خلال سنوات قليلة، انتقلت تطبيقات توصيل الطعام في السعودية من كونها وسيلة لطلب العشاء إلى طبقة جديدة بين المستهلك والمطعم. فهي تحدد ما يظهر أولاً على الشاشة، وتجمع بيانات عن الطلب والأسعار والتوقيت، وتقتطع جزءاً من قيمة الوجبة، وتسمح لمطابخ بالعمل من دون صالة أو واجهة تقليدية. وبين سوق قُدّر بنحو 13 مليار ريال في 2023 وتقديرات تشير إلى اقترابه من 50 مليار ريال في 2026، لا تكمن القصة في عدد الطلبات فقط؛ بل في إعادة توزيع القوة داخل صناعة الغذاء نفسها.
قد تبدأ العملية بجوع بسيط.
يفتح المستهلك هاتفه، يتصفح عشرات المطاعم، يقارن الأسعار، يرى الخصومات والتقييمات ووقت الوصول، ثم يضغط زر الطلب.
بعد أقل من ساعة تصل الوجبة.
لكن ما يبدو للمستهلك معاملة صغيرة يخفي وراءه تحولاً اقتصادياً أكبر.
قبل التطبيقات، كان المطعم يختار موقعه، ويضع لافتته، وينتظر أن يصل إليه الزبون. أما اليوم، فقد أصبح جزء متزايد من المنافسة يحدث داخل شاشة يملكها طرف ثالث.
ومن هنا تغير السؤال.
لم يعد كافياً أن يكون المطعم جيداً.
يجب أن يكون مرئياً رقمياً أيضاً.
من 13 إلى 50 ملياراً.. لكن الرقم يحتاج إلى قراءة صحيحة
يشير تقرير «صناعة الأغذية في المملكة العربية السعودية» إلى أن سوق توصيل الطلبات تجاوز نحو 13 مليار ريال في 2023، وأن تقديرات السوق تضعه قرب 50 مليار ريال في 2026. الرقم الثاني توقع، لا قيمة نهائية مثبتة، لكن الفارق بينهما يعطي مؤشراً على السرعة التي تحولت بها خدمة كانت تعد قبل عقد ونصف تقريباً رفاهية حضرية إلى قناة رئيسية لاستهلاك الطعام.
والرقمان لا يعنيان بالضرورة أن السعوديين بدأوا يأكلون أربعة أضعاف كمية الطعام.
جزء مهم من النمو هو تغيير القناة.
وجبة كانت تشترى من المطعم مباشرة باتت تمر عبر التطبيق. وأخرى كانت تطهى في المنزل ربما أصبحت تطلب جاهزة. كما أن سهولة الوصول قد تولد طلبات لم تكن لتحدث لو تطلب الأمر الخروج من المنزل.
لهذا يجب التمييز بين نمو سوق الطعام نفسه ونمو قناة التوصيل داخله.
وهذا هو تحديداً ما يجعل التطبيقات أكثر إثارة اقتصادياً من مجرد أسطول من السائقين.
التطبيق لم يدخل السوق.. بل دخل بين المطعم والعميل
لسنوات، كان المطعم يملك العلاقة المباشرة مع زبونه.
يعرف الزبون الاسم، ويتصل بالمطعم أو يزوره، ويدفع له مباشرة.
المنصة غيرت هذه البنية.
هي تجمع مئات أو آلاف المطاعم في مكان واحد وتضعها أمام المستهلك داخل واجهة موحدة.
في الاقتصاد الرقمي يسمى هذا النموذج منصة Platform: شركة لا تنتج بالضرورة جميع السلع المعروضة، لكنها تربط بين جانبين من السوق — في هذه الحالة المطاعم والمستهلكين — ثم تحصل على قيمة من الوساطة بينهما.
وكلما زاد عدد المطاعم، أصبحت المنصة أكثر فائدة للمستهلك. وكلما زاد عدد المستهلكين، أصبحت أكثر أهمية للمطعم.
تلك الحلقة تمنح المنصة قوة متزايدة.
فالمطعم الذي كان يحتاج سابقاً إلى موقع جيد وسمعة جيدة، يحتاج الآن أيضاً إلى ترتيب جيد على الشاشة، وتقييمات جيدة، وصور وأسعار وعروض تستطيع جذب العميل خلال ثوان.
الرف الجديد للمطعم لم يعد شارعاً تجارياً فقط. إنه الشاشة.
حين أصبحت الخوارزمية جزءاً من المنافسة
في السوبرماركت التقليدي، يكون للمنتج موقع مادي على الرف.
