مليارات تُستثمر في الذكاء الاصطناعي.. لكن كيف نقيس العائد؟

لم يعد السؤال في السعودية: هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي؟

الأرقام تشير إلى أن مرحلة الاستخدام والاستثمار بدأت بالفعل. فقد بلغ الإنفاق الحكومي على خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات نحو 31.9 مليار ريال خلال 2025، وارتفع إنفاق الجهات الحكومية على الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة بنسبة 20%.

وفي القطاع الخاص، جذبت شركات الذكاء الاصطناعي السعودية نحو 9.1 مليار دولار عبر 70 صفقة خلال 2025، بينما تجاوز عدد السجلات التجارية للأنشطة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي 24 ألف سجل خلال 2026، بنمو يتجاوز 31%.

هذه الأرقام توضح حجم السوق الذي يتشكل، لكنها تطرح بالنسبة لي سؤالًا آخر:

بعد كل هذا الاستثمار، كيف نعرف أن الذكاء الاصطناعي صنع قيمة فعلية؟

الاستثمار ليس النتيجة

عندما تعلن شركة أنها استثمرت ملايين الريالات في الذكاء الاصطناعي، قد يبدو الرقم بحد ذاته مؤشرًا على التطور.

لكن من منظور الأعمال، حجم الاستثمار لا يخبرنا إن كان القرار ناجحًا.

فالشركة قد تنفق على الأنظمة والبنية التحتية والبيانات والتدريب والاستشارات، لكن القيمة الحقيقية تبدأ عندما ينعكس هذا الإنفاق على عملياتها.

هل انخفضت تكلفة تنفيذ مهمة معينة؟

هل أصبح الموظف أكثر إنتاجية؟

هل تحسنت سرعة تقديم الخدمة؟

هل ساعد النظام على زيادة الإيرادات أو تقليل الأخطاء؟

هنا ننتقل من الحديث عن تكلفة التقنية إلى الحديث عن العائد من التقنية.

الذكاء الاصطناعي له تكلفة لا تظهر دائمًا في البداية

عند التفكير في AI، من السهل التركيز على تكلفة شراء النظام أو الاشتراك فيه فقط.

لكن التطبيق الفعلي قد يتطلب بنية تقنية، وتخزين بيانات، وأمنًا سيبرانيًا، وتدريبًا للموظفين، ومراقبة مستمرة للأنظمة، بالإضافة إلى تكاليف تحديثها وتطويرها.

وهذا يعني أن تقييم المشروع لا يجب أن يتوقف عند تكلفة البداية.

قد يبدو أحد الحلول أرخص عند شرائه، لكنه يصبح أكثر تكلفة عند تشغيله. وفي المقابل، قد يحتاج مشروع آخر إلى استثمار أولي كبير لكنه يوفر على الشركة تكاليف متكررة لسنوات.

لذلك يصبح السؤال المالي: هل المنافع التي سيحققها المشروع خلال عمره تبرر التكلفة الكاملة للاستثمار؟

وماذا عن المخاطر؟

الخبر لا يتحدث عن الاستثمار فقط، بل يركز أيضًا على طموح السعودية في أخلاقيات وحوكمة الذكاء الاصطناعي.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن تحقيق عائد مالي لا يعني أن المشروع ناجح إذا كان يخلق في المقابل مخاطر أكبر.

قد يساعد نظام ذكاء اصطناعي على خفض التكاليف، لكنه في الوقت نفسه قد يخلق مخاطر مرتبطة بالبيانات أو الخصوصية أو جودة القرارات.

ولهذا لا يجب أن تكون الحوكمة عائقًا أمام الاستثمار، بل جزءًا من طريقة تقييمه.

فالقرار الجيد لا يسأل فقط: كم سنوفر؟

بل أيضًا: ما المخاطر التي نتحملها مقابل هذا التوفير؟

من شراء التقنية إلى استخدامها

أكثر ما لفت انتباهي في الخبر هو أن رئيس منتدى الاقتصادية محمد البيشي لخّص التحول في السؤال نفسه: لم يعد السؤال هل نستخدم الذكاء الاصطناعي، بل كيف نستخدمه ونستثمر فيه؟ وما تكلفة هذا التحول وعوائده؟

وهنا أرى الفرق بين تبني التقنية لمجرد مواكبة السوق وبين استخدامها كقرار اقتصادي.

الشركة لا تحتاج AI في كل عملية لمجرد أن المنافسين يستخدمونه.

قد توجد عمليات تحقق فيها التقنية وفرًا كبيرًا في الوقت والتكلفة، بينما توجد عمليات أخرى لا يكون الاستثمار فيها مجديًا أصلًا.

لذلك نجاح الشركات في المرحلة القادمة قد لا يعتمد على من ينفق أكثر على الذكاء الاصطناعي، بل على من يعرف أين يضع هذا الاستثمار.

ماذا يرى المحاسب؟

عندما يسمع المحاسب أن الشركة ستستثمر في مشروع للذكاء الاصطناعي، لن يكون السؤال الوحيد: كم سيكلف؟

هناك أسئلة أخرى:

ما التكاليف الأولية والمستمرة؟ كم من الوقت أو المصروفات سيوفر النظام؟ هل سيولد إيرادات جديدة؟ متى تستطيع الشركة استرداد استثمارها؟ وما العائد المتوقع مقارنة بالبدائل؟

ثم تأتي الحوكمة لتضيف بعدًا آخر: هل توجد ضوابط واضحة لاستخدام النظام؟ ومن يتحمل مسؤولية القرارات والمخرجات والمخاطر المرتبطة به؟

ومن وجهة نظري، هذا هو التحول الأهم.

فالذكاء الاصطناعي قد يكون تقنية، لكن قرار الاستثمار فيه في النهاية قرار مالي أيضًا.

والأرقام التي نشاهدها اليوم عن مليارات الريالات والدولارات المستثمرة في القطاع تخبرنا بحجم الطموح، لكنها ليست وحدها مقياس النجاح.

المقياس الحقيقي سيظهر عندما تستطيع المؤسسات تحويل هذه الاستثمارات إلى إنتاجية أعلى، وتكاليف أقل، وإيرادات جديدة، وقرارات أفضل، مع إدارة المخاطر المصاحبة لها.

لذلك ربما لم يعد السؤال:

كم نستثمر في الذكاء الاصطناعي؟

بل:

كم قيمة يصنع كل ريال نستثمره فيه؟