يمكن شراء الخوادم خلال أشهر، لكن بناء المعرفة والشركات التي تحولها إلى إيرادات يحتاج إلى سنوات.

هنا تظهر القيمة الاقتصادية للتعاون السعودي الفرنسي في الذكاء الاصطناعي. فالمملكة توسع اقتصادها الرقمي وقدرتها الحاسوبية، بينما تمتلك فرنسا مؤسسات بحثية وشركات تعمل في النماذج اللغوية والروبوتات والأنظمة الذكية.

ومع زيارة الدولة التي يجريها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا، يبرز سؤال يتجاوز ما قد ينتج عنها من اتفاقيات: هل تقود الشراكة إلى استخدام التقنية فقط، أم إلى المشاركة في تطويرها وبيعها؟

مراكز البيانات لا تصنع العائد وحدها

نما الاقتصاد الرقمي السعودي بنسبة 75% خلال ثمانية أعوام ليصل إلى 139 مليار دولار. وتعمل المملكة على بناء 6.9 جيجاواط من سعات مراكز البيانات بحلول 2034، تبدأ بـ3 جيجاواط بحلول 2030.

تعكس هذه الأرقام توسعًا كبيرًا في البنية الرقمية، لكنها لا تكشف وحدها حجم العائد الذي يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي.

فمراكز البيانات تشبه الموانئ: بناء الميناء يرفع قدرته على استقبال التجارة، لكن الدخل الحقيقي يتوقف على السلع التي تمر عبره والجهات التي تنتجها وتحصل على أرباحها.

وبالمثل، تمثل الخوادم قدرة على تشغيل نماذج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، لكنها لا تنتج قيمة من تلقاء نفسها. فإذا شغّلت منتجات طُورت بالكامل خارج المملكة، فقد يتركز العائد المحلي في البناء والطاقة والتشغيل ورفع كفاءة القطاعات.

أما مشاركة شركات وباحثين محليين في تطوير المنتجات، فيمكن أن تضيف إيرادات من البرمجيات والخدمات، وتبني ملكية فكرية وشركات قادرة على النمو.

ولا يعني ذلك ضرورة تطوير كل تقنية محليًا؛ فقد يكون شراء بعض الحلول أسرع وأقل تكلفة. لكن الفارق الاقتصادي يكمن في مقدار المعرفة والإيرادات التي تبقى داخل المملكة، بدل أن تقتصر الاستفادة على تشغيل المنتج.

ماذا تضيف فرنسا إلى المعادلة؟

تكشف الاجتماعات التي عقدها وزير الاتصالات وتقنية المعلومات عبدالله السواحه في باريس خلال يوليو 2025 أن التعاون المحتمل يغطي حلقات مختلفة من صناعة الذكاء الاصطناعي.

فقد شملت المباحثات فرص تأسيس مختبرات مشتركة وتبادل الباحثين مع معهد "INRIA"، وهو مؤسسة وطنية فرنسية متخصصة في أبحاث العلوم والتقنيات الرقمية.

كما بحثت المملكة التعاون في النماذج اللغوية الكبيرة مفتوحة المصدر مع "Mistral"، وهي شركة فرنسية متخصصة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي.

وامتدت المباحثات إلى الأنظمة الذكية وتقنيات الفضاء مع "Thales"، وهي مجموعة فرنسية تعمل في التقنيات المتقدمة، وإلى الروبوتات التفاعلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي مع "Enchanted Tools"، وهي شركة فرنسية متخصصة في تطوير الروبوتات التفاعلية.

وشملت كذلك الاستثمارات التقنية ودعم توسع الشركات السعودية الناشئة في الأسواق الواعدة مع "Eurazeo"، وهي مجموعة استثمار فرنسية، إلى جانب حوكمة البيانات وتنظيم الذكاء الاصطناعي مع "CNIL"، الجهة الفرنسية المعنية بحماية البيانات والخصوصية.

هذه ليست مجالات منفصلة؛ بل حلقات تبدأ بالبحث، ثم تطوير المنتج، وتمويله، وتنتهي بوصوله إلى السوق ضمن قواعد واضحة.

لكنها لا تزال فرصًا جرى بحثها، وليست مختبرات بدأت التشغيل أو نماذج مشتركة اكتمل تطويرها. لذلك يظل الانتقال من المباحثات إلى التنفيذ هو الخطوة التي ستحدد العائد الحقيقي.

من استخدام التقنية إلى تصديرها

يمكن قراءة الأثر المحتمل للشراكة عبر ثلاث درجات:

استخدام التقنية: وهو المسار الأسرع، إذ تحصل المؤسسات على حلول جاهزة تساعدها على تحسين الخدمات أو خفض التكاليف. لكن أثره في بناء قطاع تقني محلي يظل محدودًا إذا بقي تطوير المنتج وملكيته لدى الشركة الأجنبية.

تطوير التقنية بصورة مشتركة: هنا تكتسب المختبرات وتبادل الباحثين أهميتهما. فمشاركة الكفاءات المحلية في التطوير تمنحها معرفة لا يوفرها شراء المنتج الجاهز، وقد تنتقل هذه الخبرة إلى شركات ومشروعات جديدة.

تصدير التقنية: وهي المرحلة الأعلى قيمة والأصعب تحقيقًا. ففيها تستخدم الشركات السعودية البنية الحاسوبية والبحثية لتطوير منتجات يمكن بيعها خارج السوق المحلية، مستفيدة من التمويل والوصول إلى أسواق جديدة.

لا تتعارض هذه الدرجات؛ فقد يبدأ التعاون باستخدام حلول جاهزة، ثم ينتقل إلى التطوير المشترك، وصولًا إلى إنتاج تقنية قابلة للتصدير. وكلما تقدمت العلاقة في هذا المسار، ارتفعت حصة الاقتصاد المحلي من المعرفة والإيرادات.

الاختبار الحقيقي يبدأ عند التنفيذ

لن يُقاس نجاح الشراكة بعدد الاجتماعات أو الجهات المشاركة، بل بما ينتقل منها إلى السوق: مختبرات تعمل، وباحثون يشاركون في التطوير، ونماذج تصل إلى الاستخدام التجاري، وشركات تحصل على استثمارات وتدخل أسواقًا جديدة.

وتؤدي الحوكمة دورًا اقتصاديًا في هذه المرحلة؛ لأن وضوح قواعد استخدام البيانات وحمايتها يساعد الشركات على تقدير تكلفة مشروعاتها ومخاطرها، بدل تأجيل الاستثمار بسبب عدم اليقين.

أما الخطر الأبرز، فهو أن تتوسع القدرة الحاسوبية بوتيرة أسرع من نمو المنتجات والطلب التجاري. عندها قد تتوافر الخوادم، بينما تظل التطبيقات التي تشغلها مستوردة أو محدودة محليًا.

تمنح الزيارة الحالية التعاون السعودي الفرنسي دفعة سياسية، لكن العائد سيظهر في مرحلة التنفيذ.

وفي النهاية، يمثل كل توسع جديد في مراكز البيانات سؤالًا اقتصاديًا: هل ستشغّل هذه الخوادم منتجًا نستورده، أم منتجًا نشارك في تطويره ونستطيع بيعه؟

في الإجابة عن هذا السؤال تتحدد حصة المملكة من اقتصاد الذكاء الاصطناعي، لا في عدد الخوادم وحده.