قبل أيام، طلبت من ChatGPT أن يبني لي «رادارًا اقتصاديًا».

الفكرة بسيطة: يتابع على مدار اليوم تداول السعودية، والجهات الحكومية، والمنصات الاقتصادية، وعددًا من الحسابات المهتمة بالسوق، ثم يخبرني كل ساعة بما يستحق الانتباه.

أردته أن يلتقط إفصاح شركة، أو قرارًا اقتصاديًا، أو رقمًا جديدًا، أو موضوعًا بدأ يشغل المستثمرين.

لكن في أحد التحديثات ظهر لي شيء لم أكن أتوقعه:

توقعات الطقس.

أشار الرادار إلى تقرير للمركز الوطني للأرصاد يتوقع أمطارًا أعلى من المعدل الطبيعي في أجزاء واسعة من المملكة خلال أكتوبر ونوفمبر، بالتزامن مع درجات حرارة أعلى من المعتاد. ووفق المركز، تصل احتمالية هطول أمطار أعلى من المعدل خلال أكتوبر إلى 80% على أغلب مناطق المملكة، فيما قد يزيد متوسط الحرارة في بعض المناطق خلال الشهر بنحو 3 درجات مئوية عن المعدل.

كانت ردة فعلي الأولى تقريبًا: ما علاقة هذا بالرادار الاقتصادي؟

ثم جاء السؤال الأكثر إثارة:

هل الطقس متغير اقتصادي فعلًا؟

أولًا.. ما المقصود أصلًا بـ«متغير اقتصادي»؟

ببساطة، المتغير الاقتصادي هو شيء يمكن أن يؤثر في سلوك الاقتصاد: الإنتاج، الأسعار، الاستهلاك، الوظائف، تكاليف الشركات أو قرارات الاستثمار.

سعر الفائدة متغير اقتصادي.

سعر النفط متغير اقتصادي.

الدخل والبطالة والتضخم متغيرات اقتصادية.

لكن المطر؟ والحرارة؟

قد لا نضعهما عادةً بجوار أسعار الفائدة في شاشة واحدة، لكن تأثيرهما يمكن أن يصل إلى الاقتصاد عبر طرق كثيرة.

واللافت أن المركز الوطني للأرصاد نفسه يوضح أن التوقعات الموسمية لا تستخدم فقط لمعرفة ما إذا كان علينا حمل مظلة؛ بل توفر معلومات مفيدة لقطاعات من بينها الزراعة والطاقة وإدارة المياه والصحة العامة والاستعداد للكوارث.

وهنا تبدأ القصة الاقتصادية.

عندما ترتفع الحرارة.. قد تنخفض الإنتاجية

تخيل عاملًا يؤدي عملًا جسديًا في الخارج، أو منشأة تعمل في بيئة شديدة الحرارة، أو شركة ترتفع حاجتها إلى التبريد بشكل كبير.

الحرارة هنا لم تعد مجرد حالة جوية.

إنها أصبحت تكلفة.

تشير أبحاث صندوق النقد الدولي إلى أن ارتفاع الحرارة في الاقتصادات ذات المناخ الحار يمكن أن يؤثر في الناتج عبر عدة قنوات، بينها انخفاض الإنتاج الزراعي، وتراجع إنتاجية العاملين الأكثر تعرضًا للحرارة، وتأثر الصحة والاستثمار.

والأمر ليس نظريًا فقط.

ففي تقرير حديث للبنك الدولي عن الشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، وجد البنك أن نحو ثلاثة من كل عشرة شركات تعمل في ظروف حرارة شديدة لأكثر من 100 يوم سنويًا. ويربط التقرير بين نحو 17 يومًا إضافيًا من الحرارة الشديدة سنويًا وبين انخفاض يقارب 6% في المبيعات و4% في إنتاجية العمل و8% في الأجور في العينة التي درسها.

بمعنى آخر، درجة الحرارة قد تظهر في نهاية المطاف داخل قائمة دخل الشركة.

والمطر قد يصل إلى سعر المنتج

لنفترض أن أمطارًا شديدة أبطأت حركة الشاحنات على أحد المسارات.

قد تتأخر المواد الخام.

يتأخر الإنتاج.

تزداد تكلفة النقل.

وقد تضطر الشركة إلى البحث عن مورد أو مسار بديل.

في النهاية، يمكن أن تظهر بعض هذه التكاليف في سعر السلعة التي يشتريها المستهلك.

وهذا أحد المسارات التي يدرسها الاقتصاديون عند الحديث عن العلاقة بين الطقس والتضخم.

وجدت دراسة لصندوق النقد الدولي أن الاختلالات الجوية يمكن أن تضغط على سلاسل الإمداد، وترفع تكاليف النقل والإنتاج، ثم تنتقل هذه الضغوط إلى الأسعار. كما يمكن للحرارة الشديدة أن ترفع الطلب على الطاقة، وهو ما قد يخلق بدوره آثارًا إضافية على تكاليف بقية الأنشطة الاقتصادية.

وهكذا يمكن أن تبدأ القصة من سحابة وتنتهي عند فاتورة.

الزراعة هي المثال الأسهل.. لكنها ليست الوحيد

من السهل أن نفهم العلاقة بين الطقس والزراعة.

الأمطار ودرجات الحرارة والرطوبة تؤثر في المحاصيل والإنتاج.

