تحليل هيكلي لآليات الجنون المالي، فرضية عدم الاستقرار، وصعود الرأسمالية الوهمية
مفارقة العقلانية والنزوع البشري نحو الحماقة المالية
تفترض النظرية الاقتصادية الكلاسيكية أن الأسواق تتسم بكفاءة عالية، وأن الفاعلين الاقتصاديين يتصرفون وفقاً لـ "منطق عقلاني" يوازن بين العرض والطلب ويقود الأسعار دوماً نحو نقطة التوازن الجوهرية.
بيد أن التاريخ المالي يثبت مراراً وتكراراً نقيض هذه الفرضية تماماً؛ فالأزمات الدورية والفقاعات المالية تكشف عن نزوع جماعي كامن نحو الجشع، وتحرّك مالي يقوده الوهم والرغبة العارمة في الثراء السريع دون إنتاج حقيقي.
إن الفقاعة الاقتصادية (Economic Bubble) في جوهرها هي انفصال حاد وهيكلي بين القيمة الجوهرية أو الفعلية لأصل ما، وبين السعر المتداول له في الأسواق.
ولتقريب هذا المفهوم، يمكن استعارة نموذج تفسيري مبسط من عالم الرياضة:
عندما يُشاع أن بريق فريق ما ونجاحه الفني يعود بالكامل لمهارات لاعب فذ مثل "ميسي"، بينما يُنظر إلى المدير الفني "جوارديولا" على أنه مجرد قشرة متضخمة نفخها هذا البريق، فإننا نكون أمام تضخيم غير مبرر لقيمة طرف على حساب الواقع.
إن اختفاء العنصر الحقيقي (ميسي) في هذا النموذج الكنائزي كفيل بأن يفرقع التقييم المتضخم للطرف الآخر، ليتضح أن القيمة لم تكن سوى بالونة هوائية.
هذا الانفصال الهيكلي بين السعر والحجم الحقيقي هو القوة المحركة للفقاعات الماليّة؛ ارتفاع مطرد لأسعار أصول (سواء كانت عقارات، أسهم، أو حتى سلعاً زراعية) دون مبرر اقتصادي منطقي، حيث يشتري الناس الأصل لسبب وحيد:
وهو أن الآخرين يشترونه، متوقعين استمرار الصعود.
جذور الرأسمالية المؤسسية وجنون "التوليب" الهولندي
لم تكن فكرة الاستثمار في الأسهم وولادة البورصات وليدة العصر الحديث، بل ضربت جذورها في القرن السابع عشر في هولندا.
ففي عام 1634، استقبلت هولندا زهرة جديدة وافدة من الدولة العثمانية، وهي زهرة "التوليب".
أحدثت هذه الزهرة انبهاراً اجتماعياً وثقافياً غير عادي نظراً لندرة بعض أنواعها وجمالها الأخاذ، وسرعان ما تحول هذا الانبهار الجمالي إلى هوس استثماري مجنون هزّ أركان الاقتصاد والمجتمع تماماً.
تزامن هذا الهوس مع تأسيس واحدة من أولى تجارب سوق الأسهم في التاريخ عبر "شركة الهند الشرقية الهولندية".
كانت هذه الشركة بحاجة إلى تمويل ضخم لتسيير سفنها التجارية نحو الشرق لجلب التوابل، الحرير، والذهب.
وبدلاً من الاعتماد على الاستدانة التقليدية، ابتكرت الشركة آلية تتيح للجمهور شراء "حصص" أو "أسهم" تمول الرحلات البحرية مقابل الحصول على جزء من الأرباح المستقبلية عند عودة السفن محملة بالبضائع. ومن هنا ولدت أول بورصة وصكوك ملكية في العالم.
مع وجود البورصة وهوس التيوليب، لم يعد المستثمرون يتاجرون في الزهور القائمة بالفعل، بل انتقلوا إلى المتاجرة في "الوعد بالبصلة"؛ أي صكوك وأوراق مالية تمثل عقوداً مستقبلية لبصلة تيوليب ما زالت في علم الغيب تحت الأرض.
في كتابه الشهير Extraordinary Popular Delusions and The Madness of Crowds، يوثق الصحفي الأسكتلندي تشارلز ماكاي مستويات جنونية لتلك الأسعار؛ حيث وصلت قيمة بصلة واحدة من نوع "فايسوري" النادر إلى ما يعادل قيمته السعرية: 2000 كيلوجرام من القمح، 4 ثيران، 8 خنازير، 12 خروفاً، برميلين من النبيذ، طنين من الزبدة، ونصف طن من الجبن مجتمعة.
