تستخدم محفظتك الرقمية لدفع فاتورة، أو تحويل مبلغ، أو شراء منتج. لكن ماذا لو أصبحت المحفظة نفسها قادرة على تقديم التمويل؟

هذا التحول بدأ يظهر مع توسع شركات التقنية المالية في تقديم خدمات تتجاوز المدفوعات. فقد أعلنت شركة براق المالية «برق» حصولها على الموافقة الأولية من البنك المركزي السعودي لإضافة نشاط التمويل إلى نطاق أعمالها، مع توجه لتطوير منتجات تمويلية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.

لكن بعيدًا عن «برق»، يطرح هذا التوسع سؤالًا أكبر: لماذا تريد شركات المدفوعات أن تدخل مجال التمويل؟

من الدفع إلى علاقة مالية أكبر

في البداية، كانت المحفظة الرقمية وسيلة لتسهيل الدفع والتحويل. لكن عندما تقدم المنصة خدمات مالية متعددة، يمكن أن تصبح علاقتها بالعميل أوسع.

فبدلًا من أن يستخدم العميل تطبيقًا للدفع ثم يبحث عن جهة أخرى عندما يحتاج إلى تمويل، يمكنه الحصول على الخدمتين من المنصة نفسها.

وهنا يظهر مفهوم التمويل المدمج (Embedded Finance)، أي تقديم الخدمات المالية داخل التطبيقات والمنصات التي يستخدمها العميل أصلًا.

وبالنسبة للشركة، فإن وجود العميل داخل المنصة لفترة أطول قد يعني فرصًا أكبر لتقديم خدمات إضافية، وفهم احتياجاته المالية بصورة أفضل، ضمن ما تسمح به الأنظمة والموافقات.

لكن التمويل ليس مجرد خدمة إضافية

هناك فرق مهم بين تشغيل خدمة دفع وتقديم تمويل.

في المدفوعات، ترتبط إيرادات الشركة غالبًا بالعمليات التي ينفذها العملاء. أما التمويل فيضيف عنصرًا مختلفًا: مخاطر عدم السداد.

فعندما تمنح الشركة تمويلًا، عليها أن تقيِّم قدرة العميل على السداد، وتتحمل تكلفة التمويل، وتدير رأس المال والمخاطر المرتبطة بالمحفظة التمويلية.

لذلك يخضع نشاط التمويل في المملكة لمتطلبات تنظيمية ورئيسة صارمة. وهنا يبرز دور البنك المركزي السعودي (ساما) عبر البيئة التجريبية التشريعية (Regulatory Sandbox)؛ وهي بيئة تنظيمية مُسيطر عليها تُتيح للشركات اختبار منتجاتها ونماذجها التمويلية المبتكرة في نطاق آمن وتحت إشراف مباشر، بما يضمن التوازن الدقيق بين تشجيع الابتكار والتوسع الرقمي من جهة، وحماية أموال العملاء والاستقرار المالي من جهة أخرى. وبناءً عليه، لا تكفي الموافقة الأولية لبدء ممارسة النشاط، بل يجب استكمال المتطلبات التنظيمية كافة للحصول على الموافقات النهائية.

هل سهولة التمويل ميزة دائمًا؟

التطبيق الواحد الذي يجمع الدفع والتحويل والتمويل قد يجعل الخدمات المالية أسهل وأسرع للعميل.

لكن سهولة الوصول إلى التمويل تطرح سؤالًا آخر: هل كلما أصبح الحصول على التمويل أسهل، أصبح اتخاذ قرار الاقتراض أكثر اندفاعًا؟

هنا تظهر أهمية التوازن بين الابتكار وحماية العميل. فالتقنية تستطيع تقليل الإجراءات وتسريع الخدمة، لكنها لا تلغي الحاجة إلى تقييم القدرة على السداد وإدارة المخاطر.

وهذا يجعل دخول المحافظ الرقمية إلى التمويل أكثر من مجرد إضافة خدمة جديدة؛ فهو انتقال من تسهيل المعاملات المالية إلى تحمل مسؤولية أكبر في تقديمها.

من محفظة رقمية إلى منظومة مالية

مع تطور التقنية المالية في المملكة، قد لا تقتصر المنافسة بين المحافظ الرقمية على سرعة الدفع أو سهولة التحويل، بل تمتد إلى عدد الخدمات التي تستطيع المنصة تقديمها ضمن تجربة واحدة.

لكن نجاح هذا النموذج لن يعتمد فقط على عدد الخدمات المتاحة، بل على قدرة الشركة على تقديمها بطريقة تحقق قيمة للعميل وتحافظ في الوقت نفسه على الاستدامة وإدارة المخاطر.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال: ماذا تستطيع المحفظة الرقمية أن تقدم؟

بل: إلى أي مدى يمكن أن تتوسع خدماتها دون أن تتحول سهولة الوصول إلى الخدمات المالية إلى مخاطر أكبر؟