قد يبدو المشهد غير منطقي للوهلة الأولى: متجر جديد يبيع بعض السلع بأسعار يصعب على المستهلك فهمها، فيما شركات تجزئة أقدم وأكبر، تمتلك عشرات أو مئات الفروع وخبرة تمتد لعقود، تواجه ضغوطًا على الأرباح أو تعيد النظر في شكل متاجرها.

فكيف يستطيع متجر أن يخفض الأسعار إلى هذا الحد ثم يستمر؟ وإذا كانت الأحجام الكبيرة تمنح الشركات التقليدية قوة تفاوضية هائلة، فلماذا تظهر نماذج أصغر أو أحدث قادرة على إرباك السوق؟

الإجابة تبدأ من خطأ شائع في فهم تجارة التجزئة: المتجر لا يربح من السعر وحده، بل من اقتصاد كامل يدور خلف الرف.

وفي السعودية، تقدم تجربة متاجر مثل «كيو»، إلى جانب ظهور «ديل» ونماذج الصالات الاقتصادية الأخرى، نافذة على تحول أوسع في سوق التجزئة: المنافسة لم تعد فقط حول من يمتلك أكبر متجر أو أكثر الفروع، بل حول من يستطيع تحريك البضاعة أسرع، وتقليل الهدر، وشراء المنتج أفضل، وتشغيل كل متر وموظف وريال من المخزون بكفاءة أعلى.

السؤال الخطأ: كم يربح المتجر من القطعة؟

في إحدى حلقات بودكاست «بترولي»، يشرح محمد عمر، مؤسس «كيو»، منطقه بطريقة مباشرة. يقول إن الشركة لا تعتمد، وفق وصفه، على بيع بعض المنتجات بخسارة لتعويضها بمنتجات أخرى؛ بل تخفض هامش الربح إلى مستوى منخفض، ثم تعتمد على بيع كميات أكبر، وتسريع دوران المخزون، وتقليل الهدر، واستخدام البيانات في تحديد ماذا تشتري ومتى وبأي كمية.

ويقول إن النظام التقني يراقب حركة المنتجات والمواسم ومستويات المخزون، بحيث يجري تقليل أو إيقاف الأصناف بطيئة الدوران، وزيادة شراء المنتجات التي تتحرك سريعًا. هذه المعلومات تمثل وصفًا من المؤسس لنموذج شركته وليست بيانات مالية مدققة منشورة للعامة، وهو تمييز ضروري عند تقييم التجربة.

لفهم المنطق، افترض متجرين يملكان 100 ريال لشراء سلعة.

الأول يحقق هامشًا قدره 20 ريالًا في كل مرة يبيع فيها السلعة، لكنه يستطيع تدوير هذا المخزون خمس مرات في السنة. أما الثاني فلا يربح سوى خمسة ريالات في الدورة الواحدة، لكنه يعيد استخدام رأس المال نفسه 30 مرة.

في المثال التوضيحي، الأول يولد 100 ريال من إجمالي الهوامش، والثاني 150 ريالًا، رغم أن ربحه في القطعة أقل بأربع مرات.

هنا يظهر مفهوم دوران المخزون Inventory Turnover: أي السرعة التي يبيع بها المتجر مخزونه ويستبدله بمخزون جديد. وكلما عاد المال من الرف إلى الصندوق سريعًا، أصبح بالإمكان إعادة تشغيله مرة أخرى.

لهذا قد يكون السؤال الأهم في تجارة الخصم ليس: «كم ربحت من هذه العلبة؟»، بل: كم مرة استطعت تشغيل الريال الذي اشتريت به هذه العلبة؟

المتجر الرخيص قد يكون ماكينة تشغيل أكثر منه متجرًا

هذه الفكرة عالمية.

شركة Costco الأميركية تصف نموذج أعمالها رسميًا تقريبًا باللغة نفسها: تشكيلة محدودة نسبيًا، أسعار منخفضة، مشتريات بكميات ضخمة، توزيع أكثر كفاءة، مناولة أقل، ومخزون سريع الدوران. وتقول الشركة إن اجتماع هذه العوامل يسمح لها بالعمل بهوامش إجمالية أقل بكثير من كثير من تجار التجزئة.

