لدى "علي بابا" قرابة 70 مليار دولار من السيولة والاستثمارات السائلة. ومع ذلك، تتجه إلى جمع 10.2 مليار دولار إضافية من سوق الأسهم.

قد تبدو هذه مفارقة: لماذا تحتاج شركة تملك كل هذه السيولة إلى إصدار أسهم جديدة؟

الإجابة تتجاوز "علي بابا" نفسها، وتكشف جانبًا من اقتصاد الذكاء الاصطناعي اليوم. فالمنافسة لم تعد تعتمد على امتلاك نموذج متقدم فقط، بل على القدرة على تمويل الرقائق والبنية التحتية والحوسبة اللازمة لتشغيله على نطاق واسع. وهذه استثمارات تُدفع كلفتها اليوم، بينما قد يستغرق إثبات عائدها سنوات.

وهنا يصبح السؤال أكبر من صفقة تمويل واحدة: هل تجمع "علي بابا" الأموال لاقتناص فرصة استثنائية، أم أن سباق الذكاء الاصطناعي أصبح مكلفًا إلى درجة تستدعي توزيع كلفته على قاعدة أوسع من المساهمين؟

10.2 مليار دولار.. لماذا تجمع المال وهي تملكه؟

أعلنت "علي بابا" مقترحًا لطرح أسهم عادية جديدة في هونغ كونغ بقيمة إجمالية تبلغ 80 مليار دولار هونغ كونغ، أي نحو 10.2 مليار دولار أمريكي، على أن تستخدم كامل صافي الحصيلة في قدراتها المتكاملة في الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك توسيع وتعزيز بنيتها التحتية.

لكن أهمية الرقم تظهر عندما نقارنه بحجم الاستثمار الجاري بالفعل.

ففي الربع المنتهي في يونيو 2026، أنفقت الشركة رأسماليًا 67.7 مليار يوان، أي قرابة 10 مليارات دولار. أي أن المبلغ الذي تريد جمعه من المستثمرين يعادل تقريبًا ما أنفقته رأسماليًا خلال ربع واحد فقط. وأوضحت الشركة أن ارتفاع الإنفاق يعود إلى استمرار الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي لتلبية الطلب المتزايد من العملاء.

في المقابل، تمتلك "علي بابا" 474.5 مليار يوان، أو نحو 69.9 مليار دولار، من النقد والاستثمارات السائلة. لذلك لا تبدو الصفقة في جوهرها بحثًا عن سيولة للبقاء، وإنما اختيارًا لكيفية تمويل مرحلة استثمارية ضخمة دون الاعتماد بالكامل على الاحتياطي النقدي.

وهنا تظهر المفاضلة المالية: استخدام النقد يقلص السيولة المتاحة للشركة، والاقتراض يضيف فوائد والتزامات سداد، أما إصدار الأسهم فيوفر رأس مال لا يحتاج إلى السداد، لكنه يخفف الحصة النسبية للمساهمين الحاليين نتيجة زيادة عدد الأسهم.

إذن لا يوجد تمويل مجاني. هناك فقط طرق مختلفة لتحمل الكلفة.

حين يسبق الإنفاق توليد النقد

توضح التدفقات النقدية حجم الرهان بصورة أفضل من رقم الإيرادات وحده.

خلال الربع نفسه، ولّدت "علي بابا" نحو 22.9 مليار يوان من التدفقات النقدية التشغيلية، بينما بلغ إنفاقها الرأسمالي 67.7 مليار يوان؛ أي أن الإنفاق الرأسمالي كان يقارب ثلاثة أضعاف النقد المتولد من التشغيل.

وانعكس ذلك في تدفق نقدي حر سالب بلغ 44.7 مليار يوان، مقارنة بتدفق سالب قدره 18.8 مليار يوان قبل عام. وربطت الشركة هذا التراجع بشكل رئيسي بزيادة الإنفاق على البنية التحتية السحابية.

وهنا تظهر فكرة مالية مهمة: الشركة تستطيع أن تحقق نموًا في أعمالها وتولد نقدًا من التشغيل، ومع ذلك تستهلك استثماراتها الرأسمالية نقدًا بوتيرة أسرع.

وهذا ليس بالضرورة مؤشرًا على فشل الاستراتيجية؛ فقد تكون الشركة في مرحلة بناء تسبق تحقيق العائد. لكن كلما طالت هذه المرحلة، أصبح السؤال عن كفاءة استخدام رأس المال أكثر أهمية.

فالإنفاق الكبير يصبح استثمارًا ناجحًا فقط إذا أنتج لاحقًا إيرادات وأرباحًا وتدفقات نقدية تبرر كلفته.

الذكاء الاصطناعي ينمو.. لكن العائد لا يزال متفاوتًا

ما يجعل الحالة أكثر إثارة أن "علي بابا" لا تنفق على سوق بلا طلب.

