لم يبدأ تاريخ التسويق بالإعلان، ولم ينتهِ عند وسائل التواصل الاجتماعي. ففي أكثر صوره عمقًا، يمكن قراءة تاريخ التسويق باعتباره تاريخًا لتحول السؤال الذي تطرحه الشركة على نفسها: من كيف ننتج؟، إلى كيف نبيع؟، ثم ماذا يريد العميل؟، وبعد ذلك كيف نبني علاقة معه؟، وصولًا إلى السؤال المعاصر: كيف نفهم السياق الذي يتخذ فيه الإنسان قراره؟

هذا التحول يصبح أكثر إثارة عند النظر إليه من السعودية. ففي أقل من نصف قرن، انتقلت المملكة من بداية الإعلان التجاري في التلفزيون السعودي في ثمانينيات القرن الماضي إلى سوق تبلغ فيه نسبة انتشار الإنترنت 99.6%، وتشكّل المدفوعات الإلكترونية 85% من مدفوعات التجزئة، ويستخدم 45.2% من مستخدمي الإنترنت أدوات الذكاء الاصطناعي.

لكن هذه الأرقام لا تعني أن التسويق القديم اختفى ليحل مكانه تسويق جديد. بل تكشف فرضية هذه الورقة:
تاريخ التسويق تراكمي أكثر منه إحلاليًا؛ فالأدوات تتغير، بينما يتسع مفهوم القيمة وموقع العميل داخل العملية الاقتصادية.

ملخص الدراسة

تتناول هذه الورقة تطور الفكر التسويقي من نشأته الحديثة المرتبطة بالتوزيع والإنتاج والأسواق الصناعية إلى صعود التوجه نحو المستهلك، والتجزئة والاستهداف، وإدارة العلاقات، والمشاركة في خلق القيمة، ثم التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي.

وتعتمد الورقة منهج المراجعة التاريخية التحليلية، مستندة إلى أعمال تأسيسية في الفكر التسويقي، منها Wilkie وMoore، وSmith، وWebster، وVargo وLusch، إضافة إلى الدراسات المعاصرة للذكاء الاصطناعي في التسويق. ولا تتعامل الورقة مع مراحل الإنتاج والبيع والتسويق بوصفها حقبًا زمنية مغلقة؛ إذ توضح الأدبيات أن الفكر التسويقي تطور عبر مدارس واتجاهات متداخلة، لا عبر انتقال عالمي موحد من مرحلة إلى أخرى.

وتستخدم السعودية بوصفها «مرآة محلية» لهذه التحولات؛ بداية من دخول الإعلان التجاري إلى التلفزيون السعودي عام 1986، مرورًا بتكييف الرسائل الإعلانية مع القيم والثقافة المحلية، وانتهاءً بالاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والإعلان الحواري.

وتخلص الدراسة إلى أن التحول الأعمق في تاريخ التسويق يتمثل في انتقال مركز الاهتمام من المنتج إلى العميل، ومن الصفقة إلى العلاقة، ومن العلاقة إلى التجربة، ومن التجربة إلى سياق القرار.

قبل دراسة تاريخ التسويق، من الضروري الفصل بين مفهومين يُستخدمان أحيانًا وكأنهما مترادفان: التسويق Marketing والإعلان Advertising.

تعرف الجمعية الأميركية للتسويق AMA التسويق بأنه مجموعة الأنشطة والمؤسسات والعمليات المرتبطة بخلق العروض ذات القيمة، والتواصل بشأنها، وتقديمها وتبادلها بما يحقق قيمة للعملاء والشركاء والمجتمع. هذا التعريف أوسع كثيرًا من الإعلان؛ فالإعلان جزء من نشاط التواصل والترويج، بينما يشمل التسويق كذلك فهم السوق، وتطوير المنتجات، والتسعير، والتوزيع وإدارة العلاقة مع العميل.

ومن هنا تظهر الكلمة التي سترافق تاريخ التسويق كله:

القيمة Value.

فكل مرحلة من مراحل الفكر التسويقي أعادت الإجابة عن ثلاثة أسئلة: ما القيمة؟ من يصنعها؟ ولمن تُخلق؟

ينبغي النظر إلى الجدول التالي باعتباره أداة تفسيرية، لا تقويمًا تاريخيًا صارمًا؛ إذ يمكن أن تتعايش هذه التوجهات داخل الاقتصاد أو الشركة نفسها.