وبلغ الجنون بالناس حد بيع منازلهم ومزارعهم ومستقبل عائلاتهم للحصول على بصلة واحدة.
إلا أن هذا السوق المبني على الأمل المفرط والوهم انهار فجأة عندما أحجم المشترون عن الشراء عند مستويات الأسعار القياسية، فاندفع الجميع للبيع، وتهاوت القيمة الإستراتيجية للأصل إلى الصفر، ليستيقظ المجتمع على كارثة اقتصادية وتاريخية عُرفت باسم "فقاعة التيوليب" (Tulip Bubble)، وهي أقدم فقاعة اقتصادية مسجلة.
"إن الذكاء الخارق والعلم الفذ لا يشكلان حصانة ضد فخاخ الفقاعات الماليّة. إسحاق نيوتن، مكتشف قوانين الجاذبية ومبتكر علم التفاضل والتكامل، وقع ضحية لفقاعة 'بحر الجنوب' الشهيرة في أوائل القرن الثامن عشر، وخسر ثروته هناك، ليطلق مقولته التاريخية: 'يمكنني حساب حركات الأجرام السماوية، لكنني لا أستطيع حساب جنون البشر'."
التشريح الهيكلي للفقاعة: فرضية مينسكي ومراحل كيندلبيرجر
قدم عالم الاقتصاد الأمريكي هايمن مينسكي (Hyman Minsky) عام 1977 أطروحته الثورية المعروفة بـ "فرضية عدم الاستقرار المالي" (The Financial Instability Hypothesis).
جادل مينسكي بأن "الاستقرار يولد عدم الاستقرار"؛ إذ إن الفترات الطويلة من النمو الاقتصادي والاستقرار المالي تدفع الفاعلين الاقتصاديين إلى الشعور المفرط بالأمان، مما يشجعهم على اتخاذ سلوكيات استثمارية عالية المخاطر، والإفراط في الاقتراض بفوائد منخفضة تمويلاً لأصول مضاربية، وهو ما يقود الاقتصاد حتماً نحو تذبذبات حادة وعنيفة.
تلقف المؤرخ الاقتصادي تشارلز كيندلبيرجر (Charles Kindleberger) هذه الفرضية في كتابه العمدة Manias, Panics, and Crashes ليضع إطاراً زمنياً وهيكلياً يتكون من أربع مراحل تمر بها أي فقاعة اقتصادية في التاريخ:
المراحل الأربع لتطور الفقاعة الاقتصادية:
- لحظة التحول الهيكلي (Displacement):
تبدأ الفقاعة بظهور معطى جديد في السوق؛ تكنولوجيا ثورية، فكرة مبتكرة، سياسة نقدية تيسيرية، أو أصل مالي جديد يلفت أنظار المستثمرين ويهز المياه الراكدة. - مرحلة الازدهار والتوسع (Booming):
تبدأ الأسعار في الارتفاع التدريجي ثم تقفز قفزات سريعة.
يدخل المستثمرون (صغاراً وكباراً) إلى السوق، ويقوم الإعلام بتضخيم الواقع، وتنتشر عدوى نفسية تُعرف بمرض الـ FOMO (الخوف من فوات الفرصة)، مما يرفع الطلب والأسعار لمستويات غير مسبوقة. - مرحلة النشوة (Euphoria):
تمثل هذه المرحلة ذروة الجنون المالي، حيث يحقق الجميع مكاسب ورقية سريعة، ويغيب التفكير في المخاطر تماماً.
يستند المستثمرون هنا إلى "نظرية المغفل الأكبر" (The Greater Fool Theory)، والتي تفترض أن شراء أصل بسعر مبالغ فيه ليس خطأً، طالما هناك مغفل آخر مستعد لشرائه بسعر أعلى في المستقبل.
يعزز ذلك انحياز نفسي يُعرف بـ "الانحياز التأكيدي" (Confirmation Bias)، حيث يفلتر العقل المعلومات ليركز فقط على الأخبار الإيجابية التي تبرر قراره الاستثماري ويتجاهل التحذيرات. - مرحلة الذعر والانهيار (Panic):
بمجرد ظهور إشاعة، أو تغير في السياسات، أو إدراك المستثمرين لغياب "المغفل القادم" وأن الأسعار بلغت السقف، تنقلب الآية تماماً.
يتحول الطمع إلى ذعر، ويبدأ تدافع جماعي نحو البيع لتقليل الخسائر، فتنعدم طلبات الشراء، وتنهار الأسعار بسرعة جنونية تحرق الأخضر واليابس وتؤدي لانهيار السوق.