وفي التطبيق، يوجد ما يشبه الرف أيضاً، لكنه غير ثابت.
تتغير المطاعم التي يراها المستخدم وفق البحث والموقع والتفضيلات والعروض وعوامل أخرى تتحكم فيها المنصة.
وهنا يختلف الاقتصاد الرقمي عن الشارع.
يمكن لمطعم أن يكون في حي بعيد نسبياً لكنه يظهر أمام آلاف المستهلكين. ويمكن لمطعم يقع في أفضل موقع فعلي أن يفقد جزءاً من الطلب إذا كان وجوده الرقمي ضعيفاً.
وهذا يخلق شكلاً جديداً من المنافسة على الظهور.
لم يعد التسويق إعلاناً خارجياً أو منشوراً في وسائل التواصل فقط. أصبح أيضاً القدرة على تحويل المشاهدة داخل التطبيق إلى طلب.
ومن هنا تصبح الصور، والسعر، والخصومات، والتقييمات، وسرعة التوصيل، وحتى تصميم قائمة الطعام، أدوات مالية وليست تجميلية.
التطبيق يعرف شيئاً لا يعرفه المطعم التقليدي
القيمة الأكثر إثارة قد لا تكون في توصيل الطعام أصلاً.
إنها البيانات.
يصف التقرير منصات التوصيل والبقالة الرقمية بأنها من أغنى مصادر البيانات عن سلوك المستهلك السعودي، بل ومختبراً يمكن من خلاله إطلاق المنتجات واختبارها بسرعة غير مسبوقة.
خذ طلباً واحداً.
المنصة لا تعرف فقط أن المستهلك اشترى برغراً.
يمكنها معرفة وقت الطلب، والموقع، والسعر الذي دفعه، والعرض الذي جذبه، وعدد مرات تكرار الشراء، والمطاعم التي قارن بينها، وما إذا كان أضاف مشروباً أو حلوى، وربما كيف تغير اختياره مع تغير السعر.
طلب واحد معلومة صغيرة.
ملايين الطلبات تتحول إلى خريطة للطلب.
وهنا يصبح الغذاء جزءاً من اقتصاد البيانات.
لماذا تساوي هذه البيانات مالاً؟
لأن أحد أصعب الأسئلة أمام أي شركة غذاء هو:
ماذا يريد المستهلك أن يأكل غداً؟
الإجابة الخاطئة تعني منتجاً لا يباع، ومخزوناً يهدر، وحملة تسويقية لا تعمل.
أما بيانات الطلب الفعلي فتقلل جزءاً من عدم اليقين.
إذا كانت الطلبات على منتج مرتفع البروتين ترتفع في أحياء معينة، فهذه إشارة. وإذا كان منتج ما يعمل جيداً في المساء لكنه يفشل ظهراً، فهذه إشارة أخرى. وإذا زادت المبيعات فقط عند تقديم خصم كبير، فقد يعني ذلك أن السعر الطبيعي لا يجذب المستهلك بما يكفي.
وهكذا يصبح التطبيق مختبراً للسوق.
وفي صناعة الطعام تحديداً، حيث تتغير الأذواق بسرعة ويكون لبعض المنتجات عمر تخزيني محدود، فإن معرفة الطلب بصورة أسرع يمكن أن تعني فارقاً مباشراً في الربح.
قبل التطبيق كان المطعم يبيع وجبة.. الآن يشتري وصولاً إلى العميل
لكن للمنصة ثمناً.
يشير التقرير إلى أن عمولات تطبيقات التوصيل والمطابخ السحابية أصبحت لاعباً جديداً في تقسيم قيمة الوجبة.
لنفترض، للتوضيح فقط، أن المستهلك دفع 50 ريالاً.
هذا المبلغ لا يتحول كله إلى إيراد صافٍ للمطعم. فهناك تكلفة المكونات والعمالة والإيجار والتغليف، وقد توجد عمولة للمنصة وتكلفة عرض أو خصم وتوصيل.
لذلك يمكن للمطعم أن يحصل على طلبات أكثر عبر التطبيقات وفي الوقت نفسه يكتشف أن هامش الربح على كل طلب أضعف.
وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات الاقتصاد الرقمي:
المنصة تستطيع أن تزيد مبيعات الشركة وأن تصبح في الوقت نفسه تكلفة لا تستطيع الشركة تجاهلها.
أي أن زيادة الإيرادات لا تعني تلقائياً زيادة الأرباح.
هرفي مثال على أن التحول لا يرحم العلامات القديمة
يشير التقرير إلى تجربة «هرفي» بوصفها حالة مفيدة لفهم سرعة التغيير.