التوجهالسؤال الإداري الأبرزمركز الاهتمامالإنتاجكيف ننتج بكفاءة أكبر؟الكلفة والإتاحةالمنتجكيف نصنع عرضًا أفضل؟الجودة والمواصفاتالبيعكيف نبيع ما أنتجناه؟الإقناع والترويجمفهوم التسويقماذا يحتاج العميل؟السوق والقيمةSTPأي عميل ينبغي أن نخدم؟التجزئة والاستهداف والتموضعالعلاقاتكيف نحتفظ بالعميل؟الولاء والعلاقة طويلة المدىالرقمنةكيف نقيس ونفهم السلوك؟البيانات والأداءالذكاء الاصطناعيماذا قد يحتاج العميل لاحقًا؟التنبؤ والتخصيصالذكاء الاصطناعي الحواريما سياق القرار الذي يواجهه الآن؟الحاجة والقيود والمفاضلة

الممارسة التسويقية قديمة قدم التجارة، لكن التسويق بوصفه علمًا وتخصصًا إداريًا منظمًا حديث نسبيًا.

مع توسع الاقتصاد الصناعي، لم تعد المشكلة مقتصرة على تصنيع السلعة. فقد أصبح على الشركات نقل منتجات ضخمة عبر مسافات أطول، وإدارة تجار الجملة والتجزئة والتخزين والتوزيع والأسعار.

ولهذا اهتمت المدارس الأولى في الفكر التسويقي بمؤسسات السوق ووظائف التوزيع والسلع، قبل أن يتسع المجال لاحقًا ليشمل سلوك المستهلك والاستراتيجية والعلاقات والمجتمع. وتبين دراسة Wilkie وMoore لتطور الفكر التسويقي في القرن العشرين أن المعرفة التسويقية مرت بعدة حقب ومدارس، لا بمجرد سلسلة بسيطة من «الإنتاج ثم البيع ثم التسويق».

كما صنف Sheth وGardner وGarrett تطور النظرية التسويقية عبر مجموعة واسعة من المدارس الفكرية، بما يؤكد أن تاريخ المجال أكثر تعددًا من النموذج التعليمي المختصر الذي يُستخدم عادة في المقررات التمهيدية.

في الاقتصاد الصناعي المبكر، كانت القدرة على الإنتاج بكميات كبيرة وخفض تكلفة الوحدة وتوفير السلعة لأسواق واسعة ميزة تنافسية قوية.

في هذه البيئة كان من الطبيعي أن يكون التفكير الإداري قريبًا من:

ننتج بكفاءة أكبر، ثم نوفر المنتج لأكبر عدد ممكن.

وتسمى هذه العقلية عادة Production Orientation — التوجه الإنتاجي.

لكن التوسع نفسه الذي حقق الوفرة ساهم في تغيير المشكلة. عندما أصبحت شركات متعددة قادرة على الإنتاج، لم يعد وجود السلعة كافيًا.

ظهرت المنافسة، وبدأ السؤال يتغير:

لماذا يشتري المستهلك منتج شركة دون أخرى؟

مع اتساع القدرة الإنتاجية والمنافسة، تعاظمت أهمية فرق المبيعات والإعلانات والعروض وبناء العلامات التجارية.

وهنا ظهر Selling Orientation — التوجه البيعي.

الفرق بين البيع والتسويق الحديث ليس لغويًا، بل يتعلق بنقطة البداية.

في التوجه البيعي تكون الشركة قد صنعت المنتج ثم تسأل:

كيف أقنع الناس بشرائه؟

أما في مفهوم التسويق الحديث فيصبح السؤال:

ماذا يريد الناس أصلًا، وما المنتج الذي ينبغي أن نصممه لهم؟

التحول الحقيقي إذن لم يكن من إعلان ضعيف إلى إعلان أفضل، وإنما من منطق دفع المنتج إلى السوق إلى منطق البدء بالسوق نفسه.

شهد منتصف القرن العشرين نموًا واضحًا في الفكر الذي ينظر إلى السوق باعتباره مجموعات من المستهلكين ذوي احتياجات مختلفة.

وفي عام 1956 نشر Wendell Smith بحثه الكلاسيكي في Journal of Marketing حول تمييز المنتجات وتجزئة الأسواق. وتكمن أهميته في ترسيخ فكرة أن السوق ليس كتلة متجانسة بالضرورة، وأن بإمكان الشركات التعامل مع مجموعات مختلفة من المشترين بعروض مختلفة.

