بحسب بيانات عُرضت في منتدى دائرة قادة التجزئة العالمي، استحوذت السعودية على نحو 93% من استثمارات التجارة الإلكترونية في دول الخليج خلال عام 2025، مقارنة بـ46% في عام 2021. رقم يعكس حجم الاهتمام والثقة في السوق السعودي، لكنه يطرح بالنسبة لي سؤالًا أهم: هل ارتفاع حجم الاستثمار وحده يكفي لقياس نجاح القطاع؟

خصوصًا أن التجارة الإلكترونية لا تزال تمثل نحو 11% فقط من قطاع التجزئة الخليجي، ما يعني أن السوق أمامه مساحة كبيرة للنمو. وقد يكون هذا بالتحديد أحد أسباب توجه الاستثمارات إليه، فالمستثمر لا ينظر فقط إلى حجم السوق الحالي، بل إلى حجم الفرصة التي يمكن أن يصل إليها مستقبلًا.

لكن وجود فرصة للنمو لا يعني بالضرورة أن كل استثمار فيها سيحقق عائدًا ناجحًا.

الاستثمار لا يعني الربح مباشرة

دخول رؤوس أموال كبيرة إلى قطاع التجارة الإلكترونية يساعد الشركات على التوسع وتطوير عملياتها والوصول إلى عدد أكبر من العملاء. لكن من الناحية المالية، كل مبلغ يتم استثماره اليوم يحمل معه توقعًا بتحقيق عائد في المستقبل.

كما أن الاستثمار في التجارة الإلكترونية لم يعد يقتصر على إنشاء متجر أو منصة إلكترونية، بل أصبح يشمل الخدمات اللوجستية، والمستودعات، وتنفيذ الطلبات، وأنظمة الدفع، والتقنية والبنية التحتية الرقمية.

وهذا يعني أن نمو القطاع قد يحتاج إلى إنفاق كبير قبل أن تظهر نتائجه المالية بشكل كامل.

لذلك أرى أن الرقم الأهم مستقبلًا لن يكون فقط حجم الأموال التي دخلت القطاع، وإنما قدرة الشركات على تحويل هذه الاستثمارات إلى إيرادات وأرباح وتدفقات نقدية مستدامة.

النمو يحتاج إلى كفاءة

هناك مؤشر آخر يعكس حجم التوسع في السعودية؛ فقد ارتفع عدد السجلات التجارية المرتبطة بالتجارة الإلكترونية من 40,041 سجلًا في 2024 إلى 43,854 سجلًا في 2025.

هذا النمو يعني وجود شركات وفرص جديدة، لكنه يعني أيضًا ارتفاع المنافسة على المستهلك السعودي. ومع زيادة المنافسة، قد تضطر الشركات إلى زيادة الإنفاق على التسويق والتوصيل والعروض لجذب العملاء والمحافظة عليهم.

وهنا يظهر الفرق بين النمو في حجم الأعمال والنمو المربح.

فقد تحقق الشركة مبيعات أعلى وعدد طلبات أكبر، لكن إذا ارتفعت تكاليف اكتساب العملاء والتوصيل والتشغيل بوتيرة أسرع من الإيرادات، فقد لا ينعكس هذا النمو بنفس القوة على صافي الربح.

لهذا لا أعتقد أن نجاح التجارة الإلكترونية يمكن قياسه بعدد المتاجر أو حجم المبيعات فقط، بل بكفاءة الشركات في إدارة التكاليف وتحقيق قيمة من كل ريال تستثمره.

أين يذهب رأس المال؟

هناك جانب آخر أراه مهمًا؛ وهو كيفية استخدام الشركات للأموال المستثمرة.

فإذا استخدمت الشركة رأس المال لتطوير أنظمة تقلل تكلفة تنفيذ الطلبات، أو لتحسين الخدمات اللوجستية، أو لزيادة كفاءة المستودعات، فقد يؤدي ذلك مستقبلًا إلى تحسين هوامشها وتدفقاتها النقدية.

أما التوسع السريع دون وجود عائد واضح، فقد يؤدي إلى نمو الإيرادات مع استمرار الحاجة إلى تمويل إضافي.

وهنا يصبح السؤال ليس فقط عن مقدار رأس المال الذي استطاعت الشركة جذبه، وإنما عن مدى كفاءتها في استخدامه.

ماذا يرى المحاسب؟

قد يرى المستثمر نسبة 93% ويعتبرها دليلًا مباشرًا على نجاح السوق، لكن المحاسب ينظر إلى المرحلة التالية: ماذا حدث للأموال بعد استثمارها؟

هل ساهمت في زيادة الإيرادات؟ هل تحولت إلى تدفقات نقدية؟ هل تمكنت الشركات من السيطرة على تكاليفها؟ وهل كان العائد على الاستثمار مناسبًا مقارنة بحجم رأس المال المستخدم؟

ومن وجهة نظري، وصول السعودية إلى هذه الحصة الكبيرة من استثمارات التجارة الإلكترونية يمثل فرصة قوية ويعكس جاذبية السوق، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد دخول الأموال إليه.

فالاستثمار يوضح حجم الثقة في المستقبل، أما القوائم المالية فهي التي ستوضح لاحقًا هل تحولت هذه الثقة إلى قيمة فعلية أم لا.

لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم: كم استقطبت السعودية من الاستثمارات؟ بل: كم قيمة اقتصادية ستولدها هذه الاستثمارات مستقبلًا؟