في خطوة تعكس مرونة لوجستية وقدرة فائقة على تصدير نماذج الأعمال، حولت المملكة العربية السعودية التحديات الجيوسياسية إلى انتصار استراتيجي، بنجاحها في نقل بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية من الرياض إلى العاصمة الفرنسية باريس في غضون سبعة أسابيع فقط. ولم يقتصر هذا النجاح على الأبعاد التنظيمية والجماهيرية، بل تزامن مع اختراق مالي ضخم تمثل في استحواذ تحالف يقوده صندوق الاستثمارات العامة على شركة "إلكترونيك آرتس" (EA) في صفقة تاريخية بلغت قيمتها 55 مليار دولار، ما يرسخ موقع المملكة كقوة مهيمنة في صناعة الألعاب العالمية.
وجاءت هذه النسخة الاستثنائية، التي اختتمت فعالياتها بحضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لتضفي ثقلاً سياسياً واقتصادياً يتجاوز حدود المنافسات الرقمية. ووفقاً لبيانات المنظمين، استقطب الحدث أكثر من 150 ألف متفرج في باريس، في حين تمكنت الإدارة من تشغيل منظومة معقدة تضم أكثر من ألفي لاعب، و200 نادٍ، يتنافسون في 25 بطولة على جوائز تتجاوز قيمتها 75 مليون دولار، محولين جادة "الشانزليزيه" ومحيط "قوس النصر" إلى واجهة تسويقية عالمية تعكس القيمة التجارية المتنامية للبطولة.
وعلى الصعيد المالي الكلي، يمثل نجاح "اختبار باريس" وتنامي الاستحواذات السعودية ركيزة أساسية ضمن استراتيجية حكومية تهدف إلى ضخ 50 مليار ريال في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بحلول عام 2030. ويسهم الاستحواذ الأخير على "إلكترونيك آرتس" والذي نُفذ بمشاركة "سيلفر ليك" و"أفينيتي بارتنرز" جانب استثمارات مجموعة "سافي للألعاب"، في تعميق سيطرة الرياض على سلسلة القيمة المضافة لقطاع يدر إيرادات تتجاوز 200 مليار دولار عالمياً، مانحاً إياها حقوق ملكية فكرية حصرية تعزز من استقلاليتها وقدرتها على تنظيم المنافسات الكبرى وإنتاج الألعاب محلياً.
وترجمت هذه التحركات الاستراتيجية إلى عوائد اقتصادية واضحة؛ إذ قدرت الحكومة الفرنسية الأثر الاقتصادي غير المباشر لاستضافة الحدث بنحو 600 مليون يورو. وفي الفضاء الرقمي، سجلت بيانات "Esports Charts" قفزات استثنائية في معدلات المشاهدة، حيث قادت لعبة "PUBG Mobile" الزخم بتسجيل 17.68 مليون ساعة مشاهدة، متفوقة على مستويات نسخة الرياض 2025. وتزامن هذا الزخم مع تفعيل حملات تسويقية استراتيجية وظفت شخصيات عالمية مثل كريستيانو رونالدو، مما أدى إلى استقطاب علامات تجارية كبرى وزيادة الجاذبية التجارية للبطولة.
ولم تغب البصمة التنافسية السعودية عن المشهد المالي والتنظيمي، حيث شارك 12 فريقاً محلياً، تمكنوا من اقتناص ثلاثة ألقاب، ليؤكدوا أن الاستثمار لا يقتصر على البنية التحتية وحقوق الملكية، بل يمتد إلى تطوير رأس المال البشري والمواهب. وفي المحصلة، أثبتت التجربة الباريسية صحة رهان مؤسسة الرياضات الإلكترونية السعودية على قابلية تصدير ملكيتها الفكرية خارج الحدود، لتتحول البطولة من مجرد حدث محلي إلى أصل تجاري واستراتيجي عالمي يدار بكفاءة اقتصادية عالية.
التعليقات (6)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!