ومن هنا تطورت إحدى أشهر الأدوات في التسويق:

Segmentation – التجزئة: تقسيم السوق إلى مجموعات لها خصائص أو احتياجات متشابهة.

Targeting – الاستهداف: اختيار المجموعة التي تستطيع المنظمة خدمتها بصورة أفضل.

Positioning – التموضع الذهني: تحديد الصورة والقيمة التي تريد العلامة التجارية احتلالها في ذهن الفئة المستهدفة.

لقد أصبح العميل بذلك ليس مجرد شخص في نهاية خط الإنتاج، بل مدخلًا إلى القرار الإداري قبل الإنتاج نفسه.

في عام 1960 نشر E. Jerome McCarthy كتابه Basic Marketing: A Managerial Approach، الذي ارتبط بترسيخ الصيغة المعروفة للمزيج التسويقي 4Ps.

وهي:

Product — المنتج
Price — السعر
Place — المكان أو التوزيع
Promotion — الترويج

وتوضح الـ4Ps لماذا يعد اختزال التسويق في الإعلان خطأً منهجيًا.

فالإعلان يقع أساسًا داخل Promotion؛ بينما يحتاج القرار التسويقي إلى تحديد ما الذي سيباع، وبأي سعر، وكيف يصل إلى العميل، وكيف يجري التواصل بشأنه.

بعبارة أخرى:

الإعلان يخبر السوق عن القيمة، لكن التسويق يبدأ قبل ذلك بتحديد القيمة وصناعتها وتقديمها.

مع نمو قطاع الخدمات وقواعد البيانات والمنافسة، بدأ الفكر التسويقي ينظر إلى العميل بطريقة مختلفة.

بدل السؤال:

كم بعنا اليوم؟

ظهر سؤال:

كم تساوي العلاقة مع هذا العميل على مدى سنوات؟

وهنا تطورت مفاهيم مثل الولاء، والاحتفاظ بالعملاء، وإدارة علاقات العملاء CRM والقيمة العمرية للعميل.

وفي دراسة مؤثرة نشرها Frederick Webster عام 1992، وصف تحول دور التسويق داخل المؤسسة من التركيز الضيق على المعاملات إلى إدارة العلاقات الاستراتيجية والشراكات وشبكات خلق القيمة، معتبرًا علاقات العملاء موردًا استراتيجيًا للشركة.

وتمثل هذه النقلة تحولًا اقتصاديًا مهمًا: العميل الجيد ليس فقط مصدر عملية شراء حالية؛ بل يمكن أن يصبح أصلًا للعلاقة المستقبلية.

أخذ Vargo وLusch هذا التحول خطوة أبعد في بحثهما الشهير المنشور عام 2004 في Journal of Marketing.

انتقد الباحثان المنطق الذي ينظر إلى القيمة كما لو أن الشركة تضعها كاملة داخل السلعة ثم تنقلها إلى العميل. وطرحا ما عُرف لاحقًا بـService-Dominant Logic، الذي يعطي وزنًا أكبر للخدمات والموارد غير الملموسة والعلاقات والمشاركة في خلق القيمة Co-creation of Value.

لنأخذ الهاتف الذكي مثالًا.

الجهاز الموجود داخل الصندوق يحمل إمكانات تقنية، لكن قيمته العملية تتشكل عندما يستخدمه العميل في العمل أو الدراسة أو الاتصال أو الدفع أو التصوير.

إذن:

القيمة ليست دائمًا شيئًا «يخرج من المصنع مكتملًا»؛ بل قد تتحقق أثناء الاستخدام والتفاعل.

وهذا التحول من أهم المفاتيح لفهم تاريخ التسويق الحديث.

مع توسع نفوذ الشركات والأسواق، ظهر سؤال أخلاقي واستراتيجي جديد:

هل يكفي أن تحقق الشركة أرباحًا وأن يكون العميل راضيًا؟

ماذا عن الأثر البيئي؟ والاستدامة؟ والثقة؟ والقيم المجتمعية؟

ويمكن فهم أطر مثل Marketing 3.0 بوصفها محاولة لتفسير تحول الاهتمام من المنتج، إلى العميل، ثم إلى الإنسان بوصفه حاملًا لقيم وتطلعات وليس مجرد وحدة استهلاك.

لكن ينبغي الحذر هنا من خطأ أكاديمي شائع.

Marketing 1.0 و2.0 و3.0 وما تلاها ليست تواريخ رسمية ملزمة لتطور التسويق العالمي.

