في 2013، راهنت «فيسبوك» على هاتف يجعل الشبكة الاجتماعية في قلب الشاشة. لكن هاتف HTC First هبط سعره من 99 دولارًا إلى 99 سنتًا بعد أسابيع من إطلاقه. وبعد سنوات، خاض مارك زوكربيرغ رهانًا أضخم على الواقع الافتراضي والعالم الافتراضي، بينما تجاوزت الخسائر التشغيلية لقسم «Reality Labs» 80 مليار دولار. والآن ظهر رهان جديد: «Muse Charm»، جهاز صغير يتيح للمستخدم الوصول إلى مساعد الذكاء الاصطناعي «ميوز». فهل تغيّر رهان زوكربيرغ فعلًا، أم تغيّر شكل الجهاز فقط؟

الجهاز ليس الفكرة كلها

«تشارم» لا ينفذ المهام بنفسه؛ هو وسيلة للوصول إلى «ميوز»، المساعد الذي يُفترض أن يبحث وينظم ويحجز ويتسوق نيابة عن المستخدم. رهان «ميتا» الأكبر هو أن يصبح المساعد نقطة البداية التي يطلب منها الناس ما يحتاجونه، بدل فتح تطبيقات ومواقع مختلفة والانتقال بينها.

وهنا تظهر الفرصة الاقتصادية. تعتمد «ميتا» اليوم أساسًا على الإعلانات التي تعرضها في تطبيقاتها. أما «ميوز» فقد يضيف دخلًا من اشتراكات مدفوعة أو عمولات على عمليات شراء وحجز ينفذها. وإذا أصبح المساعد هو من يوجّه المستخدم إلى المنتج ويكمل عملية الشراء، فقد تكتسب «ميتا» دورًا جديدًا في العلاقة بين المتجر والعميل. لكن هذه إيرادات محتملة؛ فلا يكفي أن ينزّل المستخدم التطبيق، بل يجب أن يعود إليه ويثق به ويدفع مقابل خدماته.

لماذا تحركت الأسهم؟

المفارقة أن حركة السوق ارتبطت برواج «ميوز» قبل الكشف عن «تشارم». ارتفعت أسهم «Shopify» بعد تعاونها مع «ميتا» لإتاحة الشراء عبر المساعد، بينما تراجعت أسهم شركات مثل «Booking Holdings» و«Intuit» مع قلق المستثمرين من أن يغيّر المساعد طريقة بحث المستهلكين عن الرحلات والخدمات والمنتجات.

هذه التحركات تعبّر عن توقعات السوق، لا عن خسارة مؤكدة لعملاء تلك الشركات. فالمساعد قد يفتح قناة بيع جديدة لشركائه، لكنه قد يختصر في الوقت نفسه الطريق الذي كان المستهلك يسلكه عبر منصات أخرى. ولم يتضح بعد أي الطرفين سيحصل على الحصة الأكبر من العلاقة مع العميل: المساعد، أم المتجر، أم المنصة التي تنفذ الخدمة؟

الاختبار الحقيقي: المنفعة والثقة

تاريخ «ميتا» يفسر حذر المستثمرين. فالخسائر السابقة تذكّرهم بأن الفكرة الطموحة لا تضمن طلبًا واسعًا. وقد يظل «تشارم» منتجًا لمحبي التقنية إذا لم يقدم فائدة لا يوفرها الهاتف أو الساعة الذكية.

وتكشف النظارات الصوتية التي قدمتها «ميتا» جانبًا آخر من الاختبار: إزالة الكاميرا قد تخفف بعض مخاوف التصوير، لكنها لا تنهي أسئلة الخصوصية إذا كان الجهاز يسجل الصوت. في منتجات تقترب من الحياة اليومية، الثقة جزء من قيمة المنتج؛ فالمستخدم لن يفوض مساعدًا بقراءة رسائله أو تنفيذ مشترياته ما لم يشعر أن استخدامه آمن وواضح.

وبالنسبة إلى المتاجر السعودية، يظل السؤال الذي يستحق المتابعة هو ما إذا كان انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي مستقبلًا سيصبح قناة إضافية للوصول إلى العملاء، أو يجعل المساعد هو الواجهة التي يمر عبرها الشراء. لا تتوفر بعد بيانات محلية تحسم ذلك، لكن تجربة «ميتا» توضح ما ينبغي مراقبته: هل تتحول سهولة الاستخدام إلى عودة متكررة، ومدفوعات فعلية، وثقة كافية؟

قد لا يكون اختبار زوكربيرغ هذه المرة بيع جهاز صغير. الاختبار هو أن يجعل «ميوز» وسيطًا يعتمد عليه الناس، ثم يحول هذا الاعتماد إلى دخل. عندها فقط يتضح إن كانت «ميتا» قد وجدت منصة جديدة، أو أضافت جهازًا آخر إلى سجل رهاناتها.