فقد بلغت إيرادات قطاع الذكاء الاصطناعي والسحابة وخدمات الحوسبة 48.4 مليار يوان في الربع المنتهي في يونيو 2026، مع نمو الإيرادات الإجمالية والخارجية للقطاع بنسبة 45%. كما بلغت إيرادات المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي نحو 12.4 مليار يوان، محققة نموًا يتجاوز 100% للربع الثاني عشر على التوالي.

هذه الأرقام تعني أن جزءًا من الاستثمار بدأ يقابله طلب تجاري فعلي.

لكن رهان "علي بابا" أوسع من بيع خدمات الحوسبة السحابية. الشركة تبني منظومة تمتد من تصميم الرقائق والبنية التحتية إلى النماذج والتطبيقات، وتقول إن حصيلة الطرح الجديدة ستذهب إلى دعم قدراتها المتكاملة في الذكاء الاصطناعي.

إذا نجحت هذه الاستراتيجية، يمكن للشركة أن تستفيد من أكثر من طبقة في سلسلة القيمة: من توفير القدرة الحاسوبية إلى بيع الخدمات وتشغيل التطبيقات فوقها.

لكن اتساع الرهان يعني أيضًا اتساع الكلفة. وكل طبقة جديدة تحتاج إلى رأس مال ومنافسة ووقت قبل إثبات جدواها.

من النمو إلى خلق القيمة

هنا تتحول قصة "علي بابا" من قراءة مالية لشركة واحدة إلى سؤال اقتصادي عن صناعة الذكاء الاصطناعي نفسها.

هذه صناعة أصبحت أكثر كثافة في رأس المال. فالقدرة على تطوير النماذج وحدها لا تكفي؛ إذ تحتاج الشركات إلى بنية تحتية، ورقائق، ومراكز بيانات، وشبكات، وقدرة حاسوبية ضخمة قبل أن تصل الخدمة إلى العميل.

وهذا يرفع حواجز الدخول والمنافسة.

فكلما احتاجت الصناعة إلى مليارات إضافية للاستمرار في السباق، أصبحت القدرة على الوصول إلى رأس المال ميزة تنافسية بحد ذاتها. الشركات الكبرى تستطيع بناء قدرات أكبر وتحمل فترة أطول قبل ظهور العائد، بينما يصبح دخول منافسين أصغر أو استمرارهم أكثر صعوبة.

لكن وفرة المال لها وجه آخر: تكلفة الخطأ تصبح أكبر أيضًا.

فامتلاك القدرة على إنفاق مليارات الدولارات لا يعني أن كل هذه الاستثمارات ستولد عائدًا اقتصاديًا مناسبًا. وقد تحقق الشركة نموًا قويًا في الإيرادات، لكنها لا تخلق قيمة للمساهم إذا احتاج هذا النمو إلى رأس مال أكبر باستمرار دون تحسن كافٍ في التدفقات والعوائد.

وهنا يظهر الفرق بين النمو وخلق القيمة.

النمو يقول: أعمال الذكاء الاصطناعي تتوسع.

أما خلق القيمة فيسأل: كم عائدًا حققت الشركة مقابل رأس المال الذي استثمرته لتحقيق هذا النمو؟

لذلك، لا يكفي في الفترات القادمة متابعة نمو إيرادات الذكاء الاصطناعي فقط. الأهم هو معرفة ما إذا كان الإنفاق الحالي سيبدأ في التحول إلى تدفقات نقدية أعلى، وهل يستطيع النشاط أن ينمو دون الحاجة إلى زيادة رأس المال بنفس الوتيرة.

وبالنسبة للمساهم، هناك سؤال أكثر مباشرة: هل ستخلق الـ10.2 مليار دولار الجديدة قيمة تفوق أثر تخفيف الملكية الناتج عن إصدار الأسهم؟

إذا كان العائد المستقبلي أكبر من الكلفة، فقد يصبح التخفيف الحالي ثمنًا مقبولًا لتمويل نمو أكبر. أما إذا استمر احتياج الشركة إلى رأس مال ضخم دون عائد كافٍ، فسيكون المساهم قد تحمل جزءًا من كلفة السباق دون الحصول على قيمة تناسبها.

الاختبار يبدأ بعد جمع الأموال

تملك "علي بابا" اليوم شيئًا لا يتوفر لكل منافس: سيولة كبيرة، وإمكانية الوصول إلى أسواق رأس المال، وأعمالًا مرتبطة بالذكاء الاصطناعي تشهد طلبًا متزايدًا.

لكن هذه العناصر تمنحها القدرة على خوض السباق، لا ضمان الفوز فيه.

فالصفقة تحل سؤال التمويل، لكنها لا تحسم سؤال الجدوى.

والاختبار الحقيقي يبدأ بعد جمع الأموال: هل تستطيع "علي بابا" تحويل رأس المال إلى قدرة حاسوبية، والقدرة الحاسوبية إلى إيرادات، والإيرادات إلى تدفقات نقدية وعوائد تبرر كل هذا الاستثمار؟

في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، قد لا يكون الفائز هو من ينفق أكثر، بل من يستطيع تحويل رأس المال إلى قيمة قبل أن تتحول كلفة السباق إلى عبء دائم على المساهمين.