إنها أطر تفسيرية حديثة، ويمكن أن تمارس شركة واحدة أكثر من توجه في الوقت نفسه.

وينطبق الأمر نفسه على Marketing 5.0، الذي يركز على استخدام التكنولوجيا لخدمة احتياجات البشر، وMarketing 6.0، الذي يناقش التجارب الغامرة والربط بين العالمين المادي والرقمي.

تضيف التجربة السعودية بعدًا مهمًا إلى تاريخ التسويق لأنها توضح أن التقنيات التسويقية العالمية لا تدخل الأسواق في فراغ ثقافي.

بدأ البث التلفزيوني السعودي من الرياض وجدة عام 1965، لكن الإعلان التجاري في التلفزيون السعودي أُدخل في عام 1986. وقد وثق عبدالله الفردي هذه المرحلة في رسالة ماجستير بجامعة North Texas تناولت تطور الإعلان التجاري التلفزيوني بين 1986 و1988.

لكن الأهم تسويقيًا هو ما حدث للرسائل نفسها.

فقد حلل Razzouk وAl-Khatib عينة من الإعلانات التي بثت خلال السنوات الثلاث الأولى للإعلان التلفزيوني السعودي، ووجدا التزامًا ملحوظًا بالقيم الإسلامية والأعراف الثقافية، إلى جانب اتجاه نحو تعريب المحتوى الإعلاني.

هذه النتيجة تتجاوز تاريخ الإعلام السعودي إلى واحدة من أهم قضايا التسويق الدولي:

Standardization أم Adaptation؟

أي: هل ينبغي للشركة العالمية أن تقدم الرسالة نفسها في كل سوق، أم تعيد صياغتها بما يناسب المجتمع المحلي؟

التجربة السعودية المبكرة تشير إلى درس مستمر حتى اليوم:

أدخل الإنترنت تحولًا أكثر عمقًا من مجرد ظهور قناة إعلانية جديدة.

في الإعلام الجماهيري التقليدي كان الاتصال يميل إلى أن يكون في اتجاه واحد:

الشركة → الجمهور

أما الإنترنت فأوجد علاقة أكثر تشابكًا:

الشركة ↔ المستهلك ↔ المستهلك

أصبح بإمكان الفرد البحث عن المعلومات، ومقارنة الأسعار، وقراءة المراجعات، ومشاهدة تجارب الآخرين، ونشر رأيه بنفسه.

وهنا انخفضت تكلفة البحث Search Cost على المستهلك، وتراجعت بعض أشكال التفوق المعلوماتي التي كانت الشركات تتمتع بها.

كما ظهرت ميزة تسويقية جديدة بالغة الأهمية:

القياس.

فبدل الاعتماد الكامل على التقديرات العامة أصبح بالإمكان تتبع مؤشرات مثل:

CPC، وCTR، وConversion Rate، وCPA، وROAS.

وهكذا تحول جزء من التسويق من «الاتصال بالجمهور» إلى قياس الاستجابة وتحسينها.

في السعودية، تقدم الأرقام الحديثة صورة لسوق تختلف جذريًا عن سوق الإعلان التلفزيوني في الثمانينيات.

وفق تقرير إنترنت السعودية 2025 الصادر عن هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، وصلت نسبة انتشار الإنترنت في المملكة إلى 99.6%، فيما يستخدم 61.3% من المستخدمين الإنترنت سبع ساعات فأكثر يوميًا. وبلغ متوسط استهلاك الإنترنت المتنقل 53 جيجابايت شهريًا للفرد.

وللتسويق دلالة إضافية في جانب المعاملة نفسها.

فقد أعلن البنك المركزي السعودي أن المدفوعات الإلكترونية مثلت 85% من إجمالي عدد مدفوعات التجزئة في 2025، مقابل 79% في 2024، وأن عدد المعاملات الإلكترونية بلغ 14.6 مليار معاملة.

ويشير التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام 2025 إلى أن الاقتصاد الرقمي أصبح يمثل 15.8% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغت قيمة سوق تقنية المعلومات والاتصالات نحو 53 مليار دولار.

ولا تعني هذه المؤشرات تلقائيًا أن جميع الشركات السعودية تمارس التسويق الرقمي بالمستوى نفسه.

لكنها تعني أن البنية التي يتخذ فيها المستهلك السعودي قراره أصبحت رقمية بدرجة كبيرة.

فالبحث، والمقارنة، والدفع، والتقييم، وخدمة ما بعد البيع يمكن أن تجري اليوم داخل مسار رقمي واحد تقريبًا.