في 2025، بلغت مبيعات Costco نحو 269.9 مليار دولار، فيما كان هامشها الإجمالي نحو 11.1% فقط. ولدى الشركة بالطبع مصدر إيراد مهم لا يتوافر في معظم الصالات الاقتصادية السعودية؛ فقد حققت نحو 5.3 مليار دولار من رسوم العضوية في العام نفسه. لذلك ليست Costco نسخة مطابقة لـ«كيو»، لكنها تقدم درسًا اقتصاديًا مهمًا: الهامش المنخفض ليس مرادفًا للربحية المنخفضة إذا كان الحجم والدوران والكفاءة مرتفعًا.

أما Aldi، أحد أشهر نماذج الخصم عالميًا، فقد ذهب إلى طريق آخر لتقليل التكلفة. أكثر من 90% من المنتجات في متاجره الأميركية تحمل علامات حصرية لـAldi، وهو ما يقلل الاعتماد على العلامات الوطنية وتكاليف التسويق المرتبطة بها، ويمنح الشركة سيطرة أكبر على سلسلة القيمة. كذلك تتعمد الشركة تبسيط العمليات؛ حتى إن الموظفين لا يعبئون مشتريات الزبائن في الأكياس، في جزء من فلسفة تقوم على التخلص من أي تكلفة لا تضيف قيمة يراها المستهلك.

وهنا تتضح القاعدة: السعر المنخفض لا يبدأ عند بطاقة السعر. يبدأ قبلها بكثير؛ من العقد مع المورد، والمستودع، وعدد الأصناف، وحجم الطلبية، وطريقة العرض، وعدد مرات لمس المنتج قبل وصوله إلى العميل.

«الربح في المشرى».. لكن كيف يحصل متجر على سعر أفضل؟

في الحلقة نفسها، يلخص مؤسس «كيو» إحدى قواعد التجارة القديمة بالقول إن «ربح التاجر في مشتراه». ويشير إلى أن حجم المشتريات وسرعة حركة الأصناف يمنحان المتجر قوة أكبر في التفاوض مع الموردين.

هذه النقطة تساعد أيضًا على فهم الجانب الآخر من اقتصاد السوبرماركت التقليدي.

فنشرة طرح «بن داود القابضة» لدى هيئة السوق المالية تكشف أن العلاقة المالية بين سلسلة التجزئة والمورد أكثر تعقيدًا من مجرد «أعطني السلعة وأدفع لك ثمنها». بعض عقود الموردين تتضمن خصومات مقابل مساحات العرض والرفوف، وحوافز ترتبط بأحجام المبيعات، ومساهمات في الأنشطة الترويجية داخل المتاجر. كما قد تسمح العقود في حالات معينة بإعادة البضائع التالفة أو منتهية الصلاحية أو المخزون الزائد.

هذا مهم؛ لأنه يصحح رواية متداولة تقول إن المتاجر التقليدية «تربح من المورد» بينما الصالات الاقتصادية لا تفعل ذلك. الواقع أكثر تركيبًا: كل نموذج يحاول استخراج الكفاءة والقوة التفاوضية بطريقة مختلفة.

السلسلة الكبيرة تستطيع أن تقول للمورد: لدي مئات الفروع وملايين الزيارات.

أما متجر الخصم سريع النمو فيستطيع أن يقول: لدي منتج يتحرك بسرعة، ويمكنني شراء كمية ضخمة وتسديدها وإعادة الطلب أسرع.

وفي الحالتين، القوة الحقيقية ليست في حجم المتجر وحده؛ بل في قيمة ما يستطيع المتجر تقديمه للمورد مقابل سعر أفضل.

لماذا تخيف صالات الخصم المنافسين؟

لأنها تغير السعر الذي يعتبره المستهلك «طبيعيًا».

إذا اعتاد العميل شراء سلعة بـ20 ريالًا ثم رآها باستمرار بـ15 ريالًا في متجر آخر، فإن المشكلة لا تنتهي عند تلك السلعة. يبدأ في إعادة تقييم أسعار بقية سلة المشتريات أيضًا.

