قد يكون الذكاء الاصطناعي واحدًا من أهم التحولات الاقتصادية في العقود المقبلة، ويرفع إنتاجية الشركات ويفتح أسواقًا جديدة، ومع ذلك يستطيع المستثمر أن يخسر أمواله في الشركات المرتبطة به.
قد تبدو الفكرتان متناقضتين، لكنهما ليستا كذلك.
وهذه هي النقطة التي ركز عليها محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي عندما حذر من احتمال تعرض الأسواق لصدمات مرتبطة بطفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. فبيلي لا ينفي إمكانات التقنية، بل يرى أنها قد ترفع النمو، لكنه يحذر من افتراض أن جميع الشركات التي تستفيد من موجة الذكاء الاصطناعي اليوم ستكون فائزة في المستقبل.
التقنية الناجحة لا تعني سهمًا ناجحًا
سعر السهم لا يعتمد على جودة الشركة اليوم فقط، بل على مقدار الأرباح التي يتوقع المستثمرون أن تحققها مستقبلًا.
وهنا تظهر المشكلة عندما تكون التوقعات مرتفعة جدًا.
إذا كانت السوق تتوقع من شركة ما أن تضاعف أرباحها لسنوات، فقد يرتفع سعرها إلى مستوى لا يكفي معه مجرد تحقيق نتائج جيدة؛ بل تحتاج الشركة إلى تحقيق نتائج أفضل من التوقعات المرتفعة أصلًا.
ولهذا يمكن أن تنجح صناعة كاملة، بينما تنخفض أسهم بعض الشركات داخلها.
حدث شيء مشابه في مراحل سابقة من تطور الإنترنت. التقنية نفسها غيرت العالم فعلًا، لكن العديد من الشركات التي كانت تُعتبر في وقت ما قادة للموجة اختفت أو خسرت مكانتها لاحقًا.
إذن هناك ثلاثة أشياء مختلفة:
نجاح التقنية، نجاح الشركة، والعائد الذي يحصل عليه المستثمر بالسعر الذي دفعه.
وقد ينجح الأول دون أن يتحقق الثاني أو الثالث.
متى تتحول الطفرة إلى خطر مالي؟
الخطر يصبح أكبر عندما لا يعتمد الاستثمار على أموال الشركات نفسها فقط، بل يبدأ بالاعتماد بدرجة أكبر على الديون.
وأشار بنك إنجلترا إلى أن إصدارات الديون العالمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بلغت نحو 450 مليار دولار حتى أوائل سبتمبر 2026، أي أكثر من ضعف إجمالي 2025، بحسب تقديرات نقلها البنك عن Morgan Stanley. كما يتوقع محللون تمويل جزء كبير من الإنفاق المستقبلي على مراكز البيانات عبر أسواق الدين والائتمان الخاص.
والدين يغير المعادلة.
إذا اشترت شركة معدات بمليارات الدولارات من أموالها ثم جاءت العوائد أقل من المتوقع، تتحمل الشركة خسارة استثمارية.
لكن إذا موّلت المشروع بالاقتراض، فهي مطالبة بخدمة الدين حتى لو جاءت الإيرادات أقل من المتوقع.
وهنا قد تنتقل المشكلة من سعر سهم واحد إلى البنوك والسندات وصناديق الائتمان والمستثمرين الذين موّلوا هذه المشاريع.
لماذا تهم التقييمات؟
كلما ارتفع سعر الأصل بناءً على توقعات بعيدة في المستقبل، أصبح أكثر حساسية لأي تغيير في هذه التوقعات.
فإذا اعتقد المستثمرون أن الذكاء الاصطناعي سيرفع الإنتاجية بسرعة كبيرة، قد يقبلون بتقييمات مرتفعة للشركات التي ستستفيد منه.
لكن إذا احتاج تبني التقنية وقتًا أطول، أو جاءت الإيرادات أقل، أو ارتفعت تكاليف الطاقة ومراكز البيانات والتمويل، فقد يعيد المستثمرون حساب القيمة التي تستحقها هذه الشركات.
هذا لا يعني انهيار الصناعة.
بل يعني ببساطة أن السعر القديم كان يفترض مستقبلًا أكثر تفاؤلًا من المستقبل الجديد الذي يتوقعه السوق.
ما الذي يقلق البنك المركزي؟
البنك المركزي لا يهتم فقط بخسارة مستثمر في سهم تقني.
اهتمامه يبدأ عندما تصبح المخاطر مترابطة بدرجة يمكن أن تؤثر في النظام المالي.
فالإنفاق على الذكاء الاصطناعي اليوم يرتبط بشركات التقنية والرقائق ومراكز البيانات والطاقة، إضافة إلى أسواق السندات والائتمان الخاص والبنوك.
ولهذا حذرت لجنة الاستقرار المالي في بنك إنجلترا من أن نمو التمويل المرتبط بالذكاء الاصطناعي يوسع عدد المستثمرين والأسواق المعرضة لأي إعادة تقييم مفاجئة للتوقعات.
النجاح الحقيقي يأتي بعد الإنفاق
السؤال الأهم في السنوات المقبلة لن يكون فقط:
كم مليار دولار أُنفقت على الذكاء الاصطناعي؟
بل:
كم قيمة اقتصادية أنتجتها هذه المليارات؟
إذا تحولت مراكز البيانات والرقائق والنماذج إلى إنتاجية أعلى وإيرادات جديدة، فقد تبرر الاستثمارات جزءًا كبيرًا من التفاؤل الحالي.
أما إذا سبقت التقييمات والديون قدرة الشركات على تحقيق العائد، فقد نشهد تصحيحًا حتى لو استمر الذكاء الاصطناعي نفسه في تغيير الاقتصاد.
وهنا تظهر المفارقة: يمكن للتقنية أن تكون الثورة القادمة فعلًا، بينما يكون بعض المستثمرين قد دفعوا مبكرًا أكثر مما ينبغي للمشاركة فيها.
التعليقات (6)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!