فالشركة، وهي من أقدم سلاسل الوجبات السريعة الوطنية، واجهت سنوات من الخسائر بدأت منذ 2022 وسط اشتداد المنافسة وتحول الطلب نحو قنوات التوصيل، قبل أن تظهر مؤشرات تعافٍ في الربع الأول من 2026 مع خفض صافي الخسائر والعودة إلى الربح التشغيلي.
الدرس ليس أن التطبيقات كانت السبب الوحيد في خسائر الشركة؛ التقرير لا يقول ذلك.
الدرس أوسع.
العلامة المعروفة لا تضمن أن المستهلك سيستمر في الوصول إليها بالطريقة القديمة.
فإذا تغيرت قناة الطلب، يجب أن تتغير معها العمليات والأسعار والمنتجات والتسويق.
الشركات التي كانت تتقن إدارة مطعم قد تحتاج الآن إلى إتقان اقتصاد شاشة صغيرة أيضاً.
المطعم الذي لا يحتاج إلى مطعم
أحد أكثر نتائج التوصيل جذرية هو صعود المطابخ السحابية Cloud Kitchens.
وهي، ببساطة، مطابخ تنتج الطعام أساساً للطلبات الرقمية ولا تحتاج إلى صالة كبيرة أو موقع تجاري فاخر أو واجهة تجذب المارة.
في النموذج التقليدي، قد يكون الموقع جزءاً كبيراً من قيمة المطعم وتكلفته.
في النموذج السحابي، يصبح الموقع أقرب إلى عقدة إنتاج.
ما يهم هو القرب من الطلب، وسرعة تجهيز الوجبات، وكفاءة التشغيل، وقدرة الطعام على تحمل رحلة التوصيل.
وهذا يسمح نظرياً بتجربة علامات جديدة بتكلفة أقل من فتح مطعم تقليدي كامل.
لكنه يجعل الاعتماد على المنصة أكبر أيضاً.
فالعلامة التي لا تملك شارعاً ولا صالة قد يكون التطبيق هو واجهتها التجارية كلها.
التطبيق بدأ يغير حتى الطعام نفسه
التوصيل لا يغير مكان البيع فقط.
يمكن أن يغير تصميم المنتج.
فليس كل ما يبدو ممتازاً على طبق داخل المطعم يصل جيداً بعد 30 دقيقة في صندوق.
بعض الأطعمة تفقد حرارتها سريعاً، وبعضها تتغير قواماته، وبعض العبوات لا تتحمل الحركة.
لذلك يصبح السؤال بالنسبة إلى المطعم أو مصنع الأغذية: هل صُمم المنتج للتوصيل؟
هذه النقطة ليست هامشية في سوق ترتفع فيها أهمية القناة الرقمية.
قد تحتاج الشركات إلى تعديل التعبئة، وأحجام الحصص، وطريقة فصل المكونات، وحتى وصفات بعض المنتجات كي تتحمل «الميل الأخير».
وهكذا يصل أثر التطبيق إلى المطبخ نفسه.
لماذا كانت السعودية أرضاً خصبة لهذا التحول؟
هناك عدة قوى تعمل في الاتجاه نفسه.
السعودية سوق شابة؛ إذ يشكل من هم دون الثلاثين نحو 63% من المواطنين بحسب البيانات التي يستند إليها التقرير. كما يعيش نحو 92% من السكان في المدن. وارتفعت مشاركة المرأة السعودية في القوى العاملة إلى نحو 33.9% في الربع الأول من 2026.
هذه الأرقام ليست منفصلة عن التوصيل.
الشباب أكثر اعتياداً على اتخاذ القرار عبر الشاشة. والتحضر يجعل كثافة الطلب أعلى في مساحات محددة. والعمل يرفع قيمة الوقت ويزيد جاذبية الخدمات التي تختصره.
وبذلك وجدت التطبيقات سوقاً تجمع بين ثلاثة عناصر: كثافة حضرية، ومستهلِك رقمي، ووقت أكثر ندرة.
وهي خلطة مناسبة اقتصادياً للتوصيل.
الصين تقدم لمحة عن المرحلة التالية
في مقارنته الدولية، يصف التقرير الصين بأنها مختبر عالمي للبقالة الإلكترونية والتوصيل فائق السرعة والتجارة الاجتماعية، ويرى أن السوق السعودية — بارتفاع التحضر وشباب السكان والبنية الرقمية — تحمل بعض أوجه التشابه مع هذا المسار. كما يشير إلى دخول لاعبين صينيين مثل «كيتا»، بما يرفع سقف المنافسة ويدفع الشركات المحلية نحو بناء قدرات «رقمية أولاً» في التسعير والتغليف والبيانات.
