يُعَدّ قطاع القهوة والبن في المملكة العربية السعودية من القطاعات التي تجمع بين القيمة الاقتصادية والبعد الثقافي والاجتماعي، إذ لا يقتصر حضوره على كونه نشاطًا تجاريًا، بل يتجاوز ذلك ليصبح جزءًا أصيلًا من الهوية السعودية ومظهرًا من مظاهر التراث اليومي. فالقهوة في المجتمع السعودي ليست مجرد مشروب يُقدَّم في المناسبات، وإنما هي رمز للكرم وحسن الضيافة، وعنوان من عناوين التقاليد الراسخة. ولعل خير دليل على هذا الرسوخ هو حجم الاستهلاك الهائل، إذ يُقدر استهلاك القهوة في المملكة بنحو 36 مليون كوب يوميًا، بما يتجاوز 13.1 مليار كوب سنويًا. تاريخياً، تعود جذور المقاهي الحديثة في العاصمة إلى عام 1961م مع افتتاح مقهى "كازينو الرياض"، الذي شكل آنذاك فكرة جديدة للمجتمع الحضري. ومن هذا المنطلق، اكتسب هذا القطاع أهمية متزايدة، لأنه يجسد التقاء العادات الاجتماعية مع فرص التنمية الاقتصادية.

تطور السوق: من العلامات العالمية إلى ثورة "القهوة المختصة"
وقد شهد قطاع البن والقهوة في المملكة تطورًا ملحوظًا في مجالات متعددة. بدأ هذا التحول يتخذ طابعاً تجارياً عالمياً مع دخول علامات مثل "دانكن" عام 1986م و"ستاربكس" عام 2000م، وصولاً إلى ثورة "القهوة المختصة" التي غيرت اهتمامات المستهلك ليركز على مصدر البن وطرق معالجته وتحميصه. في هذا السياق، برزت علامات سعودية رائدة، كـ "خطوة جمل" التي انطلقت عام 2014، إلى جانب محامص محلية شهيرة مثل بيت التحميص، سلالات القهوة، وإكسير البن. هذا التطور انعكس بوضوح على المؤشرات الرسمية؛ فقد قفز عدد الرخص السارية للمطاعم والمقاهي من 91,618 رخصة في عام 2022 إلى 119,902 رخصة في عام 2024، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 14.4%، مما شجع على دعم المزارعين المحليين وتحسين جودة الإنتاج.

قفزات مليارية ونموذج "مقهى الحي"
ولا يقتصر أثر هذا القطاع على الزراعة والإنتاج، بل يمتد إلى صناعات وخدمات أخرى ترتبط به ارتباطًا مباشرًا. وقد تُرجم هذا التنوع إلى قفزات مليارية في حجم السوق، إذ بلغت قيمة سوق المقاهي وسلاسل القهوة نحو 23.44 مليار ريال في عام 2023، ومن المتوقع أن تقفز إلى 40.54 مليار ريال بحلول عام 2033. أما سوق القهوة المختصة تحديداً، فقد بلغت قيمته 3.56 مليار ريال عام 2025، ويُتوقع أن يتضاعف ليصل إلى 7.91 مليار ريال بحلول 2033. هذا النمو السريع ساهم في تحول المقاهي الكبيرة إلى "مقاهي حي" يزورها المستهلك بشكل يومي متكرر، مما جعل نجاح المشروع يعتمد على جودة المنتج والكفاءة التشغيلية بدلاً من الاعتماد على المساحات الضخمة، وفتح المجال أمام الابتكار في تقديم المنتج وتطويره.

القهوة السعودية: نحو مركز إقليمي متكامل
وفي الختام، يمكن القول إن اقتصاد القهوة والبن في المملكة العربية السعودية يمثل نموذجًا واضحًا للتكامل بين التراث والتنمية، وبين الهوية الوطنية والفرص الاستثمارية. وتكمن الخلاصة الاستثمارية اليوم في تجاوز مجرد افتتاح المقاهي إلى التركيز على سلاسل الإمداد، التقنية، التدريب، والفرص الواعدة في مجالات التحميص والتصنيع. ومع استمرار الاهتمام بالمنتج المحلي وتطوير الكفاءات، فإن المملكة تتجه بخطى ثابتة لتنتقل من كونها سوقاً استهلاكية ضخمة، إلى مركز إقليمي لإنتاج القهوة وتحميصها وتطوير علاماتها التجارية، بما يعزز مكانة القطاع في الاقتصاد الوطني ويؤكد حضوره بوصفه جزءًا حيًّا من قصة المملكة الحديثة.
التعليقات (8)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!