3 تريليونات دولار.. هل حجم سوق الكريبتو يعني فرصة استثمارية؟
عندما نسمع أن سوقًا يقترب حجمه من 3 تريليونات دولار، فمن الطبيعي أن يبدو الرقم وكأنه فرصة استثمارية ضخمة.
وهذا ما يجعل مشاركة مؤسس شركة East36 Capital الاستشارية في اجتماع للمكاتب العائلية بالرياض، في بيان صحفي صادر عن الشركة، مدخلًا مناسبًا للسؤال.
لكن بالنسبة لي، الرقم الكبير يطرح سؤالًا أهم:
هل كِبر حجم السوق يعني بالضرورة أن الاستثمار فيه أصبح أفضل؟
حجم السوق لا يساوي قيمة الاستثمار
في الأسواق التقليدية، المستثمر لا يشتري سهمًا فقط لأن الشركة تعمل في قطاع ضخم.
بل ينظر إلى الإيرادات والأرباح والتدفقات النقدية والديون، ثم يحاول تحديد ما إذا كان السعر الذي سيدفعه منطقيًا مقارنة بالقيمة التي يتوقع الحصول عليها.
أما في الأصول الرقمية، فقد تصبح هذه العملية أكثر تعقيدًا.
فارتفاع قيمة السوق يمكن أن يعكس زيادة في الطلب والاهتمام والسيولة، لكنه لا يعني أن كل أصل موجود داخله يمتلك القيمة نفسها أو مستوى المخاطر نفسه.
وهنا يظهر الفرق بين نمو السوق وجودة الاستثمار.
قد يكون القطاع نفسه في مرحلة توسع كبيرة، بينما توجد داخله أصول أو مشاريع لا تستطيع تبرير تقييماتها على المدى الطويل.
السعودية تدخل الصورة
الاهتمام بالمستثمر السعودي ليس مستغربًا مع النمو الذي تشهده المنطقة في الأصول الرقمية.
تشير تقديرات حديثة إلى أن حجم معاملات العملات والأصول الرقمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اقترب من 350 مليار دولار سنويًا، مقارنة بنحو 100 مليار دولار في 2022.
كما تشير البيانات إلى أن السعودية من أسرع أسواق المنطقة نموًا في حجم المعاملات الرقمية.
وهذا يعكس تحولًا مهمًا.
فالحديث لم يعد فقط عن أفراد يشترون عملات رقمية بدافع المضاربة، بل عن سوق بدأ يجذب اهتمام رؤوس أموال ومؤسسات ومستثمرين يبحثون عن طرق مختلفة للحصول على تعرض للأصول الرقمية.
لكن كلما زاد حجم الأموال الداخلة إلى السوق، أصبحت مسألة إدارة المخاطر أكثر أهمية.
العائد المرتفع يأتي معه سؤال آخر
أحد أكثر الأشياء التي تجذب المستثمر إلى الأصول الرقمية هو إمكانية تحقيق عوائد مرتفعة خلال فترات قصيرة.
لكن العائد لا يمكن تقييمه وحده.
فإذا ارتفع أصل بنسبة كبيرة ثم انخفض بالقوة نفسها، فإن النظر إلى أعلى عائد حققه لا يعطينا الصورة الكاملة.
ولهذا يجب أن يكون السؤال:
ما مقدار المخاطرة التي تحملها المستثمر للوصول إلى هذا العائد؟
وهنا تختلف طريقة التفكير من مطاردة الأصل الذي حقق أعلى ارتفاع إلى البحث عن العلاقة بين العائد والمخاطرة.
قد يحقق استثمار ما عائدًا أقل، لكنه يوفر مستوى مخاطرة يمكن للمستثمر تحمله بصورة أفضل.
وفي المقابل، قد يبدو عائد آخر جذابًا جدًا، لكن احتمالية الخسارة فيه تجعل الاستثمار مختلفًا تمامًا عند النظر إلى الصورة كاملة.