ملحمة GameStop: الهندسة العكسية للفقاعة وصعود "الرأسمالية الشعبوية"
إذا كانت الفقاعات التقليدية عبر التاريخ تقوم على أصول تعيش حالة ازدهار أو تكنولوجيا واعدة، فإن القرن الحادي والعشرين قدّم للعالم نموذجاً فريداً ومغايراً تماماً من خلال حالة شركة GameStop عام 2021؛ حيث تم بناء فقاعة اقتصادية على أصل مالي يعيش حالة انهيار هيكلي واضح، مدفوعة بآليات العصر الرقمي والانتقام الطبقي.
تعتبر شركة GameStop متاجر تقليدية لبيع ألعاب الفيديو عبر الأقراص المدمجة والعلب البلاستيكية.
ومع حدوث الثورة الرقمية وظهور المتاجر الإلكترونية مثل PlayStation Store، تحول نموذج عمل الشركة إلى نموذج متقادم يشبه المتاحف، وتراجعت إيراداتها بقوة، وجاءت جائحة كورونا لتعمق جراحها وتدفع بأسهمها للهبوط إلى مستويات متدنية بلغت نحو 2.5 دولار للسهم في عام 2020.
رأت صناديق التحوط الضخمة والمؤسسات الاستثمارية في وول ستريت (مثل صندوق Melvin Capital) في هذا الانهيار فرصة سانحة لتحقيق أرباح طائلة عبر آلية ماليّة تُعرف بـ "البيع على المكشوف" (Short Selling). وتتلخص هذه الآلية في الخطوات التالية:
- يقوم صندوق التحوط باقتراض أسهم شركة ما (مثل GameStop) من وسيط أو مستثمر يمتلكها.
- يقوم الصندوق ببيع هذه الأسهم المقترضة فوراً في السوق بالسعر المرتفع الحالي (مثلاً 10 دولارات).
- ينتظر الصندوق هبوط سعر السهم وفق توقعه إلى مستويات أدنى (مثلاً 2 دولار).
- يقوم الصندوق بإعادة شراء الأسهم من السوق بالسعر الرخيص الجديد، ويردها إلى المقرض الأصلي، ويحتفظ بالفارق كربح صافٍ في جيبه.
بيد أن الخطورة الكامنة في هذه الآلية تكمن في أنه إذا ارتفع سعر السهم بدلاً من انخفاضه، فإن خسائر الصندوق تصبح بلا سقف نظري؛ إذ سيكون مجبراً على شراء السهم بأي سعر ليرده لأصحابه. وهنا يقع الصندوق في فخ يُعرف بـ "عصر البيع على المكشوف" (Short Squeeze)، حيث يتسبب تدافع الشورت سيلرز لشراء السهم لتقليص خسائرهم في رفع الطلب، مما يدفع السعر لمزيد من الارتفاع الجنوني المتسلسل.
تطورت الأحداث بشكل دراماتيكي عندما تجمعت كتلة ضخمة من صغار المستثمرين الأفراد عبر منتدى r/Wallstreetbets على موقع Reddit.
كان هؤلاء الصغار يستخدمون تطبيقات تداول مجانية بلا عمولات مثل تطبيق Robinhood.
مدفوعين بمزيج من الرغبة في الثراء وغضب عارم تراكم منذ الأزمة المالية عام 2008 وجائحة كورونا ضد مؤسسات وول ستريت التي تتحكم في اللعبة، لاحظ الصغار أن صناديق التحوط اقترفت حماقة مالية؛ حيث بلغت نسبة الأسهم المباعة على المكشوف لـ GameStop نحو 140% من إجمالي الأسهم المتاحة فعلياً في السوق.
أدرك صغار المستثمرين أنهم إذا تكتلوا معاً كجيش رقمي واحد وقاموا بشراء السهم بكثافة، فسيجبرون الحيتان على الاندحار والشراء بأعلى الأسعار لإنقاذ أنفسهم.
وتزامن ذلك مع دخول الملياردير ريان كوهين ومساهمته في الشركة بنيّة تحويلها للتجارة الإلكترونية، ثم جاءت تغريدة شهيرة من إيلون ماسك حملت كلمة "GameStonk!" لتشعل النيران في السوق.
قفز السعر من 2.5 دولار إلى حوالي 148 دولار، ثم واصل الارتفاع التاريخي ليلامس حاجز الـ 500 دولار للسهم في يناير 2021، أي تضاعف نحو 190 مرة، محققاً مكاسب خيالية لبعض الأفراد، بينما تكبدت صناديق التحوط خسائر فادحة استدعت ضخ حزم إنقاذ بمليارات الدولارات.
