لسنوات، كانت أخبار البناء في المملكة تدور حول الإعلان عن مشاريع جديدة أكبر وأضخم. أما اليوم، فقد تغير السؤال: لم يعد «ماذا سنبني؟»، بل «ماذا سننجز أولًا، وبأي تكلفة؟». فالقطاع ما زال يتوسع، لكنه يدخل مرحلة جديدة عنوانها التسليم والانضباط.
ماذا يحدث في قطاع البناء؟
تشير أحدث البيانات إلى أن القطاع ما زال في منطقة النمو. فقد سجّل مؤشر الراجحي المالية لقطاع البناء في السعودية 54.4 نقطة في سبتمبر، متراجعًا قليلًا عن 55.4 نقطة في أغسطس، لكنه بقي فوق مستوى 50 نقطة للشهر الخامس على التوالي، وإن كانت هذه أبطأ وتيرة نمو منذ أربعة أشهر. وتصدرت المشاريع السكنية القراءات بـ56.6 نقطة، تلتها البنية التحتية بـ55.8 نقطة (ارتفاعًا من 53.9 في أغسطس)، مقابل 50.9 نقطة للمشاريع غير السكنية.
وعلى صعيد العقود، بقيت المملكة أكبر سوق للمشاريع في الخليج خلال الربع الثالث من 2026، بعقود بلغت قيمتها 24.4 مليار دولار، بحسب «كامكو إنفست» استنادًا إلى بيانات «ميد بروجكتس». لكن قيمة العقود في الأشهر التسعة الأولى بلغت 73.4 مليار دولار، متراجعة بنحو 7.7% عن 79.5 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي.
وفي المقابل، ارتفعت التكاليف بأسرع وتيرة منذ بدء المسح في يناير، إذ أفادت نحو 45% من الشركات بارتفاع أسعار مدخلاتها في سبتمبر، مقابل أقل من 1% أفادت بانخفاضها. ومع ذلك، تتوقع 34% من الشركات نمو نشاطها خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، مقابل 8% فقط تتوقع تراجعه.
أولًا: كيف يُقرأ مؤشر البناء؟
يعتمد هذا النوع من المؤشرات على استطلاع آراء الشركات حول نشاطها مقارنة بالشهر السابق، مثل حجم الأعمال والطلبات الجديدة والتكاليف. والقراءة فوق 50 نقطة تعني أن عدد الشركات التي تشهد تحسنًا يفوق عدد الشركات التي تشهد تراجعًا، أي أن القطاع يتوسع، بينما تعني القراءة دون 50 نقطة انكماشه.
ومن المهم التفريق بين «ترسية العقود» و«التنفيذ»، فتراجع قيمة العقود الجديدة لا يعني توقف البناء، لأن مشاريع كثيرة رُسيت في السنوات الماضية ما زالت قيد التنفيذ.
ماذا تعني «مرحلة الانضباط»؟
بحسب تقرير لمجلة «غلف كونستركشن» عن الرياض، يجمع قطاع البناء في العاصمة اليوم بين واقعين متوازيين:
مشاريع مرتبطة بمواعيد ثابتة: مثل إكسبو 2030، وملاعب كأس العالم 2034، ومطار الملك سلمان الدولي، وتوسعة مترو الرياض، وهي تشهد زخمًا واضحًا وعقودًا قياسية وأعدادًا متزايدة من العمالة.
مشاريع أقل ارتباطًا بمواعيد محددة: جرى إيقاف بعضها مؤقتًا أو إعادة تصميمه أو تمديد جداوله الزمنية، في ظل موازنة المملكة بين الطموح والقيود المالية.
ومن أبرز أمثلة النوع الأول إكسبو 2030 الرياض، الممتد على 6 ملايين متر مربع، إذ رُسي عقد المرافق والأعمال المدنية الرئيسي على شركة نسما وشركاهم في يناير، تلاه عقد بنية تحتية رئيسي ثانٍ لشركة اليمامة. كما بدأ تشييد المدرج الثالث في مطار الملك سلمان الدولي بطول 4200 متر، ضمن خطة لرفع عدد حركات الطائرات في الساعة من 65 إلى 85 حركة.
