من الاقتصاد السلوكي إلى فرشاة الرسام.. دروس غير تقليدية لقادة الأعمال

لطالما نُظر إلى علم اتخاذ القرار على أنه ساحة باردة تخضع لحسابات المنطق والبيانات، حيث يتصرف "الإنسان الاقتصادي" بعقلانية تامة لتعظيم مكاسبه.
لكن الواقع المعقد للمؤسسات يثبت يوماً بعد يوم أننا أبعد ما نكون عن هذه العقلانية المطلقة.
في كتابها الجديد "لوحة القرارات" (Decisionscape)، الصادر عن مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT Press)، تقدم إلسبيث كيركمان، رئيسة البرامج في مؤسسة "نيستا" (Nesta) للابتكار، طرحاً جريئاً:
ماذا لو استعرنا عدسة الفنانين لفهم وتقويم الطريقة التي نتخذ بها قراراتنا؟

يجادل هذا الطرح بأن عالم اتخاذ القرار قد عزل نفسه عن تخصصات أخرى يمكن أن تثريه.
ومن خلال الدمج بين العلوم الإنسانية والاقتصاد السلوكي، يتبين أن هناك تقاطعات مذهلة بين الطريقة التي يوزع بها الرسام عناصره على القماش، والطريقة التي يبني بها القادة التنفيذيون استراتيجياتهم.

الأبعاد الأربعة لـ "لوحة القرارات"

عندما يقف الفنان أمام لوحته، فإنه يتخذ قرارات متعمدة لتوجيه عين المشاهد.
في المقابل، يمتلك كل مدير "لوحة قرارات" ذهنية (Decisionscape) تحدد ما يوضع في المقدمة، وما يُترك في الخلفية، وأين يتركز الانتباه. ولبناء لوحة قرارات سليمة، يجب إدراك أربعة أبعاد رئيسية:

  • المسافة والتصغير (Distance and Diminution):
    يميل الفنانون إلى رسم الأشياء القريبة بحجم أكبر وتفاصيل أكثر، بينما تتضاءل الأشياء البعيدة.
    نفسياً، نحن نمارس هذا "الخصم الزمني" (Temporal Discounting) في الإدارة؛ فنميل إلى التقليل من شأن الأحداث المستقبلية البعيدة أو القضايا التي لا تمسنا مباشرة، مما يؤدي إلى إغفال مخاطر استراتيجية كبرى لصالح مكاسب قصيرة الأجل.
  • وجهة النظر (Viewpoint):
    كما يختار الفنان الزاوية المثلى لعرض عمله، يجب على صانع القرار إدراك أن الإدراك البشري نسبي.
    إن الاعتراف باختلاف وجهات النظر داخل فرق العمل يقي المؤسسات من فخاخ الأحكام المتسرعة والتفكير الجماعي.
  • التكوين (Composition):
    قد يرسم الفنان تفاصيل دقيقة لثمرة واحدة، لكن هذه التفاصيل قد لا تتماشى بالضرورة مع اللوحة الكلية.
    في الأعمال، تفكيك القرارات الكبرى إلى أجزاء صغيرة والتعامل مع كل جزء بمعزل عن الآخر (صوامع العمل) قد يؤدي إلى نتائج كارثية عند تجميعها مجدداً، حيث تختلف تفاصيل الأجزاء عن مجموعها الكلي.
  • الإطار (Frame):
    الفن نتاج ثقافي يعكس قيم العصر الذي صُنع فيه. وبالمثل، تُتخذ القرارات المؤسسية داخل "حدود" وقواعد غير مكتوبة تكون غير مرئية بالنسبة لنا (العقلانية المقيدة). القيادة الاستثنائية تتطلب القدرة على رؤية هذا الإطار، وتحدي القيود غير المبررة.

فخ "الوضع الافتراضي" ووهم الزمن

يكشف علم السلوك أن البشر يعتمدون على "اختصارات ذهنية" (Heuristics) لتسهيل الحياة اليومية، لكن هذه الاختصارات قد تتحول إلى تحيزات مدمرة في بيئة الأعمال.

تُعد ظاهرة "المعالم الزمنية" (Temporal Landmarks) من أبرز الأمثلة على تشوه الأحكام الإدارية.
ففي الإنفاق الحكومي والمؤسسي، تبدو قيمة "الدولار" في بداية السنة المالية مختلفة تماماً عن قيمته في نهايتها.
يؤدي شبح نهاية السنة المالية ومبدأ "استخدمها أو افقدها" إلى تضاعف معدلات الإنفاق بشكل مصطنع وغير مدروس لمجرد استنفاد الميزانية، وهو تشوه هيكلي ناتج عن بناء زمني اصطناعي فرضناه على أنفسنا.

