في دورة حياة عمالقة التكنولوجيا، هناك نقطة تحول حرجة تبدأ عندها الهياكل المالية بالتشقق تحت وطأة قرارات استثمارية متهورة، وهي مرحلة يطلق عليها اقتصادياً "حقبة الزومبي" (Zombie Era). حدث هذا مع "AOL" في عام 2003 عندما هجرها المستخدمون لصالح الإنترنت السريع، وتكرر مع "Yahoo" في 2015 بعد سلسلة استحواذات فاشلة. واليوم، وبحسب تحليل حديث نشرته الصحفية الاستقصائية جوليا أنغوين في "نيويورك تايمز"، تشير الأرقام بوضوح إلى أن شركة "ميتا" (Meta)، أحد أهم أقطاب مؤشر (S&P 500)، قد دخلت فعلياً في هذا المسار الانحداري البطيء.
رغم هيمنة "ميتا" على 20% من كعكة الإعلانات العالمية بإيرادات بلغت 200 مليار دولار العام الماضي، إلا أن تفكيك بياناتها المالية الأخيرة يكشف عن أزمة هيكلية عميقة. الميزانية العمومية للشركة باتت مثقلة بالديون، والإنفاق الرأسمالي (CapEx) يُحرق في رهانات غير محسوبة، بينما بدأ الأصل الأهم للشركة — قاعدة المستخدمين — في التآكل لأول مرة في تاريخها.
سوء تخصيص رأس المال: محرقة الابتكار
في الاقتصاد التقني، يُقاس نجاح الإدارة بكفاءة تخصيص رأس المال لتعظيم العائد على الاستثمار (ROI). غير أن قيادة "ميتا"، المحمية بهيكل أسهم يمنع إقالة مؤسسها مارك زوكربيرغ، تبنت سياسة إنفاق توصف بالاندفاعية، محولةً الشركة إلى ما يشبه الثقب الأسود للسيولة النقدية:
- وهم الميتافيرس: بين عامي 2021 و2026، ضخت الشركة نحو 80 مليار دولار في مشروع الميتافيرس، وهو استثمار ضخم في تقنية لم تجد قبولاً استهلاكياً، وانتهى بإغلاق المشروع مع استمرار نزيف مليارات الدولارات فصلياً على منتجات ثانوية كالنظارات الذكية.
- تخبط الذكاء الاصطناعي: في محاولة للحاق بركب (ChatGPT)، أحرقت الشركة قرابة 100 مليار دولار لتطوير نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر ثبت لاحقاً أنه بطيء وغير عملي. تلا ذلك شطب هذا الجهد، وضخ 14 مليار دولار إضافية لفريق جديد، مع التزام معلن بإنفاق 115 مليار دولار كحد أدنى خلال العام المقبل لتقليص الفجوة مع المنافسين.
هندسة الديون والمحاسبة الهجومية
لتمويل هذا الإنفاق الفلكي، لم تعتمد "ميتا" على تدفقاتها النقدية الحرة فحسب، بل اتجهت نحو الاستدانة المكثفة وممارسات محاسبية تثير قلق المحللين:
- تضخم الديون: بنهاية عام 2025، تضاعفت الديون طويلة الأجل على الميزانية العمومية للشركة لتصل إلى 59 مليار دولار مقارنة بالعام الذي سبقه.
- الإنفاق خارج الميزانية: لجات الشركة إلى ما يُعرف بـ "المحاسبة الهجومية" (Aggressive Accounting) لإبقاء تكاليف إنشاء مركز بيانات في لويزيانا، والبالغة 27 مليار دولار، خارج دفاترها الرسمية، مما دفع محللي "وول ستريت جورنال" للتحذير من أن هذا المسار المالي "غير مستدام".
وهم الإيرادات: جني الأرباح على حساب بقاء المنصة
التحدي الأخطر الذي يواجه "ميتا" يكمن في تآكل أصلها الجوهري. فقد أظهرت نتائج الربع الأول من عام 2026 انخفاضاً تاريخياً في عدد المستخدمين النشطين يومياً من 3.58 مليار إلى 3.56 مليار مستخدم.
لمواجهة هذا التراجع وتمويل الرهانات الخاسرة، لجأت الشركة إلى استراتيجية "الاستخراج قصير الأجل" (Short-term Extraction) — أو ما يُعرف في اقتصاديات المنصات بظاهرة "استنزاف المنصة" (Enshittification):
- قامت الشركة بزيادة كثافة الإعلانات ورفع تكلفتها على المعلنين.
- أسفرت هذه الخطوة عن قفزة بنسبة 27% في متوسط الإيراد لكل مستخدم (ARPU) خلال الربع الأول.
- النتيجة الاقتصادية: هذا النمو في الإيرادات هو "نمو زائف"؛ لأنه يتحقق عبر تدمير تجربة المستخدم (User Experience)، مما سيسرع من وتيرة هجرة الجماهير نحو منصات بديلة، ويقلص القيمة الدائمة للمستخدم (LTV) على المدى الطويل.
فاتورة العوامل الخارجية السلبية: عبء التقاضي
في الاقتصاد، تدفع الشركات فاتورة "العوامل الخارجية السلبية" (Negative Externalities) عندما تُحمّل المجتمع تكلفة أضرار منتجاتها. ووفقاً للكاتبة جوليا أنغوين، فإن خوارزميات "ميتا" المصممة لتعظيم التفاعل على حساب الصحة النفسية للمستخدمين، بدأت تواجه لحظة الحساب المالي.
- خسرت الشركة مؤخراً دعوى قضائية كبرى تتعلق بتصميماتها المسببة للإدمان والتي تضر بصحة المراهقين.
- تواجه الشركة حالياً أكثر من 100 ألف قضية مشابهة.
- تشير تقديرات المستثمرين إلى أن المطالبات القانونية قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، في سيناريو يعيد للأذهان التسويات المليارية الكبرى التي دفعتها شركات التبغ في أواخر التسعينيات.
درس لقطاع التقنية
لا تموت شركات الإنترنت العملاقة فجأة؛ بل تتحلل ببطء. حالة "ميتا" تقدم درساً قاسياً في الاقتصاد التقني: عندما تغيب الحوكمة الرشيدة (Corporate Governance) بسبب هيمنة المؤسس المطلقة، ويتم توجيه مئات المليارات نحو مشاريع مدفوعة بـ "الضجيج" (Hype) بدلاً من البيانات الواقعية، فإن النتيجة الحتمية هي اللجوء إلى استنزاف المستخدمين لتغطية الخسائر.
"ميتا" اليوم قد لا تزال تحقق أرباحاً إعلانية هائلة، لكن بنيتها التحتية تتحول تدريجياً إلى بيئة طاردة للمستخدمين وصانعي المحتوى والمستثمرين الاستراتيجيين على حد سواء. الأسواق لا ترحم، وتاريخ التكنولوجيا يثبت أن الأرقام الضخمة في خانة الإيرادات اليوم لا تحمي الشركات من مصير "الزومبي" غداً.
التعليقات (8)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!