في وقت أصبحت فيه الأخبار والمقالات متاحة بضغطة زر، قد يبدو إغلاق متجر يبيع المجلات الورقية أمرًا طبيعيًا ضمن التحول الرقمي.
لكن ماذا لو كانت هذه المتاجر تؤدي دورًا اقتصاديًا أكبر من مجرد بيع المطبوعات؟
هذا السؤال لفت انتباهي بعد قراءة مقال في صحيفة The Guardian يناقش خطط إغلاق ما يصل إلى 150 متجرًا في بريطانيا كانت تعمل سابقًا تحت اسم WH Smith، قبل إعادة تسميتها TG Jones.
وبالنسبة للكاتب، فإن المشكلة لا تقتصر على فقدان مكان لشراء المجلات، بل تشمل اختفاء مساحة كان يستطيع فيها القارئ اكتشاف اهتمامات جديدة بمجرد تصفح الرفوف.
أما بالنسبة لي، فهناك جانب اقتصادي آخر يستحق النقاش:
ماذا يحدث لإيرادات المنتج عندما يختفي المكان الذي كان يساعد العملاء على اكتشافه؟
المتجر ليس مجرد نقطة بيع
عندما تدخل متجرًا لشراء مجلة معينة، قد تلاحظ مجلة أخرى لم تكن تعرف بوجودها، فتتصفحها وربما تقرر شراءها.
هذه العملية البسيطة تمثل فرصة تسويقية مهمة للناشر.
فوجود المجلة على الرف يجعلها مرئية أمام أشخاص لم يبحثوا عنها مسبقًا، دون أن يحتاج الناشر إلى إقناع كل شخص بشكل منفصل بزيارة موقعه الإلكتروني.
وهنا أرى أن المتجر يجمع بين وظيفتين: بيع المنتج والتعريف به.
وعندما تختفي نقاط البيع، قد لا تخسر شركات النشر المبيعات المباشرة فقط، بل تخسر أيضًا فرصة الوصول إلى عملاء جدد.
وهذا يجعل قرار إغلاق المتاجر أكثر تعقيدًا من مجرد تقليل الإيجارات والمصروفات التشغيلية.
هل الطباعة فعلًا صناعة انتهت؟
من السهل افتراض أن المجلات الورقية لم تعد تحقق مبيعات بسبب انتشار المحتوى الرقمي.
لكن الأرقام التي أشار إليها المقال تقدم صورة أكثر تنوعًا.
فمجلة BBC Gardeners' World سجلت متوسط توزيع شهري يبلغ نحو 164,807 نسخ، بينما سجلت Country Living نحو 107,596 نسخ.
هذه الأرقام لا تعني أن جميع المجلات الورقية تحقق نجاحًا ماليًا، لكنها تشير إلى استمرار وجود طلب على بعض المطبوعات المتخصصة.
وهنا يظهر سؤال مهم: إذا كان هناك جمهور لا يزال يريد شراء المجلات، فلماذا تتراجع الأماكن التي تبيعها؟
قد تكون المشكلة في بعض الحالات مرتبطة باقتصاديات متاجر التجزئة نفسها، وليس بانعدام الطلب على كل منتج موجود بداخلها.
فالناشر وصاحب المتجر يعملان وفق نموذجين ماليين مختلفين، وقد لا يكون القرار الأفضل لأحدهما هو الأفضل للآخر.
خفض التكاليف قد ينقل المشكلة إلى طرف آخر
عندما تغلق شركة تجزئة أحد فروعها، فإنها قد تتخلص من مصروفات مثل الإيجار والرواتب والمرافق وتكاليف التشغيل.
ومن منظور إداري، قد يكون القرار مبررًا إذا كانت خسائر الفرع مستمرة ولا توجد فرصة واقعية لتحسين أدائه.
لكن الأثر لا يتوقف عند الشركة المالكة للمتجر.
فدار النشر التي تعتمد على ذلك الفرع لتوزيع مجلاتها قد تخسر جزءًا من وصولها إلى الجمهور.
وهنا يصبح على الناشر البحث عن قنوات بديلة، مثل الاشتراكات المباشرة أو المتاجر الإلكترونية أو التوزيع عبر منافذ أخرى.
وقد يترتب على ذلك إنفاق إضافي على التسويق والشحن وإدارة الاشتراكات وخدمة العملاء.
بمعنى آخر، خفض التكاليف لدى شركة قد يؤدي إلى ارتفاع التكاليف لدى شركة أخرى داخل سلسلة القيمة نفسها.
