عندما نتحدث عن سباق الذكاء الاصطناعي، تتجه الأنظار عادة إلى النماذج الأقوى والرقائق الأسرع. لكن مع اتساع استخدام التقنية، يظهر عامل أقل شهرة وأكثر ارتباطًا بالاقتصاد: كم يكلف تشغيل الذكاء الاصطناعي، وأين يمكن توفير القدرة الحاسوبية اللازمة له؟
هذه الزاوية تساعد على فهم لماذا أصبحت الطاقة ومراكز البيانات جزءًا من المنافسة العالمية على الذكاء الاصطناعي، ولماذا قد تكون السعودية لاعبًا في هذه المرحلة حتى من دون أن تكون مركزًا عالميًا لتصنيع الرقائق.
الرقاقة وحدها لا تكفي
رقائق الذكاء الاصطناعي لا تعمل في فراغ. تشغيلها على نطاق واسع يتطلب مراكز بيانات، وشبكات كهرباء موثوقة، وأنظمة تبريد واتصالات، إضافة إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية.
وتتزايد أهمية هذه العناصر مع نمو الطلب على الحوسبة. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية ارتفاع استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات عالميًا من نحو 485 تيراواط ساعة في 2025 إلى نحو 950 تيراواط ساعة في 2030، بينما ينمو استهلاك مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع.
وهذا يغيّر طبيعة المنافسة. امتلاك الرقائق المتقدمة يظل مهمًا، لكن القدرة على تشغيلها بكفاءة وموثوقية وعلى نطاق واسع أصبحت جزءًا من المعادلة الاقتصادية نفسها.
من سرعة الرقاقة إلى تكلفة تشغيلها
بعد تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي تبدأ مرحلة تسمى الاستدلال (Inference)، وهي ببساطة تشغيل النموذج كل مرة يطلب فيها المستخدم إجابة أو صورة أو مهمة.
ومع ملايين المستخدمين والطلبات، تتحول كل عملية صغيرة إلى تكلفة تشغيل متكررة. لذلك بدأت شركات الرقائق تنظر إلى مقاييس مثل التكلفة لكل وحدة معالجة (Cost per Token)، لا إلى سرعة الرقاقة فقط.
شركة Rebellions الكورية الجنوبية، المتخصصة في رقائق الذكاء الاصطناعي، تركز تحديدًا على رقائق الاستدلال. وتقول إن المنافسة ستتجه بصورة متزايدة نحو تقديم أداء جيد بتكلفة تشغيل أقل، وهو ما يربط كفاءة الرقائق مباشرة بالطاقة والبنية التحتية التي تشغلها.
اقتصاديًا، الفكرة بسيطة: كلما تحول الذكاء الاصطناعي من تجربة تقنية إلى خدمة تستخدمها الشركات باستمرار، أصبحت تكلفة التشغيل اليومية أكثر أهمية من تكلفة بناء النموذج وحدها.
أين تدخل السعودية؟
هنا تصبح البنية التحتية السعودية ذات معنى يتجاوز مجرد إنشاء مراكز بيانات.
وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات تنظر إلى مراكز البيانات بوصفها أصلًا أساسيًا في تطوير المملكة كمركز رقمي، مع خطط طويلة الأجل لتوسيع القدرة الحاسوبية المحلية. كما تشير وثائق الوزارة إلى أن توافر الطاقة وتكلفتها من العوامل التي تدعم جاذبية المملكة لاستثمارات مراكز البيانات.
ولهذا يرتبط قرار Rebellions بالتوسع في الرياض بصورة مباشرة باقتصاد التشغيل. الشركة ترى أن توافر الطاقة، والاستثمار في بنية الذكاء الاصطناعي، والتوجه نحو الذكاء الاصطناعي السيادي (Sovereign AI) عوامل تدعم وجودها في المملكة.
والذكاء الاصطناعي السيادي لا يعني أن تصنع الدولة كل التقنيات بنفسها، بل أن تمتلك قدرة أكبر على التحكم في مكان حفظ البيانات وتشغيل النماذج والبنية التحتية التي تعتمد عليها، خصوصًا في القطاعات الحساسة.
الفرصة أكبر من استيراد الرقائق
الفرصة الاقتصادية للسعودية لا تكمن بالضرورة في منافسة كوريا أو تايوان مباشرة في تصنيع أكثر الرقائق تقدمًا. هناك جزء آخر من سلسلة القيمة يمكن بناؤه محليًا: تشغيل الحوسبة.
فوجود الرقائق داخل مراكز بيانات سعودية يمكن أن يخلق نشاطًا حول التشغيل، والخدمات السحابية، والأمن السيبراني، والشبكات، والصيانة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
لكن بناء مراكز البيانات وحده لا يضمن تحقيق هذه القيمة. النجاح يعتمد على وجود طلب حقيقي على الحوسبة، وقدرة كهربائية موثوقة، ومهارات وشركات محلية تستطيع بناء خدمات ومنتجات فوق هذه البنية.
وهنا يظهر الفرق بين امتلاك بنية تحتية وبين بناء اقتصاد حولها.
السباق القادم قد يكون على تكلفة الحوسبة
الذكاء الاصطناعي يعيد رسم سلسلة القيمة التقنية. لم يعد السؤال فقط: من يصنع أفضل رقاقة؟ بل أيضًا: من يستطيع تشغيلها بأقل تكلفة، وبأكبر موثوقية، وأقرب إلى المستخدم والبيانات؟
بالنسبة للسعودية، قد تكون وفرة الطاقة وتوسع مراكز البيانات نقطة دخول مهمة إلى هذه السلسلة. لكن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة المملكة على تحويل هذه البنية من منشآت تستضيف خوادم إلى منظومة تنتج حولها شركات ومهارات وخدمات وقيمة اقتصادية محلية.
التعليقات (6)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!