تكشف نتائج الأهلي والراجحي للربع الثالث من 2026 أن البنك الأكبر في الموجودات ليس بالضرورة الأعلى ربحًا. فما الفرق بين حجم البنك وأرباحه؟ وكيف تتحول الودائع والتمويلات والاستثمارات إلى دخل؟ وما الذي يتبقى للبنك بعد تكاليف التشغيل ومخاطر التعثر؟
أظهرت نتائج الربع الثالث من عام 2026 مفارقة لافتة بين اثنين من أكبر البنوك السعودية. فقد بلغت موجودات البنك الأهلي السعودي 1.26 تريليون ريال، مقابل 1.08 تريليون ريال لمصرف الراجحي. ومع ذلك، حقق الراجحي أرباحًا صافية بلغت 7.11 مليار ريال، متقدمًا على الأهلي الذي سجل 6.45 مليار ريال.
كيف يستطيع بنك أصغر حجمًا أن يحقق أرباحًا أكبر؟
لفهم هذه المفارقة، علينا أولًا أن نعرف كيف يعمل البنك، وما الفرق بين الأموال التي يديرها والإيرادات التي يحققها والأرباح التي يحتفظ بها.
ما الموجودات؟ وهل هي أموال يملكها البنك؟
عندما تودع 10 آلاف ريال في حسابك المصرفي، فإن هذا المبلغ يبقى حقًا لك، ويلتزم البنك برده وفق شروط الحساب.
ولهذا تُسجَّل وديعتك في القوائم المالية للبنك ضمن المطلوبات، أي الأموال والالتزامات المستحقة للآخرين، وليست ربحًا حققه البنك.
في المقابل، عندما يمنح البنك تمويلًا لشراء منزل، يصبح المبلغ المستحق على العميل جزءًا من موجودات البنك؛ لأنه يمثل حقًا ماليًا للبنك في تحصيل أقساط التمويل.
وهكذا تتكون موجودات البنوك من التمويلات الممنوحة للأفراد والشركات، والاستثمارات في الصكوك والأوراق المالية، والأرصدة النقدية وغيرها.
أما مصدر تمويل هذه الموجودات فيأتي من ودائع العملاء، والتمويل الذي يحصل عليه البنك من جهات أخرى، إضافة إلى حقوق المساهمين.
إذن، الموجودات تعبر عن حجم الموارد والحقوق المالية التي يديرها البنك، وليس عن مقدار الأرباح التي حققها.
وهذا يفسر جزءًا من الفرق بين الأهلي والراجحي.
ففي نهاية سبتمبر 2026، بلغت استثمارات الأهلي نحو 324 مليار ريال، مقابل 178 مليار ريال لدى الراجحي. وهذا أحد الاختلافات المهمة في تكوين موجودات البنكين.
كيف يربح البنك من الأموال؟
يقوم نموذج العمل المصرفي على توظيف الأموال في أنشطة تحقق عوائد، أبرزها التمويل والاستثمار والخدمات المصرفية.
لنفترض أن بنكًا منح عميلًا تمويلًا بقيمة 100 ألف ريال، وحقق منه خلال سنة دخلًا تمويليًا قدره 6 آلاف ريال.
هذا المبلغ ليس ربحًا صافيًا للبنك؛ لأن توفير الأموال اللازمة للتمويل له تكلفة.
فإذا بلغت تكلفة الحصول على تلك الأموال 3 آلاف ريال، يتبقى للبنك 3 آلاف ريال تمثل صافي الدخل التمويلي في هذا المثال المبسط، قبل احتساب المصروفات التشغيلية والخسائر الائتمانية المحتملة وبقية البنود.
وتُعرف العلاقة بين العائد الذي يحصل عليه البنك من التمويل والتكلفة التي يتحملها مقابل الأموال المستخدمة فيه بأنها أساس هامش الربح التمويلي.
ولا تقتصر إيرادات البنوك على التمويل؛ فهي تحقق دخلًا من الاستثمارات، ورسوم الخدمات المصرفية، والبطاقات، والتحويلات، وإدارة الأصول، وغيرها من الأنشطة.
وبالتالي، لا يكفي أن يمتلك البنك محفظة تمويل كبيرة، بل المهم مقدار الدخل الذي تحققه وتكلفة الحصول عليه والمخاطر المرتبطة بها.
ماذا تكشف أرقام الأهلي والراجحي؟
عند النظر إلى حجم التمويل بنهاية سبتمبر 2026، نجد أن محفظة الراجحي بلغت نحو 775 مليار ريال، مقابل 758 مليار ريال للأهلي.
أي إن الراجحي يتقدم بنحو 17 مليار ريال في التمويل، رغم أن موجوداته الإجمالية أقل.
لكن الأهم من حجم التمويل هو الدخل الناتج عنه.
فخلال الربع الثالث، حقق الراجحي صافي دخل من التمويل بلغ 7.66 مليار ريال، مقابل 7.62 مليار ريال للأهلي.
الفارق هنا محدود، ويبلغ نحو 42 مليون ريال.
وفي المقابل، بلغ صافي دخل العمولات من الاستثمارات 955 مليون ريال لدى الراجحي، مقابل 431 مليون ريال لدى الأهلي.
وتوضح هذه الأرقام أن حجم المحفظة الاستثمارية الأكبر لا يعني تلقائيًا تحقيق صافي دخل أعلى منها؛ لأن الإيرادات تتأثر بعوائد الأصول وتكاليف تمويلها وطبيعة الاستثمارات.
