMD بلغ 674,727 سهماً، إلى جانب مركز في SpaceX بلغ 375 ألف سهم.

وبالتالي، فإن تحركات Tiger Global لا تبدو كتخارج شامل من التكنولوجيا، بل أقرب إلى إعادة توزيع داخل القطاع نفسه؛ تقليص بعض الأسماء التي ارتفعت قيمها بقوة، مقابل زيادة التعرض لأسماء أخرى، في تحرك يمكن تفسيره باعتباره بحثاً عن فرص مختلفة من حيث التقييم أو النمو المحتمل.

عندما تصبح الصفقات المزدحمة مشكلة

وبعد نهاية الربع، جاءت اضطرابات يوليو لتكشف مخاطر الصفقات التكنولوجية المزدحمة.

وبحسب تقرير لـJPMorgan نقلته رويترز، فقد خسر مديرو صناديق التحوط العالمية نحو 3% من مكاسبهم المتراكمة منذ بداية العام خلال يوليو نتيجة تفكيك صفقات مرتبطة بالتكنولوجيا، ورغم خسائر يوليو، بقيت صناديق التحوط العالمية عبر مختلف الاستراتيجيات مرتفعة بنحو 8% منذ بداية العام، وفق JPMorgan. وأشار التقرير إلى أن ازدحام المستثمرين في رهانات تكنولوجية محددة جعل الخروج من المراكز أكثر صعوبة عندما انعكس اتجاه السوق.

وتكشف هذه التطورات عن مشكلة معروفة في الأسواق: عندما يراهن عدد كبير من المستثمرين على الاتجاه نفسه، قد يكون الدخول في الصفقة سهلاً في أوقات الصعود، لكن الخروج يصبح أكثر صعوبة عندما تتغير المعنويات في وقت واحد.

وقد ظهرت بالفعل مؤشرات إضافية على هذا التحول في يوليو، مع زيادة صناديق التحوط رهاناتها القصيرة على بعض أسهم الذكاء الاصطناعي، وفق بيانات Hazeltree التي أوردتها رويترز.

13F ليست صورة كاملة للسوق

مع ذلك، يجب التعامل مع هذه البيانات بحذر. فإفصاح 13F ليس كشفاً لحظياً عن محفظة المستثمر.

وتوضح هيئة الأوراق المالية والبورصات أن مديري الاستثمار المؤسسيين الذين يديرون ما لا يقل عن 100 مليون دولار من الأوراق المالية المشمولة ضمن المادة 13(f) ملزمون بتقديم الإفصاح ربع سنوياً، على أن يتم تقديمه خلال 45 يوماً من نهاية الربع. وبالنسبة للربع الثاني من 2026، كان الموعد النهائي هو 14 أغسطس 2026.

والأهم أن نموذج 13F يعرض الحيازات المؤهلة كما كانت في نهاية الربع، ولا يعكس بالضرورة ما يملكه المستثمر في لحظة نشر الإفصاح. كما أن المراكز القصيرة لا تظهر في نموذج 13F ولا تخصم من المراكز الطويلة.

لذلك، فإن خفض مؤسسة لمركزها في سهم خلال الربع الثاني لا يعني بالضرورة أنها أصبحت متشائمة بشأنه في أغسطس، كما أن زيادة مركزها لا تعني أنها لا تزال تحتفظ بالمركز نفسه بعد نهاية يونيو.

إعادة تموضع أكثر منها هروباً

في المحصلة، لا تقدم إفصاحات الربع الثاني دليلاً كافياً على أن «السبعة الكبار» بلغت ذروتها أو أن المؤسسات تتوقع نهاية موجة الذكاء الاصطناعي.

لكنها تقدم إشارة أكثر دقة: مرحلة الشراء غير المشروط للتكنولوجيا تبدو أكثر صعوبة من السابق.

فالمؤسسات لا تزال تشتري أسهم أشباه الموصلات، ولا تزال هناك شهية تجاه شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لكنها في الوقت نفسه تقلص بعض مراكزها في أكبر شركات التكنولوجيا وتعيد توزيع رأس المال بين أسماء وقطاعات مختلفة.

ومن زاوية إدارة المخاطر، قد يكون هذا التحول أقرب إلى إعادة موازنة للمحافظ منه إلى إشارة على انهيار التوقعات تجاه التكنولوجيا. فبعد سنوات من تدفق الأموال نحو عدد محدود من الشركات، يبدو أن المستثمرين بدأوا يسألون سؤالاً أكثر صعوبة: ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الاقتصاد، وإنما من هي الشركات التي ستستحوذ فعلاً على الجزء الأكبر من الأرباح الناتجة عن هذا التحول، وبأي سعر ينبغي شراء أسهمها؟

وإذا استمر هذا التحول، فقد يكون الفصل المقبل من صعود التكنولوجيا أقل اعتماداً على قوة «السبعة الكبار» ككتلة واحدة، وأكثر ارتباطاً بقدرة المستثمرين على التمييز بين الشركات التي تملك نمواً حقيقياً في الأرباح وتلك التي تستفيد أساساً من زخم السوق.