ومع ذلك، يبقى التحيز الأكثر خطورة على الإطلاق هو "الانحياز للوضع الراهن" (Status Quo Bias)، أو اللجوء إلى "عدم اتخاذ أي إجراء".
يشير التدخل الحكومي البريطاني في قوانين مدخرات التقاعد إلى قوة "هندسة الخيارات".
فعندما تغيّر الخيار الافتراضي للموظفين الجدد من "الاشتراك الطوعي" (Opt-in) إلى "الاشتراك التلقائي مع حق الانسحاب" (Opt-out)، ارتفع عدد المدخرين بالملايين، مما يثبت أن تغيير "العمليات" والأنظمة أسهل بكثير وأكثر فاعلية من محاولة تغيير "سلوكيات" الأفراد المعقدة.

أدوات تنفيذية لقرارات أكثر صفاءً

للتخفيف من حدة هذه التحيزات، يقدم تقاطع الفن وعلم النفس أدوات عملية للقادة التنفيذيين:

  • التحليل الاستباقي للفشل (Premortems):
    بدلاً من التفاؤل المفرط، يجب على الفرق تخيل أن المشروع قد فشل فشلاً ذريعاً في المستقبل، ثم كتابة قصة هذا الفشل بأثر رجعي.
    هذا الإجراء يسلط الضوء على النقاط العمياء ويصحح مسار القرارات الحالية.
  • إدارة مستويات التفسير (Construal Levels):
    يحتاج القادة إلى التوازن بين التفكير التجريدي الاستراتيجي (الصورة الكبرى) والتفكير الملموس (التفاصيل الدقيقة).
    توزيع المهام بناءً على قدرة الأفراد على التنقل بين هذه المستويات يضمن التخطيط الفعال التنفيذ السليم.
  • الكتابة التعبيرية (Expressive Writing):
    كأداة للتفريغ المعرفي، أثبتت الدراسات أن تدوين الأفكار الحرة بانتظام يغير من طريقة استخدامنا للضمائر؛ فننتقل من التركيز المفرط على الذات ("أنا") إلى رؤية أكثر موضوعية وتحليلاً للموقف ("هو/هي")، مما يزيد من المسافة النفسية ويقلل من الانفعال في اتخاذ القرار.
  • الوعي بآليات التعرف على الأنماط (Pattern Recognition):
    أدمغتنا مصممة للبحث عن الأنماط لتسريع القرارات، وهو ما يميزنا عن الذكاء الاصطناعي أحياناً.
    لكن هذا الميل قد يدفعنا لرؤية ارتباطات لا وجود لها. تماماً كما نضع أسماءً عشوائية للألوان لفصل طيف متصل (كوضع حد فاصل بين الأحمر والبرتقالي رغم أنهما طيف واحد)، فإننا نضع حدوداً مصطنعة لمشكلات الأعمال لتسهيل استيعابها.

الخروج عن المألوف: الابتكار ككسر للقواعد

تعتمد المنظمات الكلاسيكية على سياسات صارمة لتسيير الأعمال، لكن الواقع الإداري لا يسير وفق خطوط مستقيمة. وهنا تبرز أهمية الفن في فهم الابتكار.

قديماً، ساد فن المنظور الخطي (Linear Perspective) في عصر النهضة الأوروبية باعتباره الطريقة "الصحيحة" والواقعية لرؤية العالم. في المقابل، استخدم الفن الصيني "الإسقاط المتوازي" لتقديم صورة تتجاوز قدرة العين البشرية الواحدة، وهو ما قد يبدو غير مألوف ولكنه يقدم رؤية أوسع وأشمل. ولاحقاً، جاءت المدرسة التكعيبية لتفكك المشهد وتعيد تركيبه من زوايا متعددة في آن واحد.

الدرس المستفاد للمديرين التنفيذيين واضح: التخطيط الجيد هو فن بحد ذاته، لكن الابتكار الحقيقي يتطلب شجاعة الخروج المتعمد عن القواعد القديمة. أن تفكر كفنان في غرفة اجتماعات مجلس الإدارة لا يعني أن ترسم لوحة، بل يعني أن تمتلك الجرأة لتفكيك المشهد، وتغيير زاوية النظر، ورؤية الاحتمالات التي يعجز الآخرون عن ملاحظتها.