الانتقال إلى الاشتراكات ليس حلًا مجانيًا
قد يبدو الاشتراك المباشر بديلًا مثاليًا للمجلات الورقية، لأنه يمنح الناشر علاقة مباشرة مع القارئ وإيرادات أكثر قابلية للتوقع إذا استمرت الاشتراكات.
لكن هذا النموذج يحمل تحديات مختلفة.
فالمجلة الموجودة في المتجر قد يشتريها شخص بدافع الفضول، بينما يحتاج الاشتراك إلى قرار مسبق والتزام مالي لفترة معينة.
كما أن الناشر يحتاج إلى جذب المشترك والمحافظة عليه وإقناعه بالتجديد.
وهنا يظهر مفهوم تكلفة اكتساب العميل (Customer Acquisition Cost).
فإذا أصبحت المجلة تعتمد على الإعلانات الرقمية لجذب القراء، فقد ترتفع تكلفة الحصول على مشترك جديد، خصوصًا مع زيادة المنافسة على انتباه المستهلك.
كما يجب النظر إلى قيمة العميل طوال فترة اشتراكه، وليس إلى المبلغ الذي يدفعه في المرة الأولى فقط.
ولهذا أرى أن نجاح التحول إلى الاشتراكات يعتمد على قدرة الناشر على بناء علاقة مستمرة مع القارئ، وليس فقط توفير نسخة إلكترونية أو خدمة توصيل.
هل الخوارزميات تعوض رفوف المجلات؟
من الأفكار المثيرة في مقال The Guardian أن التصفح العشوائي قد يساعد الإنسان على اكتشاف محتوى خارج اهتماماته المعتادة.
أما المنصات الرقمية، فتعتمد بدرجات مختلفة على خوارزميات تقترح محتوى قريبًا من تفضيلات المستخدم السابقة.
وهذا يطرح سؤالًا تجاريًا أيضًا.
فقد تساعد الخوارزميات شركات النشر على الوصول إلى الجمهور المناسب بكفاءة، لكنها لا تضمن بالضرورة اكتشاف جمهور جديد لم يكن يبحث عن نوع المحتوى أصلًا.
وفي رأيي، تكمن القيمة الاقتصادية للتصفح داخل المتاجر في أنه يمنح المنتجات فرصة لجذب عملاء لم يكونوا ضمن جمهورها المعتاد.
وهذه فرصة قد يصعب قياسها، لكنها قد تكون مهمة لنمو المجلات المتخصصة.
ماذا يرى المحاسب؟
عندما يرى المحاسب خطط إغلاق 150 متجرًا، فإنه لا ينظر فقط إلى الوفر المتوقع من الإيجارات والرواتب.
بل يبدأ بطرح أسئلة أخرى:
كم تبلغ الإيرادات التي ستفقدها الشركة بعد الإغلاق؟ وما التكاليف التي يمكن تجنبها فعلًا؟ وهل توجد تكاليف مرتبطة بإنهاء العقود أو إعادة الهيكلة؟
أما بالنسبة لشركات النشر، فتظهر أسئلة مختلفة:
كيف ستتغير تكلفة توزيع النسخة الواحدة؟ هل سترتفع تكلفة اكتساب القارئ؟ وما هامش المساهمة الذي تحققه المبيعات عبر المتاجر مقارنة بالاشتراكات المباشرة؟
ومن وجهة نظري، هذه الحالة توضح أن تقييم القرارات لا يجب أن يعتمد على مقدار التكاليف التي تم تخفيضها فقط.
فقد تحقق الشركة وفرًا في جانب معين، لكنها تخسر في المقابل مصدرًا للإيرادات أو فرصة للوصول إلى عملاء جدد.
كما أن الانتقال إلى التوزيع الرقمي قد يخفض تكاليف الطباعة والتوزيع المادي، لكنه يضيف تكاليف تقنية وتسويقية تحتاج إلى التقييم.
لذلك لا أرى أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت المجلات الورقية ستختفي أمام المحتوى الرقمي، بل كيف تستطيع شركات النشر تطوير نموذج أعمال يحافظ على قيمة محتواها ويجعل الوصول إليه مجديًا ماليًا.
فقد يكون المنتج جيدًا، وقد يكون هناك من يرغب في شرائه، لكن ذلك لا يكفي إذا لم يستطع العميل اكتشافه والوصول إليه.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم:
هل ما زال الناس يشترون المجلات الورقية؟
بل:
إذا اختفت الأماكن التي تعرّف الناس بهذه المجلات، فمن أين سيأتي عملاؤها الجدد؟
التعليقات (5)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!