لسنوات طويلة، كان دعم الكهرباء والمياه يصل إلى الجميع بالطريقة نفسها: سعر أقل من التكلفة، يستفيد منه كل من يستهلك، مهما كان دخله أو حجم استهلاكه. واليوم تخطو المملكة خطوة جديدة في تغيير هذه المعادلة، عبر رفع التعرفة من جهة، وتقديم دعم نقدي مباشر من جهة أخرى.

ماذا حدث؟

أقرت المملكة زيادات في تعرفة الكهرباء والمياه اعتبارًا من مطلع العام المقبل، بالتزامن مع دعم نقدي شهري قدره 500 ريال، أي 6 آلاف ريال سنويًا، لفئات واسعة من المواطنين. وجاءت الإجراءات بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، بناءً على ما عرضه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء.

وتهدف هذه الإجراءات إلى ترشيد دعم الاستهلاك والتحول تدريجيًا إلى دعم نقدي موجه، يساعد المستفيدين على استيعاب ارتفاع الفواتير، ويمنحهم في الوقت نفسه حافزًا على الترشيد، لأن كل ما يوفرونه من استهلاك يبقى في أيديهم.

أولًا: ما الفرق بين دعم الاستهلاك والدعم النقدي؟

دعم الاستهلاك: تبيع فيه الدولة الخدمة بسعر أقل من تكلفتها للجميع، فيستفيد منه الغني والفقير، ويحصل الأكثر استهلاكًا على النصيب الأكبر من الدعم.

الدعم النقدي: تدفع فيه الدولة مبلغًا مباشرًا لفئات محددة، بينما تقترب الأسعار من تكلفتها الحقيقية، فيقرر المستفيد بنفسه كيف يوازن بين استهلاكه وما يتبقى له من المبلغ.

ويتسق هذا التوجه مع توصيات مؤسسات اقتصادية، من بينها صندوق النقد الدولي، الذي يحث الحكومات على استبدال دعم الطاقة الشامل بدعم نقدي موجه، وتوجيه ما يتحقق من وفر مالي إلى الاستثمارات العامة.

كم ستزيد فاتورتك؟

في الكهرباء، يرتفع سعر الكيلوواط ساعة للقطاع السكني من 18 إلى 21 هللة للاستهلاك حتى 6 آلاف كيلوواط ساعة شهريًا، ومن 30 إلى 33 هللة لما يزيد على ذلك. أي أن الزيادة 3 هللات لكل كيلوواط ساعة في الشريحتين، أو 30 ريالًا لكل ألف كيلوواط ساعة، قبل احتساب ضريبة القيمة المضافة.

وبهذا الحساب، فالأسرة التي تستهلك 2000 كيلوواط ساعة شهريًا ستدفع نحو 60 ريالًا إضافية، والتي تستهلك 6 آلاف كيلوواط ساعة نحو 180 ريالًا، قبل الضريبة والتغير في الرسوم الثابتة. وستتراوح هذه الرسوم بين 70 و100 ريال شهريًا بحسب سعة القاطع، لتحل محل رسوم خدمة العداد السابقة.

أما في المياه، فيُقدَّر ألا تتجاوز الزيادة الشهرية نحو 67 ريالًا شاملة ضريبة القيمة المضافة، للمشتركين السكنيين الذين لا يتجاوز استهلاكهم 30 مترًا مكعبًا، ولا تزيد أقطار توصيلاتهم على 40 مليمترًا، وهي فئة تضم نحو 99% من مستهلكي المياه السكنيين. ويستمر الدعم الحكومي في تغطية التكاليف الرأسمالية لقطاع المياه، التي تمثل أكثر من نصف تكلفة كل متر مكعب يصل إلى المستفيد.

من يحصل على الدعم؟

يشمل الدعم النقدي:

الموظفين المدنيين والعسكريين المشمولين بسلالم الخدمة المدنية وبرامج التشغيل.

المتقاعدين، والمستحقين من عائلات المشتركين أو المتقاعدين المتوفين الخاضعين لنظام التأمينات الاجتماعية.

