30 موقعًا لأرماح.. هل التوسع يعني ربحية أعلى؟

عندما تعلن شركة عن افتتاح فروع جديدة أو التوسع في مواقع إضافية، غالبًا ما يُنظر إلى الخبر باعتباره مؤشرًا إيجابيًا على النمو.

لكن هل زيادة عدد الفروع تعني بالضرورة زيادة الأرباح؟

هذا السؤال لفت انتباهي مع استمرار شركة أرماح الرياضية في التوسع داخل السوق السعودي، بعد إعلانها توقيع عقد لاستثمار أرض في حي السليمانية بمدينة الرياض بهدف إنشاء وتشغيل نادٍ رياضي جديد تحت علامتها التجارية «بي فت».

وبإضافة الموقع الجديد، ارتفع إجمالي مواقع الشركة إلى 30 موقعًا، ضمن خطة تستهدف الوصول إلى 50 ناديًا بحلول عام 2030.

هذه الأرقام تعكس طموحًا واضحًا للنمو، لكنها تفتح سؤالًا مهمًا:

هل نجاح التوسع يقاس بعدد الأندية الجديدة، أم بالعائد الذي يحققه كل نادٍ؟

النمو يبدأ بالاستثمار قبل الإيرادات

إنشاء نادٍ رياضي جديد لا يعني أن الشركة ستبدأ بتحقيق الأرباح بمجرد توقيع عقد الإيجار.

فالمشروع يحتاج إلى تجهيز الموقع، وشراء المعدات، وتطوير المرافق، وتوفير الأنظمة التقنية، وتوظيف العاملين، قبل استقبال المشتركين.

وهذه المرحلة قد تتطلب استثمارات كبيرة دون وجود إيرادات تشغيلية مقابلة من الموقع الجديد.

وفي الوقت نفسه، قد تبدأ بعض الالتزامات المالية قبل التشغيل، بحسب شروط العقود.

وهنا يظهر الفرق بين إعلان مشروع جديد وتحقيق عائد فعلي منه.

فقد تستطيع الشركة إضافة عدة مواقع إلى خطتها خلال فترة قصيرة، لكن الأثر المالي الحقيقي يعتمد على موعد تشغيل كل موقع وكفاءته وقدرته على جذب المشتركين.

هل كل نادٍ جديد فرصة مربحة؟

قد تختلف ربحية الأندية الرياضية حتى لو كانت تابعة للشركة نفسها.

فالنادي الموجود في منطقة ذات كثافة سكانية مرتفعة قد يحقق اشتراكات أكثر من نادٍ في موقع آخر، لكنه ربما يتحمل أيضًا إيجارًا أعلى وتكاليف تشغيل أكبر.

كما تؤثر مساحة النادي ومستوى الخدمات والمنافسة المحيطة وطبيعة العملاء المستهدفين في نتائجه المالية.

ولهذا لا يكفي اختيار موقع يبدو جذابًا من الناحية التجارية.

بل تحتاج الشركة إلى تقدير حجم الطلب المتوقع، وتحديد عدد الاشتراكات اللازمة لتغطية التكاليف، ومقارنة الإيرادات المتوقعة بالمصروفات.

ومن وجهة نظري، الموقع الجيد ليس بالضرورة الموقع الأكثر شهرة أو الأعلى تكلفة، بل الموقع الذي يستطيع تحقيق عائد مناسب مقارنة بحجم الاستثمار فيه.

الاشتراكات لا تتحول كلها إلى أرباح

تعتمد الأندية الرياضية بصورة أساسية على اشتراكات العملاء والخدمات الإضافية التي تقدمها.

وقد يكون ارتفاع عدد المشتركين مؤشرًا إيجابيًا، لكنه لا يكفي وحده لتقييم الربحية.

فالشركة تتحمل مصروفات مثل الرواتب والصيانة والنظافة والكهرباء والمياه والأنظمة التقنية.

كما أن المعدات الرياضية تحتاج إلى صيانة وتجديد، وتظهر تكلفة استخدامها على مدى عمرها الإنتاجي من خلال الإهلاك.

