حين نتحدث عن تطوير محصول زراعي، يبدو السؤال الأول بديهيًا: كيف ننتج كمية أكبر؟

لكن في البُن، زيادة عدد الأشجار والإنتاج ليست القصة كاملة. فالحبة التي تغادر المزرعة تبدأ بعدها رحلة أخرى من التجفيف والمعالجة والفرز والتحميص والتعبئة والتسويق، وفي كل مرحلة يمكن أن تُضاف قيمة جديدة إلى المنتج.

وهنا يظهر السؤال الاقتصادي الأهم للبُن السعودي: هل تكمن الفرصة في إنتاج كمية أكبر فقط، أم في بناء سلسلة تحتفظ بقيمة أكبر من الحبة داخل الاقتصاد؟

الحبة ليست المنتج النهائي

المزارع ينتج المحصول، لكن المستهلك في النهاية لا يشتري الثمرة من الشجرة. ما يصل إليه هو منتج مرّ بعدد من المراحل.

وهذا ما يسمى سلسلة القيمة (Value Chain): المراحل التي ينتقل خلالها المنتج من المادة الخام إلى المستهلك، وتُضاف إليه في كل مرحلة خدمة أو جودة أو معرفة تزيد من قيمته.

في حالة البُن، تبدأ القيمة من الزراعة وجودة المحصول، لكنها تستمر في المعالجة والفرز والتحميص والتعبئة، ثم في العلامة التجارية والتوزيع والتسويق.

وهنا يكمن الفرق بين تنمية محصول وبناء صناعة.

فإذا زاد الإنتاج الزراعي وحده، تنمو الحلقة الأولى من السلسلة. أما عندما تتطور عمليات المعالجة والتصنيع والمهارات والعلامات التجارية إلى جانبه، فقد تتوسع القيمة الاقتصادية التي يولدها القطاع نفسه.

الإنتاج يتوسع.. لكن ماذا بعد الحصاد؟

أحدث بيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة تشير إلى أن مناطق جازان وعسير والباحة ومكة المكرمة ونجران تضم أكثر من 1.3 مليون شجرة بُن مثمرة، تنتج أكثر من 870 طنًا من البُن الصافي سنويًا. وتستحوذ جازان وحدها على أكثر من 966 ألف شجرة مثمرة، بإنتاج يتجاوز 642 طنًا.

هذه الأرقام توضح توسع القاعدة الزراعية، لكنها تفتح سؤالًا آخر: ماذا يحدث لكل هذه الحبوب بعد الحصاد؟

فالكمية وحدها لا تحدد قدرة المنتج على المنافسة. جودة التجفيف والفرز والمعالجة والتخزين تؤثر في جاهزية المحصول للسوق وفي المستوى الذي يستطيع الوصول إليه.

ولهذا تصبح البنية التحتية بعد الحصاد جزءًا من اقتصاد البُن نفسه.

في محافظة الداير بجازان، تدير الشركة السعودية للقهوة مركزًا لمعالجة البُن بطاقة تتجاوز 14 ألف طن سنويًا، ويقدم خدمات تشمل التجفيف والتقشير والفرز والتعبئة والتغليف. الهدف هنا ليس زراعة شجرة إضافية فقط، بل تحسين ما يحدث للمحصول بعد أن يغادر المزرعة.

وهذه نقطة مهمة: رفع قيمة القطاع لا يبدأ دائمًا بزيادة الإنتاج؛ أحيانًا يبدأ بتقليل الفجوة بين محصول جيد ومنتج قادر على الوصول إلى السوق بجودة ثابتة.

الجودة يمكن أن تتحول إلى قيمة اقتصادية

البُن ليس سلعة تتحدد قيمتها بالوزن وحده.

في أسواق القهوة المتخصصة، تدخل الجودة والمنشأ وطريقة المعالجة والخصائص الحسية في تقييم المنتج. وهذا يخلق فرصة مختلفة للبُن السعودي: بدل المنافسة فقط على كمية الإنتاج، يمكن أن تكون المنافسة على التميّز.

في مسابقة «محصول التميز السعودي» لعام 2025، خضعت محاصيل من مناطق زراعة البُن السعودية لتقييم وفق معايير دولية، وحصل المحصول الفائز على مستوى المملكة على 89.17 نقطة. كما وفرت المسابقة للفائزين فرصًا للوصول إلى أسواق جديدة.

أهمية هذه الخطوة ليست في المسابقة نفسها، بل في ما تمثله اقتصاديًا.

عندما يصبح بالإمكان قياس الجودة وإثباتها، يصبح من الأسهل الانتقال من بيع المنتج باعتباره «بُنًا» فقط إلى تقديمه باعتباره محصولًا ذا منشأ وجودة وخصائص يمكن تمييزها.

وهنا تستطيع هوية المكان أن تصبح جزءًا من القيمة التجارية.