وصلت المؤامرة وفصول الأزمة لذروتها في 28 يناير 2021، عندما قامت منصة Robinhood ومنصات وساطة أخرى بخطوة غير مسبوقة؛ تمثلت في إغلاق خاصية "الشراء" للسهم والسماح بـ "البيع" فقط تحت ذريعة مطالبة البنوك بضمانات مالية ضخمة نظراً لحجم التداول المرعب.
أدت هذه الحركة إلى قطع تدفق الطلب قسرياً، مما أحدث هلعاً وصدمة عاتية قادت السهم للهبوط مجدداً نحو مستويات 40 ثم 24 دولاراً، ليكتشف الصغار أن قواعد اللعبة تم تعديلها في منتصف المباراة لحماية حيتان وول ستريت.
المنظور النقدى الهيكلي: كارل ماركس وصعود "رأس المال الوهمي"
من منظور نقدى أعمق، لا يمكن قراءة هذه الفقاعات المتعاقبة باعتبارها مجرد سلوكيات بشرية طائشة أو أخطاء فردية، بل هي نتاج حتمي لأزمة جوهرية متجذرة في بنية النظام الرأسمالي الحديث.
وتلتقي التفسيرات النقدية هنا مع أطروحات الفيلسوف والاقتصادي كارل ماركس حول طبيعة السلع وتراكم رأس المال.
يميز ماركس بين قيمتين لأي سلعة: "القيمة الاستعمالية" (Use Value) وهي المنفعة الحقيقية والفعليّة التي يقدمها الشيء للمجتمع، وبين "القيمة التبادلية" (Exchange Value) وهي سعر الأصل النقدي المتداول في السوق.
تقع المصيبة الاقتصادية الهيكلية عندما تنفصل القيمة التبادلية تماماً عن القيمة الاستعمالية، ليتولد ما يسمى بـ "رأس المال الوهمي" (Fictitious Capital).
في حالة GameStop، صعد السهم من 2 إلى 500 دولار دون أي تغير في قيمته الاستعمالية أو قدرته الإنتاجية؛ إنها مجرد أرقام وهمية تتضخم لخدمة المضاربة المحمومة.
إن نزوع النظام المالي لتوليد الثروة وتراكمها بأي ثمن وبأسرع وقت يحوله إلى "وحش طفس" في حالة جوع دائم، وعندما يعجز الاقتصاد الحقيقي والإنتاجي عن تلبية هذا النهم نتيجة تشبع الأسواق أو تراجع معدلات الربحية في المصانع والمشاريع التنموية، تتحول "الفلوس نفسها إلى سلعة"، وتصبح الأسواق المالية ساحة للرهانات والمضاربات البحتة البعيدة كل البعد عن الواقع الإنتاجي.
المخاطر النظامية وحتمية إعادة النظر في قواعد اللعبة
إن الكارثة الكبرى الكامنة في هذه الفقاعات ليست في خسارة بعض المضاربين لأموالهم، بل في "المخاطر النظامية" (Systemic Risks) التي تهدد بانهيار النظام المصرفي والمالي بأكمله.
فالصناديق الكبيرة والشركات الاستثمارية التي تضارب بنسب قياسية تتجاوز أحجام الأسواق لا تعمل بأموالها الخاصة فحسب، بل تدير وتستثمر أموال مؤسسات عامة وضخمة: مثل صناديق معاشات المتقاعدين، نقابات المعلمين، أوقاف الجامعات، والمستشفيات، فضلاً عن ودائع البنوك التجارية التي هي أموال المواطنين العاديين.
ومن ثم، فإن فرقعة الفقاعة وانهيار هذه الكيانات المالية كفيل بإحداث تأثير حجر الدومينو، ليتبخر جنى العمر للمواطنين المتقاعدين وتشتعل الأزمات الاقتصادية التي يدفع ثمنها المجتمع بأكمله، بينما يفلت الكبار بفعل نفوذهم.
تظل ملحمة GameStop وفقاعة التيوليب بمثابة مرايا عاكسة تعري الاختلالات البنيوية العميقة للنظام المالي الحديث؛ حيث تغدو القيمة مجرد وهم، ويصبح الاقتصاد رهينة لأدوات مالية معقدة ومضاربات شعبوية.
إن استمرار حدوث هذه الفقاعات بشكل دوري ومتسارع يبعث بإشارات واضحة وصارخة:
بأن قواعد اللعبة المالية الحالية، وآليات الرقابة على الأسواق، وهندسة النظام الرأسمالي العالمي برمتها، قد بلغت مرحلة حرجة تفرض حتمية إعادة النظر الشامل والعميق لحماية مستقبل الاستقرار الاقتصادي العالمي.
التعليقات (5)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!