المغزى هنا ليس أن السعودية ستكرر التجربة الصينية حرفياً.
بل أن المنافسة قد تنتقل تدريجياً من سؤال «من يستطيع توصيل الطعام؟» إلى أسئلة أصعب:
من يستطيع توصيله أسرع؟ من يستطيع توقع الطلب أفضل؟ من يستطيع خفض التكلفة؟ ومن يملك بيانات كافية لتخصيص العروض لكل مستهلك؟
عندها يصبح التوصيل صناعة تقنية بقدر ما هو صناعة لوجستية.
البقالة هي الجبهة التالية
ولا يتوقف الأمر على المطاعم.
فالتقرير يقدر التجارة الإلكترونية السعودية بنحو 90–100 مليار ريال في 2024، ويتوقع للبقالة الإلكترونية نمواً سنوياً يقارب 7.8% حتى 2031.
وهذا ينقل المنطق نفسه من الوجبة إلى الثلاجة المنزلية.
بدلاً من أن يذهب المستهلك إلى السوبرماركت ويتجول بين الرفوف، يمكن لمنصة رقمية أن تقرر ترتيب المنتجات التي يراها، وتقترح بدائل، وتعرض خصومات، وتحفظ سجل مشترياته.
وهنا قد تصبح معركة شركات الأغذية المستقبلية ليست فقط على مساحة الرف في المتجر، بل على مساحة الشاشة في التطبيق.
بالنسبة إلى المصنع، الفرق جوهري.
في المتجر يمر المستهلك أمام المنتج.
في التطبيق يمكن أن يختفي المنتج تماماً إذا لم يظهر في البحث أو التوصيات.
البيانات قد تصبح أهم من العمولة
من السهل النظر إلى منصة التوصيل على أنها شركة تربح من الرسوم.
لكن على المدى الطويل، قد يكون أصلها الأهم هو قدرتها على رؤية السوق لحظة بلحظة.
المصنع يرى ما يشحنه إلى الموزع.
المطعم يرى ما يبيعه من فروعه.
أما المنصة فتستطيع رؤية المستهلك وهو يختار بين عشرات المنافسين.
هذا موقع مختلف في سلسلة القيمة.
ولهذا يرى التقرير أن القنوات الرقمية ليست مجرد وسيلة بيع، بل مصدر بيانات ومختبراً للمنتجات.
الشركة التي تفهم تلك البيانات يمكنها نظرياً تحسين التنبؤ بالطلب، وتقليل الهدر، وتغيير الأسعار والعروض، وتحديد الأحياء التي تستحق فتح مطابخ فيها، واكتشاف فئات غذائية جديدة قبل منافسيها.
عندها لا يعود التطبيق مجرد سائق يصل بين المطعم والمنزل.
يصبح نظاماً يقيس نبض السوق.
50 مليار ريال ليست نهاية القصة
حتى إذا اقترب سوق التوصيل من التقدير الذي يورده التقرير لعام 2026، فإن الرقم الأكثر أهمية قد لا يكون حجم السوق نفسه.
الأهم هو ما فعله هذا النمو بهيكل الصناعة.
لقد أضاف وسيطاً جديداً بين الشركة والمستهلك.
ونقل جزءاً من المنافسة من الشارع إلى الشاشة.
وجعل العمولة بنداً في اقتصاديات الوجبة.
وأعطى البيانات قيمة لم تكن موجودة بالطريقة نفسها في القناة التقليدية.
وسمح بنمو مطابخ لا تحتاج إلى صالات.
وفرض على الطعام نفسه أن يصبح أكثر ملاءمة للنقل.
وهذا كله يفسر لماذا لا ينبغي قراءة القفزة من 13 إلى نحو 50 مليار ريال بوصفها قصة عن عدد أكبر من الدراجات والسيارات التي تحمل الطعام.
إنها قصة عن من يملك العميل.
فالمطعم ما زال يطبخ الوجبة، والمصنع ما زال يصنع المنتج، والسائق ما زال ينقله. لكن اللاعب الذي يعرف ماذا يريد المستهلك، ومتى يريده، وكم سيدفع مقابله، أصبح يمتلك شيئاً قد يكون أكثر قيمة من التوصيل ذاته.
التطبيق دخل المطبخ بوصفه قناة للبيع. لكنه قد يخرج منه بوصفه صاحب أفضل خريطة لما تريد السعودية أن تأكله غداً.
التعليقات (2)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!