وعند إضافة بقية الأنشطة المصرفية، يصل إجمالي دخل العمليات إلى 11.12 مليار ريال لدى الراجحي، مقابل 10.37 مليار ريال للأهلي.
وهنا يظهر الفرق بين حجم الأعمال وقدرة البنك على توليد الإيرادات منها.
هل كل ما يدخل البنك يصبح ربحًا؟
لا.
فالبنك يحتاج إلى موظفين وفروع وأنظمة تقنية وتشغيلية، ويتحمل تكاليف إدارية ومصاريف أخرى لتقديم خدماته.
وبحسب نتائج الربع الثالث، بلغت المصروفات التشغيلية للراجحي، قبل مخصصات خسائر الائتمان، نحو 2.36 مليار ريال، مقابل 2.72 مليار ريال للأهلي.
لكن مقارنة المصروفات وحدها لا تكفي للحكم على الكفاءة؛ فقد ينفق بنك أكثر لأنه يدير أعمالًا أكبر أو يقدم خدمات مختلفة.
لذلك يستخدم المحللون مؤشرًا يسمى نسبة التكلفة إلى الدخل.
والفكرة بسيطة: من كل 100 ريال يحققها البنك دخلًا من عملياته، كم ريالًا ينفق على تشغيل أعماله؟
وباستخدام إجمالي المصروفات التشغيلية قبل المخصصات مقسومًا على دخل العمليات، نجد أن النسبة خلال الربع الثالث بلغت تقريبًا:
- 21.2% لدى الراجحي: أي إنه أنفق نحو 21 ريالًا تشغيليًا مقابل كل 100 ريال من دخل العمليات.
- 26.2% لدى الأهلي: أي إنه أنفق نحو 26 ريالًا مقابل كل 100 ريال من دخل العمليات.
وهذه نسبة حسابية مبسطة قد تختلف عن المؤشر المعدل الذي تعلنه البنوك وفق تعريفاتها المحاسبية.
وتشير المقارنة إلى أن الراجحي سجل تكلفة تشغيلية أقل قياسًا بدخله خلال هذا الربع.
لكن المصروفات التشغيلية ليست التكلفة الوحيدة التي تؤثر في الأرباح.
ماذا لو لم يسدد بعض العملاء تمويلاتهم؟
هنا يظهر أحد أهم الفروق بين البنوك والشركات الأخرى.
عندما يمنح البنك تمويلًا، فإنه يتوقع تحصيل الأقساط والأرباح المتفق عليها. لكنه يواجه احتمال أن يتأخر بعض العملاء أو يعجزوا عن السداد.
ولذلك تُلزم المعايير المحاسبية البنوك بتقدير الخسائر الائتمانية المتوقعة والاعتراف بها في قوائمها المالية.
ويُعرف ذلك بمخصص خسائر الائتمان.
والمخصص ليس بالضرورة مالًا خرج من البنك، ولا يعني أن جميع القروض المرتبطة به قد تعثرت بالفعل؛ بل هو تقدير محاسبي للخسائر المحتملة بناءً على المعلومات المتاحة وتوقعات المخاطر.
وخلال الربع الثالث من 2026، سجل الراجحي صافي مخصصات لخسائر الائتمان والخسائر الأخرى بلغ 852 مليون ريال، مقابل 323 مليون ريال للأهلي.
أي إن الراجحي تحمل عبئًا أعلى من المخصصات خلال الفترة.
وهذا جانب مهم عند تفسير الأرباح؛ فالبنك قد يحقق دخلًا مرتفعًا من التمويل، لكن جزءًا من ذلك الدخل يتأثر بالمخصصات التي يعترف بها لمواجهة مخاطر عدم السداد.
ولا يكفي حجم المخصصات وحده للحكم على جودة التمويل، بل ينبغي النظر أيضًا إلى حجم المحفظة، ونسبة القروض المتعثرة، وتغطية المخصصات، وتطور تلك المؤشرات عبر الزمن.
لماذا ربح الراجحي أكثر رغم أن الأهلي أكبر؟
يمكن تلخيص ما حدث خلال الربع الثالث في ثلاثة عوامل مترابطة.
حقق الراجحي دخل عمليات أعلى بنحو 749 مليون ريال، وسجل مصروفات تشغيلية أقل بنحو 359 مليون ريال، لكنه تحمل في المقابل مخصصات أعلى بنحو 529 مليون ريال، فضلًا عن أثر بقية البنود التي تدخل في احتساب صافي الربح.
وانتهت هذه العوامل إلى تحقيق الراجحي صافي أرباح أعلى من الأهلي بنحو 656 مليون ريال.
لكن هذه المقارنة لا تعني أن الراجحي أفضل في جميع المؤشرات؛ فالأهلي يمتلك قاعدة موجودات واستثمارات أكبر، كما سجل نموًا أعلى في التمويل والودائع خلال الربع الثالث مقارنة بالربع السابق.
والدرس الاقتصادي هنا يتجاوز المنافسة بين البنكين.
فحجم الموجودات يخبرنا عن حجم البنك، ودخل العمليات يخبرنا عن قدرته على توليد الإيرادات، بينما تكشف الأرباح ما يتبقى بعد التكاليف والمخاطر والالتزامات الأخرى.
لهذا، عندما نقرأ خبرًا عن أرباح أحد البنوك، فإن السؤال الأهم ليس فقط: كم ربح؟
بل: من أين جاءت هذه الأرباح، وكم كلف تحقيقها، وما المخاطر التي تحملها البنك في سبيل الحصول عليها؟
وهنا تبدأ القراءة الاقتصادية الحقيقية للنتائج المالية.
التعليقات (1)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!