مشكلة أخرى: كيف نحدد القيمة؟
في كثير من الاستثمارات التقليدية، توجد أدوات تساعد على تقييم الأصل.
في الأسهم مثلًا، يمكن تحليل الأرباح والتدفقات النقدية والأصول ونمو الشركة.
أما بعض الأصول الرقمية، فلا يكون لدينا دائمًا التدفق النقدي التقليدي نفسه الذي يمكن الاعتماد عليه.
وهذا يجعل عملية تحديد القيمة أكثر صعوبة.
فهل يرتفع السعر لأن الأصل أصبح أكثر فائدة فعلًا؟ أم لأن عددًا أكبر من المستثمرين يتوقع أن يشتريه شخص آخر بسعر أعلى؟
الفرق بين الاثنين مهم جدًا.
فالسعر يخبرنا كم يدفع السوق الآن، لكنه لا يخبرنا دائمًا لماذا يستحق الأصل هذا السعر.
الاستثمار لا يعني وضع كل الأموال في أصل واحد
مع نمو سوق جديد، قد يشعر المستثمر بأنه إذا لم يدخل الآن فقد يفوّت الفرصة.
لكن من منظور إدارة الأموال، الدخول إلى قطاع جديد لا يعني بالضرورة تخصيص نسبة كبيرة من المحفظة له.
هنا تظهر أهمية التنويع.
فإذا كانت الأصول الرقمية أكثر تقلبًا من بعض الاستثمارات الأخرى، يمكن للمستثمر التفكير في حجم التعرض المناسب لها مقارنة ببقية محفظته وقدرته على تحمل الخسارة.
وبذلك يتحول السؤال من:
هل أستثمر في الكريبتو أم لا؟
إلى سؤال أكثر دقة:
إذا قررت الاستثمار، فما النسبة التي تتناسب مع مستوى المخاطرة الذي أستطيع تحمله؟
عندما يدخل المستثمر المؤسسي
اهتمام شركات الاستثمار بالسوق يضيف أيضًا بُعدًا آخر.
فالمستثمر الفرد يستطيع اتخاذ قرار الشراء والبيع بنفسه، بينما المؤسسة التي تدير أموال الآخرين تحتاج إلى ضوابط أكبر.
كيف تحفظ الأصول؟
كيف يتم تقييمها؟
من يملك صلاحية تنفيذ العمليات؟
كيف تتم مراقبة المخاطر؟
وما المعلومات التي يحصل عليها المستثمر حتى يفهم أين ذهبت أمواله؟
وهنا يصبح نمو سوق الأصول الرقمية مرتبطًا ليس فقط بالأسعار، بل أيضًا بقدرة المؤسسات على بناء حوكمة ورقابة وشفافية حول هذه الاستثمارات.
ماذا يرى المحاسب؟
قد يرى المستثمر أن سوق الكريبتو يقترب من 3 تريليونات دولار ويركز مباشرة على الفرصة.
أما المحاسب فيميل إلى طرح أسئلة أخرى:
كيف سيتم قياس الاستثمار؟ كيف ستظهر تقلبات قيمته؟ ما حجم الخسارة المحتملة؟ كيف يتم التحقق من وجود الأصل وملكيته؟ وما الضوابط الموجودة لحمايته؟
وهذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما لا تكون الأموال أموال مستثمر واحد، بل أموال عملاء تديرها مؤسسة استثمارية.
ومن وجهة نظري، هذا هو الجانب الأكثر إثارة في نمو سوق الأصول الرقمية.
فكلما أصبح السوق أكبر، لن يكون التحدي فقط في العثور على فرصة تحقق عائدًا مرتفعًا، بل في بناء أنظمة تستطيع قياس هذه الفرصة ومراقبتها وإدارة مخاطرها.
لذلك ربما لا يكون أهم رقم في الخبر هو 3 تريليونات دولار.
الأهم هو السؤال الذي يأتي بعده:
كم من هذه القيمة يستطيع المستثمر فهمها وقياس مخاطرها قبل أن يضع أمواله فيها؟
التعليقات (8)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!