في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة حساسية المستهلكين تجاه الأسعار، تواجه الشركات تحديًا في تحقيق النمو دون التأثير على قدرتهم الشرائية. فرفع الأسعار قد يزيد الإيرادات على المدى القصير، لكنه قد يدفع بعض العملاء إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة. وهنا تظهر أهمية استراتيجية كوكاكولا في الجمع بين المنتجات الميسرة والخيارات ذات القيمة الأعلى.

القيمة لا تعني السعر الأقل دائمًا

تتبنى شركة كوكاكولا نهجًا يجمع بين القدرة على تحمل الأسعار والارتقاء بفئة المنتجات، بحسب تصريحات الرئيس التنفيذي هنريك براون. وتقوم الفكرة على أن مفهوم القيمة يختلف من مستهلك إلى آخر؛ فهناك من يبحث عن خيار يناسب ميزانيته، بينما يفضل آخرون منتجات تقدم تجربة أو خصائص مختلفة حتى وإن كانت بسعر أعلى.

ومن هذا المنطلق، لا تعتمد الشركة على استراتيجية تسعير واحدة لجميع عملائها، بل تحاول توفير خيارات متعددة تحافظ من خلالها على ارتباط المستهلك بعلاماتها التجارية. فالمنتجات الميسرة تساعد في الحفاظ على حجم المبيعات، بينما تتيح المنتجات الأعلى سعرًا فرصًا لتعزيز هوامش الربح وقيمة العلامة التجارية.

النمو من المبيعات وليس من رفع الأسعار فقط

توضح نتائج الشركة في الربع الثالث من عام 2026 أهمية هذا التوجه؛ إذ ارتفع حجم المبيعات بنسبة 5% على أساس سنوي، بينما نمت الإيرادات الصافية بنسبة 7%. وفي المقابل، ساهم مزيج الأسعار والمنتجات بنحو 1% فقط في نمو الإيرادات خلال الربع — وهي محصلة أربع نقاط من رفع الأسعار قابلتها ثلاث نقاط من مزيج جغرافي وفئوي غير مواتٍ — ما يشير إلى أن زيادة الكميات المباعة كانت المحرك الأكبر للنمو.
وهذا يطرح تساؤلًا مهمًا: هل تستطيع الشركة مواصلة النمو دون الاعتماد على رفع الأسعار؟

تُظهر النتائج أن زيادة حجم المبيعات يمكن أن تكون محركًا مهمًا للإيرادات، خصوصًا عندما تحافظ الشركة على جاذبية منتجاتها وتقدم خيارات تتناسب مع شرائح مختلفة من المستهلكين. ومع ذلك، لا يعني ذلك التخلي عن رفع الأسعار تمامًا؛ إذ أوضحت الشركة أنها لا تزال قادرة على تعديل الأسعار في بعض الأسواق بما يتماشى مع التضخم، مستفيدة من قوة علاماتها التجارية وثقة المستهلكين بها.

الاستثمار التسويقي جزء من معادلة الربحية

لم يقتصر توجه كوكاكولا على التسعير والمبيعات، بل رفعت الشركة إنفاقها على التسويق خلال الربع الثالث، مع تسجيل زيادة مزدوجة الرقم في الإنفاق على الإعلانات عبر وسائل الإعلام التقليدية.

واللافت أن هذا الإنفاق تزامن مع اتساع الهامش التشغيلي القابل للمقارنة إلى 32.9% مقابل 31.9% في الفترة نفسها من العام السابق، رغم أن الشركة تذكر أن ارتفاع الاستثمار التسويقي قابل جزئيًا نمو دخلها التشغيلي. ويعكس ذلك أن الشركة اختارت تحمّل كلفة التسويق بدل خفضه باعتباره وسيلة مباشرة لتقليل التكاليف.
كما تسعى الشركة إلى الاستفادة من حملاتها التسويقية بصورة متكاملة، من بناء الوعي بالعلامة التجارية إلى ربط المحتوى والتجارب بالمنتج وقرار الشراء، وهو ما ظهر في حملاتها المرتبطة بكأس العالم، ثم تطبيق بعض الأدوات في حملات فانتا خلال موسم الهالوين.

ما الذي يمكن أن نتعلمه من تجربة كوكاكولا؟

تكشف تجربة كوكاكولا أن المنافسة لا تقوم على تقديم أقل سعر أو أعلى سعر فقط، بل على فهم اختلاف احتياجات المستهلكين وتقديم قيمة تتناسب معها. فالشركات التي تستطيع الجمع بين الخيارات الميسرة والمنتجات المتميزة، مع المحافظة على جودة التشغيل والاستثمار في علاماتها التجارية، تكون أكثر قدرة على تحقيق نمو متوازن.

وفي سوق تتزايد فيه حساسية المستهلك تجاه الأسعار، قد لا يكون السؤال الأهم هو كم تستطيع الشركة رفع أسعار منتجاتها، بل كيف تجعل المستهلك مستعدًا لاختيارها مرة أخرى.