قد تبحث عن رحلة طيران اليوم بسعر، ثم تعود إليها لاحقًا فتجد السعر مختلفًا. وقد تطلب سيارة في الساعة الخامسة بسعر، ثم تجد الرحلة نفسها تقريبًا أغلى بعد انتهاء فعالية أو أثناء وقت الذروة.
المنتج لم يتغير كثيرًا، لكن السعر تغير.
هذه الفكرة تسمى التسعير الديناميكي (Dynamic Pricing): أن تعدّل الشركة السعر استجابةً لتغير ظروف السوق، بدل أن يبقى ثابتًا طوال الوقت. لكن لماذا تفضل الشركات سعرًا يتحرك أصلًا؟
عندما يكون الوقت جزءًا من المنتج
المقعد الفارغ في طائرة أقلعت لا يمكن تخزينه وبيعه غدًا، وكذلك غرفة الفندق التي بقيت فارغة ليلة أمس. لذلك تحاول هذه الشركات تحقيق أكبر استفادة ممكنة من طاقة محدودة تنتهي قيمتها مع الوقت.
وهنا يصبح السعر أداة لإدارة الطلب.
إذا ارتفع الطلب على رحلة بينما اقترب موعدها وبقي عدد محدود من المقاعد، يمكن أن يرتفع السعر. وإذا كان الطلب ضعيفًا، قد يكون تخفيض السعر وسيلة لجذب مزيد من المشترين.
في قطاع الطيران مثلًا، توضح الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) أن التسعير الديناميكي يمكن أن يأخذ في الاعتبار معلومات مرتبطة بعملية الشراء، مثل الوقت المتبقي حتى السفر، ويوم المغادرة والوصول، والمنافسة، والطاقة المتبقية للبيع. كما تشير إلى أن التسعير في الطيران كان ديناميكيًا بأشكال مختلفة منذ عقود، بينما تسمح التقنيات الحديثة بتعديل العروض والأسعار بصورة أكثر مرونة وفي الوقت الفعلي.
إذًا السعر هنا لا يعكس تكلفة تقديم الخدمة فقط، بل يعكس أيضًا قيمة المورد في لحظة معينة ومدى قوة الطلب عليه.
عندما يستخدم السعر لتغيير السلوك
تطبيقات النقل تقدم مثالًا أوضح.
عندما يطلب عدد كبير من الركاب سيارات في منطقة معينة بينما يكون عدد السائقين المتاحين قليلًا، ترتفع الأسعار في نموذج Surge Pricing. وفق شرح أوبر لنموذجها، الهدف هو إعادة التوازن بين الطلب وتوافر السائقين: السعر الأعلى قد يشجع مزيدًا من السائقين على التوجه إلى المنطقة، وفي الوقت نفسه قد يقرر بعض الركاب الانتظار حتى يهدأ الطلب.
وهنا تحدث نقطة اقتصادية مهمة: السعر لا يصف السوق فقط، بل يساعد على تغييره.
فارتفاعه يعطي إشارة بأن المورد أصبح نادرًا نسبيًا. بعض المستهلكين يقبلون السعر، وبعضهم يؤجل الطلب، وفي المقابل يصبح تقديم الخدمة أكثر جاذبية للموردين.
لهذا قد يكون التسعير الديناميكي أداة لإدارة الاختلال بين العرض والطلب، وليس مجرد طريقة لرفع السعر.
لكن هل كل عميل يحصل على سعر مختلف؟
هنا يوجد خلط شائع.
التسعير الديناميكي لا يعني بالضرورة أن الشركة تعرف أنك شخص مستعد للدفع أكثر فتقرر تلقائيًا رفع السعر عليك. فقد يتغير السعر بسبب الوقت، والطلب، والطاقة المتاحة، والمنافسة أو ظروف السوق، حتى دون معرفة هوية المشتري.
وهذا يختلف عن التسعير الشخصي (Personalized Pricing)، الذي يعتمد بدرجة أكبر على خصائص أو معلومات مرتبطة بالمستهلك نفسه.
الفرق مهم؛ لأن شخصين قد يدفعان سعرين مختلفين للرحلة نفسها لمجرد أنهما اشتريا في وقتين مختلفين، وليس بالضرورة لأن الشركة قررت أن أحدهما أغنى من الآخر.
أين تكسب الشركة؟
الفكرة ليست أن تضع الشركة أعلى سعر ممكن دائمًا.
إذا رفعت السعر أكثر من اللازم، قد تفقد العميل وتترك مقعدًا أو غرفة بلا بيع. وإذا خفضته أكثر من اللازم في وقت يكون فيه الطلب قويًا، قد تبيع موردًا محدودًا بسعر أقل مما كان السوق مستعدًا لدفعه.
لذلك تحاول أن تجد السعر المناسب للظروف المناسبة.
وهذا جزء من مفهوم أوسع يسمى إدارة الإيرادات (Revenue Management): استخدام السعر والطاقة المتاحة وتوقعات الطلب لتحسين الإيراد من مورد محدود.