الأسر المستفيدة من الضمان الاجتماعي.

أما السعوديون العاملون في القطاع الخاص، فتأتي مساندتهم عبر الأجور والتوطين، إذ يرتفع الأجر المطلوب لاحتساب الموظف السعودي عاملًا بدوام كامل في برنامج «نطاقات» إلى 5 آلاف ريال بعد ستة أشهر من بدء تطبيق الإجراء، ثم إلى 6 آلاف ريال بعد عام من الزيادة الأولى. وهذا يمنح المنشآت حافزًا لرفع الأجور حتى يُحتسب موظفوها بالكامل ضمن نسب التوطين.

لماذا الآن؟

بدأت المملكة هذا التحول تدريجيًا مع انطلاق رؤية 2030 قبل نحو عقد، حين أطلقت برنامج «حساب المواطن» لحماية الأسر من آثار الإصلاحات الاقتصادية. لكن الحكومة تجنبت رفع أسعار الكهرباء منذ 2018، بل توسعت هذا العام في الإنفاق على الدعم للحد من تبعات حرب إيران على التضخم والاستهلاك.

ويأتي القرار في توقيت تبقى فيه الضغوط السعرية معتدلة، إذ سجل التضخم السنوي في المملكة 1.9% في سبتمبر. ويؤكد بحث لصندوق النقد الدولي أن انخفاض التضخم والتدرج في التنفيذ يسهلان تكيف الأسر والشركات مع إصلاح الدعم.

وهناك مكسب آخر أقل وضوحًا: فترشيد الاستهلاك يقلل الحاجة إلى الوقود المستخدم في توليد الكهرباء وإنتاج المياه، ما قد يتيح كميات أكبر من النفط للتصدير، بالتوازي مع جهود إحلال الغاز والطاقة المتجددة محل الوقود السائل في محطات الكهرباء.

هل ترتفع أسعار السلع والخدمات؟

تدخل الكهرباء والمياه مباشرة في سلة التضخم، كما تمثلان جزءًا من تكاليف تشغيل الشركات. ويتوقف انتقال الزيادة إلى أسعار السلع والخدمات الأخرى على وزن هاتين الخدمتين في تكاليف كل نشاط، وعلى قدرة المنشآت على رفع أسعارها دون أن تخسر عملاءها.

وتشير بعض التقديرات إلى أن أثر تعديل الكهرباء على معظم الأنشطة الصناعية والتجارية والزراعية سيكون محدودًا، بينما لا يشمل تعديل تعرفة المياه الاستخدامات الصناعية والزراعية أصلًا.

وفي الاقتصاد، يُنظر إلى السعر بوصفه رسالة تخبر المستهلك بقيمة ما يستهلكه. فحين يكون السعر أقل كثيرًا من التكلفة الحقيقية، تصل الرسالة مشوشة: يحصل الأكثر استهلاكًا على النصيب الأكبر من الدعم، ويضعف الحافز على الترشيد. أما الدعم النقدي فيغير المعادلة، لأنه يصل بالمبلغ نفسه إلى المستفيد، سواء استهلك كثيرًا أو قليلًا، فيصبح كل كيلوواط يُوفَّر مالًا يبقى في جيبه. وربما يكون هذا التحول، من دعم الاستهلاك إلى دعم المستهلك، من أهم التغييرات الهادئة في علاقة الأسرة بفاتورتها.

تنويه: هذا المقال معرفي، هدفه تبسيط الخبر وشرحه بأسلوب سهل وقريب للقارئ. المعلومات الواردة فيه مأخوذة من مصادر إخبارية منشورة، وتمت صياغتها وتبسيطها بتصرّف، ولا تمثل موقفًا أو تصريحًا رسميًا لأي جهة. وقد تطرأ تحديثات على هذه المعلومات بعد النشر، لذا يُنصح بالرجوع إلى المصادر الرسمية للاطلاع على التفاصيل الكاملة.