جازان وعسير والباحة ليست فقط مناطق إنتاج؛ فالبيئة الجبلية والمعرفة الزراعية المتوارثة وطريقة زراعة المحصول يمكن أن تصبح جزءًا من القصة التي تميز المنتج في السوق.

لكن القصة وحدها لا تكفي. لكي تتحول الهوية إلى قيمة اقتصادية مستدامة، يجب أن يصاحبها منتج بجودة يمكن الحفاظ عليها وتكرارها.

لماذا الاستثمار في المزارع وحده لا يكفي؟

المادة الأصلية التي نشرتها «واس» في اليوم العالمي للقهوة ركزت على انتقال البُن السعودي من إرث زراعي إلى فرصة تنموية، وعلى دور الشركة السعودية للقهوة في بناء منظومة تمتد من المزرعة إلى المستهلك.

اقتصاديًا، هذه النقطة هي الأهم.

فإذا كانت إحدى حلقات السلسلة ضعيفة، قد تحد من قيمة بقية الحلقات. زيادة المحصول دون قدرة كافية على المعالجة قد تخلق اختناقًا بعد الحصاد. ورفع الجودة دون قنوات تسويق مناسبة قد يجعل المزارع غير قادر على تحويل هذه الجودة إلى عائد أفضل. وبناء علامة تجارية قوية دون إمدادات مستقرة وجودة متجانسة يصعب استدامته.

لذلك فإن تطوير القطاع يحتاج إلى تحرك عدة أجزاء معًا: المزارع، والمعالجة، والمهارات، والجودة، والتسويق والوصول إلى السوق.

وهذا يفسر لماذا لا تقتصر استثمارات الشركة السعودية للقهوة على الزراعة؛ فخططها تشمل المزارع النموذجية والتدريب والمعالجة والتسويق، ضمن توجه لبناء سلسلة متكاملة من الحبة إلى الفنجان.

أين يستفيد المزارع؟

نجاح سلسلة القيمة لا يقاس فقط بما يصل إلى المستهلك، بل أيضًا بما إذا كانت القيمة الإضافية تصل إلى المنتج في بداية السلسلة.

فتطوير أساليب الزراعة والمعالجة قد يساعد المزارع على تحسين جودة المحصول وتقليل تفاوت الإنتاج، بينما توفر مرافق المعالجة المشتركة خدمات قد يكون من الصعب على كل مزرعة صغيرة الاستثمار فيها بمفردها.

كما أن وجود معايير للجودة وقنوات للوصول إلى المشترين يمكن أن يفتح فرصًا أوسع أمام المحاصيل المتميزة.

لكن هذا يضع تحديًا مهمًا أمام نمو القطاع: زيادة الإنتاج يجب ألا تأتي على حساب الجودة أو استدامة الموارد الزراعية.

فالبُن السعودي يُزرع في بيئات جبلية محددة، ولذلك ترتبط قدرته على التوسع بعوامل مثل المياه، والممارسات الزراعية، وكفاءة الإنتاج، وقدرة المزارعين على تبني المعرفة والتقنيات المناسبة.

من محصول محلي إلى منتج يمكن تصدير هويته

الوصول إلى الأسواق العالمية لا يعني بالضرورة أن ينافس البُن السعودي أكبر الدول المنتجة بالكميات.

هناك مسار آخر: بناء منتج يستطيع المنافسة على الجودة والمنشأ والهوية.

وهذا يغير معنى التصدير نفسه. فما يُصدَّر ليس الحبوب فقط، بل يمكن أن تُصدَّر معها عمليات معالجة أكثر تطورًا، وعلامة تجارية، ومعايير جودة، وقصة مرتبطة بالمكان.

كلما أُنجزت مراحل أكثر من سلسلة القيمة محليًا بكفاءة، زادت فرصة أن تبقى أنشطة اقتصادية أكبر مرتبطة بالمنتج داخل المملكة، من التدريب والخدمات الزراعية إلى المعالجة والتحميص والتعبئة والتسويق.

القيمة تبدأ من الشجرة.. لكنها لا تنتهي عندها

البُن السعودي يمتلك أصلًا يصعب بناؤه من الصفر: تاريخًا زراعيًا، ومناطق إنتاج معروفة، ومعرفة متوارثة لدى المزارعين.

لكن تحويل هذا الأصل الثقافي والزراعي إلى قطاع اقتصادي مستدام يتطلب أكثر من زراعة أشجار جديدة.

التحدي الحقيقي هو بناء السلسلة التي تأتي بعد الشجرة: جودة يمكن قياسها، معالجة تحافظ عليها، مهارات تطورها، وعلامة تجعل المستهلك يعرف لماذا يختلف هذا المنتج عن غيره.

لذلك، حين نقيس مستقبل البُن السعودي، قد لا يكون السؤال الأهم: كم طنًا سننتج؟

بل: كم قيمة نستطيع أن نصنع من كل حبة ننتجها؟