وهذا التأثير ليس مجرد انطباع. دراسة منشورة في دورية Review of Industrial Organization حللت دخول نموذج المتاجر شديدة الخصم إلى عدد من أسواق التجزئة الغذائية الأميركية، ووجدت أن دخولها خفّض هوامش المتاجر القائمة في المناطق المتأثرة بنحو 7.3% مقارنة بأسواق لم تشهد الدخول نفسه. ولا تعني هذه النسبة أن الأثر ذاته حدث أو سيحدث في السعودية؛ فالأسواق مختلفة. لكنها تقدم دليلًا تجريبيًا على الآلية الاقتصادية: المنافس منخفض السعر لا يحتاج إلى الاستحواذ على السوق حتى يؤثر فيه؛ يكفي أحيانًا أن يجبر الآخرين على خفض هوامشهم.

وهذا ما يجعل المنافسة على «السلة» أخطر من المنافسة على منتج واحد.

فالمستهلك لا يذهب عادة إلى السوبرماركت لشراء علبة واحدة. إنه يشتري رزًا وزيتًا وحليبًا ومنظفات وخضراوات وعشرات المنتجات في زيارة واحدة. ومن هنا تصبح المعركة الحقيقية هي: كم دفعت عند الكاشير في النهاية؟

وهي الفكرة نفسها التي دخل بها «ديل» السوق السعودي برسالة تتمحور حول تقديم «سلة أكبر بسعر أوفر»، ما يعكس انتقال المنافسة من استعراض خصم على صنف بعينه إلى محاولة تشكيل تصور المستهلك عن تكلفة سلته الكاملة.

العثيم: هل الصالات الاقتصادية وراء الخسارة؟

هنا يجب الحذر من القفز إلى استنتاج سهل.

أعلنت أسواق عبدالله العثيم في 2025 إيرادات بلغت 11.09 مليار ريال، بزيادة 3% تقريبًا عن العام السابق. لكن الربح التشغيلي تراجع 19.5% إلى نحو 361 مليون ريال، فيما انخفض صافي الربح 51% إلى نحو 250 مليون ريال.

هذه الأرقام تخبرنا بشيء مهم: ارتفاع المبيعات لا يضمن ارتفاع الأرباح.

يمكن للمتجر أن يبيع أكثر، لكنه ينفق أكثر للحصول على تلك المبيعات أو يقبل بهامش أقل. وهذا تحديدًا هو النوع من الضغط الذي يجعل المنافسة السعرية مؤلمة في قطاع التجزئة.

لكن الصورة أصبحت أكثر حدة في الربع الثاني من 2026، عندما أعلنت العثيم خسارة صافية بلغت 107.13 مليون ريال مقابل ربح 41.14 مليون ريال في الفترة المماثلة من العام السابق. كما انخفض إجمالي الربح بنحو 22%.

هل يمكن ببساطة القول إن «كيو والصالات الاقتصادية أوقعت العثيم في الخسارة»؟

لا.

إفصاح العثيم نفسه يحدد أسبابًا تشغيلية واضحة، في مقدمتها تحديات تطبيق نظام ERP، أو نظام تخطيط موارد المؤسسة؛ وهو النظام الذي يربط المخزون والمشتريات والمبيعات والعمليات داخل الشركة. وأوضحت الشركة أن المشكلات أثرت في سلسلة الإمداد والتغذية الآلية للمخزون وتوافر الأصناف، وأسهمت في ارتفاع مصروف مخصصات المخزون التجاري إلى 107 ملايين ريال في الربع الثاني وحده مقارنة بـ22 مليونًا في الفترة المقابلة من 2025.

كما أشارت إلى انخفاض المبيعات وارتفاع تكاليف التجارة الإلكترونية وضغطها على هوامش الربح.

إذن المنافسة جزء من البيئة، لكنها ليست تفسيرًا كافيًا للخسارة.

وهذه نقطة جوهرية في الاقتصاد: الشركة قد تواجه في الوقت نفسه ضغطًا تنافسيًا من الخارج وخللًا تشغيليًا من الداخل. والخلط بين الاثنين يصنع قصة جذابة، لكنه لا يصنع تحليلًا دقيقًا.

والسدحان لم «يختف».. بل غيّر شكل المتجر

قصة السدحان تقدم درسًا مختلفًا.

في حديث مطول هذا العام، تحدث الرئيس التنفيذي بدر السدحان عن قرار إغلاق 28 فرعًا والتحول من المتاجر الكبيرة إلى نموذج أصغر وأكثر مرونة. وفي الحوار نفسه تظهر مفارقة مهمة: المشكلة ليست أن السعوديين توقفوا عن شراء الطعام، بل أن الطريقة التي يريدون شراءه بها تتغير.