وهنا تظهر أهمية هامش المساهمة، الذي يساعد الإدارة على فهم مقدار الإيرادات المتبقي بعد التكاليف المتغيرة للمساهمة في تغطية التكاليف الثابتة وتحقيق الربح.

فقد يحقق النادي إيرادات مرتفعة، لكن ارتفاع مصروفاته قد يقلل الأرباح التي يحتفظ بها.

لذلك يجب النظر إلى ربحية كل نادٍ على حدة بدلًا من الاعتماد على إجمالي إيرادات الشركة فقط.

متى يصل النادي إلى نقطة التعادل؟

أحد أهم الأسئلة التي يمكن طرحها قبل افتتاح أي نادٍ رياضي هو عدد المشتركين المطلوب لتغطية المصروفات.

وهنا يظهر مفهوم نقطة التعادل (Break-even Point).

على سبيل المثال، إذا كانت التكاليف الثابتة الشهرية لنادٍ افتراضي تبلغ 300 ألف ريال، وكان متوسط هامش المساهمة من كل اشتراك شهري 300 ريال، فسيحتاج النادي إلى نحو ألف اشتراك شهري مكافئ حتى يصل إلى نقطة التعادل.

هذا المثال للتوضيح فقط، ولا يمثل أرقام أرماح الفعلية.

ويوضح أن زيادة عدد المواقع لا تضمن الربحية، لأن كل موقع يحتاج إلى مستوى كافٍ من الإيرادات لتغطية تكاليفه.

كما أن وصول النادي إلى نقطة التعادل لا يعني بالضرورة استرداد كامل الاستثمار الأولي؛ إذ قد يحتاج المشروع إلى سنوات لتحقيق تدفقات نقدية تعوض تكاليف تأسيسه.

التوسع السريع قد يضغط على التدفقات النقدية

من الجوانب التي أراها مهمة عند تحليل الشركات المتوسعة الفرق بين الربح والتدفق النقدي.

فقد تسجل الشركة نموًا في إيرادات الاشتراكات، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى إنفاق مبالغ كبيرة على تجهيز أندية جديدة.

وقد يؤدي ذلك إلى زيادة الاحتياجات التمويلية خلال مرحلة النمو.

كما أن بعض الاشتراكات المدفوعة مقدمًا تمنح الشركة سيولة، لكنها لا تعني الاعتراف بكامل المبلغ إيرادًا فور استلامه؛ إذ يُعترف بالإيراد عادةً مع تقديم الخدمة على مدى فترة الاشتراك.

ولهذا تصبح إدارة السيولة مهمة حتى لا يتحول التوسع إلى ضغط على قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها.

ماذا يرى المحاسب؟

عندما يرى المحاسب أن أرماح تستهدف الوصول إلى 50 ناديًا بحلول 2030، فإنه لا يركز فقط على الفرق بين عدد المواقع الحالي والمستهدف.

بل يبدأ بطرح أسئلة أخرى:

كم تبلغ تكلفة إنشاء النادي الواحد؟ ما متوسط الإيراد لكل مشترك؟ ما نسبة تجديد الاشتراكات؟ كم يحتاج النادي للوصول إلى نقطة التعادل؟ وما الفترة المتوقعة لاسترداد رأس المال المستثمر؟

كما تصبح المعالجة المحاسبية لعقود الإيجار، والإهلاك، والإيرادات المؤجلة، والتدفقات النقدية من العناصر المهمة في فهم الأداء.

ومن وجهة نظري، التوسع في قطاع الأندية الرياضية فرصة للاستفادة من نمو الاهتمام بالصحة واللياقة البدنية، لكنه يحتاج إلى توازن بين سرعة الانتشار وكفاءة التشغيل.

فالشركة قد تنجح في افتتاح عدد كبير من الأندية، لكن نجاح نموذج أعمالها يعتمد على قدرتها على تشغيل تلك المواقع وتحقيق عوائد مستدامة منها.

لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم:

كم ناديًا جديدًا ستفتتح أرماح؟

بل:

كم قيمة مالية يستطيع كل نادٍ جديد أن يضيفها للشركة؟