وعندما يتراجع إنتاج سلعة زراعية في دولة أو منطقة كبيرة، يمكن أن تقل الكميات المعروضة وترتفع الأسعار.

لكن الاعتقاد بأن أثر الطقس يقتصر على المزارع فقط لم يعد دقيقًا.

الطقس قد يؤثر في:

شركة توصيل يتغير عدد طلباتها ووقت التسليم.

شركة إنشاءات تتوقف بعض أعمالها الخارجية.

شركة طيران تتعامل مع اضطرابات تشغيلية.

متجر تتغير حركة زبائنه.

شركة كهرباء يرتفع عليها الطلب في موجة حر.

شركة تأمين تواجه مطالبات أكبر بعد ظاهرة جوية شديدة.

وحتى مطعم قد يجد أن نمط طلب العملاء تغير بسبب ليلة ماطرة.

كل واحد من هذه الأمثلة صغير بمفرده، لكن عندما يحدث التأثير نفسه لآلاف الشركات وملايين المستهلكين، نبدأ في الانتقال من الطقس إلى الاقتصاد.

حتى ما نشتريه يتغير مع الجو

الطقس لا يؤثر في جانب العرض فقط، بل في الطلب أيضًا.

يوم شديد الحرارة قد يزيد الطلب على أجهزة التكييف والمشروبات الباردة وخدمات التوصيل.

الأمطار قد تقلل الإقبال على نشاط معين، لكنها قد تزيد الطلب على نشاط آخر.

وهنا يصبح الطقس جزءًا من البيانات التي قد تستفيد منها الشركات في التخطيط للمخزون والموظفين والتوصيل والتسويق.

بالنسبة إلى شركة، معرفة توقع درجة الحرارة ليست دائمًا معلومة أقل أهمية من معرفة حركة المنافسين.

لكن هل يعني هذا أن توقع المطر سيحرّك سوق الأسهم؟

ليس بهذه البساطة.

وهذه نقطة مهمة.

ليس كل تغير في الطقس حدثًا اقتصاديًا مؤثرًا، وليس كل تقرير للأرصاد يستحق أن يتحول إلى خبر مالي.

الاقتصادي يهتم غالبًا بثلاثة أمور:

حجم التغير، ومدته، والقطاع المعرض له.

أمطار عادية لبضع ساعات ربما لا تعني الكثير للاقتصاد.

لكن موجة حر طويلة، أو جفاف ممتد، أو فيضانات تعطل طرقًا ومرافق، أو تغير كبير في درجات الحرارة يمتد على مساحة واسعة، يمكن أن تكون له آثار قابلة للقياس.

لذلك يجب أيضًا التمييز بين الطقس والمناخ.

الطقس يصف ما يحدث خلال فترة قصيرة نسبيًا.

أما المناخ فيصف الأنماط والاتجاهات خلال مدد أطول.

الحدث الجوي قد يخلق أثرًا اقتصاديًا مؤقتًا، بينما تغير الأنماط المناخية يمكن أن يغير قرارات الاستثمار والبنية التحتية ومواقع الإنتاج وأنواع المحاصيل وحتى نماذج أعمال كاملة.

وما علاقة ذلك بالسعودية؟

لهذا السبب تحديدًا لم يعد غريبًا بالنسبة إليّ أن يظهر تقرير الأرصاد داخل «رادار اقتصادي».

المركز الوطني للأرصاد يتوقع خلال أكتوبر ونوفمبر 2026 أمطارًا أعلى من المعدل على مساحات واسعة من المملكة، مع ارتفاع متوسط درجات الحرارة خلال أكتوبر ونوفمبر وديسمبر.

هذه ليست توقعات للناتج المحلي، ولا تعني تلقائيًا ارتفاع التضخم أو انخفاض أرباح الشركات.

لكنها معلومة اقتصادية محتملة.

شركة لوجستية قد تقرأها بطريقة.

شركة تأمين بطريقة أخرى.

قطاع الزراعة بطريقة ثالثة.

وشركة تعتمد عملياتها على العمل الخارجي ربما تقرؤها بطريقة مختلفة تمامًا.

وهنا تكمن الفكرة.

ربما الخطأ كان في تصورنا للرادار الاقتصادي

عندما طلبت من ChatGPT متابعة الاقتصاد، كنت أتوقع أن يعيد إليّ ما اعتدنا اعتباره «اقتصاديًا»: الأسهم، الأرباح، أسعار النفط، القرارات الحكومية والمؤشرات.

لكن الاقتصاد في حقيقته أوسع من شاشة تداول.

هو دراسة لكيفية اتخاذ البشر والشركات قراراتهم في عالم موارده محدودة وظروفه متغيرة.

والطقس إحدى هذه الظروف.

لذلك ربما لم يكن السؤال:

لماذا وضع ChatGPT الطقس في راداري الاقتصادي؟

بل:

لماذا استغربتُ أنا وجوده هناك أصلًا؟

لأن المطر عندما يؤثر في طريق شاحنة، والحرارة عندما تخفض إنتاجية عامل، وموجة الحر عندما ترفع استهلاك الكهرباء، والجفاف عندما يقلل محصولًا زراعيًا، فإننا لم نعد نتحدث عن الطقس وحده.

نحن نتحدث عن الإنتاج والتكلفة والسعر والدخل والربح.

وهذه، في النهاية، هي لغة الاقتصاد.