شركة السدحان تقول إنها تتجه الآن إلى نموذج SPAR Express. ووفق معلومات نشرتها الشركة، كان لديها 17 متجر إكسبرس عاملًا، و17 قيد الإنشاء، وستة مواقع قيد الدراسة، مع استهداف أكثر من 40 متجرًا بنهاية 2026.

بمعنى آخر، ليس ما يحدث «موت السدحان» بقدر ما هو تراجع في جدوى صيغة معينة من المتجر.

المتجر الذي تبلغ مساحته آلاف الأمتار يوفر تنوعًا هائلًا، لكنه يأتي أيضًا بإيجار وطاقة وعمالة ومخزون ورأس مال عامل أكبر. وإذا أصبح بإمكان المستهلك أن يطلب احتياجاته الثقيلة عبر التطبيق، ويشتري احتياجاته السريعة من متجر قريب، فإن قيمة الهايبرماركت الضخم تحتاج إلى إعادة إثبات نفسها.

السدحان، في هذه القراءة، لا يخرج من السوق؛ بل يحاول تغيير الإجابة عن سؤال: ما الحجم الصحيح للمتجر في عصر التوصيل والقرب والشراء السريع؟

التكنولوجيا ليست إضافة.. بل جزء من السعر

ربما تكون أكثر أفكار تجربة «كيو» دلالة هي أن مؤسسها لا يقدم الشركة بوصفها متجرًا فقط، بل بوصفها شركة تعتمد بكثافة على البيانات والأنظمة.

وبحسب حديثه، تستخدم الشركة أنظمة تحدد الحد الأدنى والأقصى للمخزون وتولد أوامر الشراء استنادًا إلى حركة الأصناف والمواسم، إضافة إلى فريق تقني داخلي. مرة أخرى، هذه معلومات مقدمة من الشركة نفسها وليست بيانات مستقلة مدققة، لكنها تكشف كيف يفكر نموذج التجزئة الجديد.

والمفارقة أن حالة العثيم تثبت الفكرة من الجهة المقابلة.

إذا كان النظام يعمل جيدًا، يمكنه تقليل المخزون الراكد ونقص المنتجات والهدر. وإذا تعطلت حلقته، يستطيع الخلل نفسه أن ينتقل من شاشة الحاسوب إلى المستودع، ثم إلى الرف، ثم إلى قائمة الدخل.

لهذا لم تعد التقنية «قسم IT» يقع خلف تجارة السوبرماركت. أصبحت جزءًا من اقتصاديات العلبة الموجودة على الرف.

من سيربح معركة السوبرماركت السعودي؟

لن تكون الإجابة بالضرورة «من يملك السعر الأقل».

فالسعر الذي يقل عن التكلفة بلا كفاءة تشغيلية ليس نموذج أعمال؛ إنه طريقة أسرع لاستهلاك رأس المال.

وفي المقابل، العلامة القديمة وعدد الفروع الكبيران لا يضمنان الحماية إذا أصبحت تكلفة خدمة العميل مرتفعة أو تغيرت عاداته.

المنتصر على المدى الطويل سيكون على الأرجح من يحقق المعادلة الأصعب: شراء أفضل، ومخزون أسرع، وهدر أقل، وتكلفة تشغيل أدنى، وسلة جذابة، وتجربة مناسبة للمستهلك، مع هامش يكفي لاستمرار الشركة وتمويل توسعها.

وهنا تظهر المفارقة التي تفسر ظاهرة الصالات الاقتصادية كلها:

المستهلك يرى السعر.

أما خلف السعر، فهناك معركة على المتر المربع، والكرتون، والمستودع، والبيانات، والمورد، والدقيقة التي يبقى فيها المنتج على الرف، والريال الذي يجب أن يعود إلى الصندوق بأسرع ما يمكن.

لهذا فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل «كيو» و«ديل» والصالات الاقتصادية ليس ما إذا كانت تستطيع تقديم عرض مذهل هذا الأسبوع.

السؤال الأصعب هو: هل تستطيع أن تجعل السعر المذهل اقتصادًا مستدامًا عندما يصبح لديها عشرات الفروع وآلاف الموظفين ومليارات الريالات من المبيعات؟

عندها فقط نعرف إن كنا أمام موجة عروض جديدة، أم أمام إعادة كتابة لقواعد تجارة التجزئة السعودية.