وهنا تظهر قيمة البيانات والتقنية. كلما استطاعت الشركة فهم أنماط الطلب والطاقة المتبقية وتغيرات السوق بصورة أفضل، أصبحت قرارات التسعير أكثر استجابة للواقع.
أين تبدأ المشكلة؟
ما يبدو منطقيًا للشركة قد لا يبدو عادلًا للمستهلك.
فالعميل يرى الخدمة نفسها، لكنه قد يجد سعرًا مختلفًا خلال فترة قصيرة. وإذا لم يفهم سبب الاختلاف، يمكن أن يشعر بأن السعر عشوائي أو أنه يُستغل عندما تكون حاجته أعلى.
وهذه إحدى أهم المفاضلات في التسعير الديناميكي: الكفاءة مقابل الثقة.
التسعير المتغير قد يساعد الشركة على توزيع الطلب وتحسين استخدام طاقتها، لكن الإفراط فيه أو غياب الوضوح حوله قد يضر بثقة العملاء. وتزداد حساسية المسألة عندما يرتفع السعر في ظروف لا يستطيع المستهلك تجنبها بسهولة.
وهناك جانب آخر أقل وضوحًا يتعلق بالمنافسة. فمع اعتماد الشركات بصورة أكبر على خوارزميات التسعير، تظهر مخاوف من أن بعض طرق استخدامها قد تسهّل تنسيق الأسعار بين المنافسين (Algorithmic Collusion) أو تقلل حدة المنافسة. وجود الخوارزمية بحد ذاته لا يعني حدوث تواطؤ، لكن السؤال التنظيمي يصبح أكثر تعقيدًا عندما تتخذ الأنظمة قرارات التسعير بسرعة وبالاعتماد على بيانات السوق والمنافسين.
والسعودية؟
الفكرة قريبة جدًا من المستهلك السعودي. فالطيران والفنادق والنقل عبر التطبيقات كلها قطاعات يتغير فيها الطلب بحسب المواسم والإجازات والفعاليات وأوقات الذروة.
وتوضح بيانات الهيئة العامة للإحصاء مدى تغير استخدام الطاقة في قطاع الضيافة نفسه؛ فقد بلغ معدل إشغال الغرف الفندقية في المملكة 63% في الربع الأول من 2025، بينما بلغ 49.1% في الربع الثالث من العام نفسه. وهذه الأرقام ليست دليلًا مباشرًا على تغير الأسعار، لكنها توضح البيئة التي تعمل فيها منشآت تمتلك طاقة محدودة ويتغير الطلب عليها عبر الوقت.
ومع توسع السياحة والفعاليات والخدمات الرقمية، تصبح القدرة على توقع الطلب وإدارة الطاقة والتسعير جزءًا أكثر أهمية من القرارات التجارية، خصوصًا في الأنشطة التي لا يمكن تخزين طاقتها غير المستخدمة لبيعها لاحقًا.
ماذا يحدث عندما تعرف الخوارزمية أكثر؟
التطور الأكثر إثارة للاهتمام قد لا يكون في تغيير السعر بصورة أسرع، بل في المعلومات التي يمكن استخدامها لتحديده.
فالتسعير الديناميكي التقليدي قد ينظر إلى الطلب والوقت والطاقة المتاحة. أما التسعير الشخصي (Personalized Pricing) فيذهب خطوة أخرى، إذ يمكن أن يعتمد على معلومات مرتبطة بالمستهلك وسلوكه لتخصيص العرض أو السعر.
ومع تطور تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، تصبح الحدود بين النموذجين أكثر أهمية. فالسؤال لن يكون فقط: هل تغير السعر؟ بل أيضًا: لماذا تغير، وما البيانات التي استُخدمت لتحديده؟
وهنا تصبح الشفافية جزءًا من اقتصاد التسعير نفسه. فقد تتمكن الخوارزمية من تحديد السعر الذي يزيد الإيراد بدقة أكبر، لكن الشركة تحتاج في الوقت نفسه إلى الحفاظ على ثقة العميل والالتزام بقواعد المنافسة وحماية المستهلك.
السعر أصبح معلومة
في النهاية، التسعير الديناميكي يغيّر الطريقة التي نفكر بها في السعر. لم يعد السعر دائمًا رقمًا ثابتًا يوضع على المنتج، بل يمكن أن يصبح إشارة تتحرك مع الوقت والطلب والقدرة المتاحة.
بالنسبة للشركة، التحدي هو استخدام هذه المرونة لتحسين الإيرادات وإدارة الطلب دون خسارة العميل. وبالنسبة للمستهلك، معرفة أن السعر يتحرك تفسر لماذا قد يكون متى تشتري مهمًا أحيانًا بقدر ماذا تشتري.
وهنا تكمن المفارقة: التقنية تستطيع أن تجعل السعر أكثر دقة اقتصاديًا، لكنها لا تجعله بالضرورة أكثر عدلًا في نظر الجميع.
التعليقات (8)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!