أما على الجانب الآخر، فقد أفادت رويترز في يناير بتعليق أعمال البناء في مشروع «المكعب» بالمربع الجديد بعد إنجاز الحفر والأساسات، ليكون أول مشروع عملاق في الرياض يُعلَّق رسميًا للمراجعة، على أن يُختار مقاول المراحل التالية في 2027.
لماذا ترتفع التكاليف؟
تتعدد أسباب ارتفاع التكاليف، ومن أبرزها:
تكلفة البناء نفسها: إذ بلغ متوسط تكلفة البناء في الرياض 2874 دولارًا للمتر المربع، مقارنة بـ2593 دولارًا قبل عام، بزيادة تقارب 11%، بحسب شركة «تيرنر آند تاونسند».
نقص العمالة الماهرة: خصوصًا في الأعمال الكهروميكانيكية، التي تُعد أكثر القيود ضغطًا على القطاع.
طول فترات التوريد: إذ امتدت مهلة توريد المعدات إلى 25 أسبوعًا.
اضطراب سلاسل الإمداد: تأثرت إمدادات المواد بالصراع الإقليمي، وتشير تقارير إلى أن إكسبو 2030 يتجه إلى الاعتماد على أنابيب وكابلات وخرسانة مصنعة محليًا للحد من هذه الاضطرابات.
ويضاف إلى ذلك اشتداد المنافسة على المقاولين والمواد مع اقتراب مواعيد كبرى مثل إكسبو 2030 وكأس العالم 2034.
أين تذهب العقود؟
تكشف بيانات الربع الثالث تحولًا في توزيع العقود داخل المملكة:
عقود البناء: الأكبر بين القطاعات، وارتفعت 7.6% على أساس سنوي إلى 9.2 مليار دولار.
عقود الغاز: قفزت 80.1% إلى 6.9 مليار دولار.
عقود النفط: تراجعت إلى 460 مليون دولار مقارنة بـ3.8 مليار دولار قبل عام، وعزا التقرير ذلك إلى اضطرابات في المضائق أثرت في صادرات الطاقة.
عقود الكهرباء: تراجعت 83.4% إلى 1.6 مليار دولار.
ولا يزال حجم المشاريع المخطط لها وغير المرساة في الخليج يبلغ نحو 2.05 تريليون دولار، تستحوذ المملكة على 49.7% منها، أي نحو 1.02 تريليون دولار.
وفي علم إدارة المشاريع، هناك قاعدة تُعرف بـ«المثلث الحديدي»، أضلاعه النطاق والوقت والتكلفة، ولا يمكن تغيير أحدها دون أن يتأثر الضلعان الآخران. وحين تكون المواعيد ثابتة لا تقبل التأجيل، كافتتاح إكسبو 2030 وصافرة البداية في كأس العالم 2034، يصبح الوقت ضلعًا لا يتحرك، فيتحمل النطاق والتكلفة عبء التوازن. وربما هذا بالضبط ما تشهده الرياض اليوم: ليس تراجعًا عن الطموح، بل إعادة ترتيب له، بحيث يُنجز أولًا ما لا يحتمل الانتظار، ويُمنح ما سواه وقتًا أطول.
تنويه: هذا المقال معرفي، هدفه تبسيط الخبر وشرحه بأسلوب سهل وقريب للقارئ. المعلومات الواردة فيه مأخوذة من مصادر إخبارية منشورة، وتمت صياغتها وتبسيطها بتصرّف، ولا تمثل موقفًا أو تصريحًا رسميًا لأي جهة. وقد تطرأ تحديثات على هذه المعلومات بعد النشر، لذا يُنصح بالرجوع إلى المصادر الرسمية للاطلاع على التفاصيل الكاملة.
التعليقات (3)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!