60 دولارًا لرغيف خبز.. ماذا يشتري العميل فعلًا؟
ماء، دقيق، ملح، ووقت. مكونات بسيطة، لكن النتيجة رغيف خبز يُباع في نيويورك بسعر 60 دولارًا.
افتتح المخبز النمساوي Martin Auer أول فروعه في الولايات المتحدة تحت اسم Rye في منطقة سوهو، وسرعان ما تحول رغيف خبز الجاودار الخاص به إلى منتج منتشر على مواقع التواصل الاجتماعي.
ولتكتمل الصورة، فإن سعر 60 دولارًا يخص رغيفًا كاملًا يزن نحو 1.5 كيلوجرام، مع إمكانية شراء نصفه مقابل 30 دولارًا أو ربعه مقابل 15 دولارًا.
بالنسبة لي، السؤال المثير هنا ليس فقط: كيف يمكن أن يصل سعر الخبز إلى 60 دولارًا؟ بل: ماذا يشتري العميل فعلًا عندما يدفع هذا السعر؟
السعر لا يعتمد على المكونات فقط
قد تبدو تكلفة مكونات الخبز منخفضة مقارنة بسعر البيع، لكن تكلفة المنتج لا تتوقف عند الدقيق والماء.
المخبز يستورد دقيق الجاودار العضوي من النمسا، ويعمل في منطقة مرتفعة التكلفة في سوهو، كما أن عملية إعداد الخبز تعتمد على تخمير طويل ومراحل متعددة من التحضير والإنتاج.
لكن حتى هذه التكاليف لا تشرح وحدها سعر 60 دولارًا.
فالمنتج يُقدم باعتباره تجربة مرتبطة بالحرفة والتقاليد النمساوية وطريقة التصنيع، وليس مجرد رغيف للاستهلاك اليومي.
وهنا يظهر الفرق بين تكلفة المنتج والقيمة التي يعتقد العميل أنه يحصل عليها.
عندما يصبح السعر جزءًا من التسويق
اللافت أن السعر المرتفع نفسه ساهم في انتشار المنتج.
ففكرة وجود رغيف خبز بـ60 دولارًا كانت كافية لإثارة النقاش على الإنترنت وجذب أشخاص يريدون تجربته، حتى أن المخبز شهد بيع الأرغفة بشكل متكرر بعد افتتاحه.
وهذا يجعلني أرى السعر من زاوية مختلفة: فهو لم يعد مجرد رقم يغطي التكلفة ويحقق هامش ربح، بل أصبح أيضًا جزءًا من هوية المنتج.
فالعميل لا يدفع فقط مقابل الخبز، بل قد يدفع مقابل التجربة، والندرة، والقصة، وحتى القدرة على القول إنه جرّب المنتج الذي يتحدث عنه الجميع.
الانتشار لا يعني الاستدامة
لكن نجاح المنتج على مواقع التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاح نموذج الأعمال على المدى الطويل.
فالمنتج الذي يشتريه العميل مرة واحدة بدافع الفضول يختلف عن المنتج الذي يعود لشرائه كل أسبوع.
وهنا أرى أن الاختبار الحقيقي للمخبز سيبدأ بعد انتهاء موجة الانتشار: هل سيعود العملاء لأنهم يرون أن المنتج يستحق السعر؟ أم أن معظم المبيعات كانت نتيجة الفضول والخوف من تفويت الترند؟
ماذا يرى المحاسب؟
قد يرى المستهلك رغيفًا مبالغًا في سعره، بينما ينظر المحاسب إلى تكلفة الوحدة، وسعر البيع، وهامش الربح، وحجم المبيعات، وتكرار الشراء.
فقد يسمح السعر المرتفع للشركة بتحقيق هامش أكبر من كل رغيف، لكن نجاح النموذج يعتمد في النهاية على وجود عدد كافٍ من العملاء المستعدين للدفع باستمرار.
ومن وجهة نظري، قصة رغيف الـ60 دولارًا توضح أن التسعير لا يعتمد دائمًا على سؤال: كم كلفنا المنتج؟ بل أحيانًا على سؤال آخر: كم يعتقد العميل أن هذا المنتج يستحق؟
وهنا يظهر الفرق بين التكلفة والقيمة.
لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم: هل يستحق الرغيف 60 دولارًا؟ بل: هل يستطيع المخبز إقناع العملاء بأنه يستحق هذا السعر بعد انتهاء الترند؟
التعليقات (5)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!