كان البحث التسويقي التقليدي يساعد الشركات على فهم ما فعله المستهلك أو ما يقول إنه يريده.

لكن الذكاء الاصطناعي يضيف قدرة أخرى:

التنبؤ بما قد يحدث.

قدم Huang وRust إطارًا أكاديميًا مهمًا يقسم قدرات الذكاء الاصطناعي التسويقية إلى ثلاثة أنواع.

الأول Mechanical AI، المرتبط بأتمتة الأنشطة المتكررة.

والثاني Thinking AI، المرتبط بمعالجة البيانات والتحليل ودعم القرارات.

والثالث Feeling AI، الذي يتعامل مع تحليل التفاعلات والإشارات المرتبطة بالحالة الإنسانية.

ويبين الإطار أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدخل في أبحاث السوق، وفي STP، وكذلك في عناصر المزيج التسويقي.

المسألة إذن أكبر من استخدام ChatGPT لكتابة منشور إعلاني.

فالتحول الحقيقي يقع عندما يؤثر AI في:

من نستهدف، ومتى، وبأي عرض، وبأي احتمال للشراء أو الاستجابة.

تظهر بيانات هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية لعام 2025 أن 45.2% من مستخدمي الإنترنت في السعودية يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي، وهي نسبة تجاوزت ضعف العام السابق وفق التقرير. كما كان البحث عن المعلومات الاستخدام الأكثر شيوعًا لهذه الأدوات بنسبة 80.8% من مستخدميها.

هذه المعلومة ذات قيمة تسويقية خاصة.

فعندما يستخدم الإنسان الذكاء الاصطناعي للبحث، فإنه لا يغير الأداة فقط؛ بل قد يغير طريقة التعبير عن الحاجة نفسها.

وهذا يقود إلى أحدث تحول في تاريخ التسويق.

في محرك البحث، قد يكتب المستهلك:

أفضل سيارة عائلية في السعودية.

هذه العبارة تقدم إشارة تسمى عادة Search Intent — نية البحث.

لكن في مساعد ذكاء اصطناعي حواري، يستطيع أن يقول:

أعيش في الرياض، ولدي طفلان، وأسافر عدة مرات شهريًا، وميزانيتي 150 ألف ريال، وأريد سيارة اقتصادية في الوقود وقطع غيارها متوافرة وتتمتع بمستوى مرتفع من السلامة.

هنا لم يعد النظام يتلقى كلمة مفتاحية فحسب.

بل يتلقى:

الحاجة، والميزانية، والقيود، وطبيعة الاستخدام، ومعايير الاختيار والمفاضلة.

ومن هنا تقترح هذه الورقة مفهوم:

Decision Context — سياق القرار

ويقصد به مجموع المعلومات التي تكشف لماذا يتخذ المستهلك القرار، والقيود التي تحكم اختياره، والمعايير التي يستخدمها للمفاضلة بين البدائل.

وهذا يمثل طبقة أغنى من Search Intent.

بدأت الأدلة التجريبية في الظهور، وإن كانت النتائج لا تزال مبكرة.

تناولت دراسة مرتبطة بمبادرة MIT للاقتصاد الرقمي تجربة شملت أكثر من 21 ألف مستهلك، وقارنت إعلانات فيديو شخصية مولدة بالذكاء الاصطناعي بإعلانات صور شخصية وفيديوهات عامة.

في سياق التجربة، حققت الفيديوهات الشخصية بالذكاء الاصطناعي معدل نقر أعلى بـ9.4% من الصور الشخصية وبـ6.5% من الفيديو العام. لكن الباحثين أنفسهم حذروا من قضايا تتعلق بالحداثة والخصوصية والجودة وإمكان استمرار الأثر بمرور الوقت.

وهذا التفصيل مهم علميًا.

فالدراسة لا تثبت أن «إعلانات الذكاء الاصطناعي أفضل دائمًا»، بل تقول إن التخصيص المدعوم بالذكاء الاصطناعي أظهر أثرًا إيجابيًا في سياق تجريبي محدد.

وهو الفرق بين اللغة الأكاديمية واللغة الترويجية.

في 9 فبراير 2026 بدأت OpenAI اختبار الإعلانات داخل ChatGPT في الولايات المتحدة للمستخدمين البالغين في الخطتين Free وGo. وفي مايو أضافت الشركة إمكانات شراء وإدارة الحملات مثل المزايدة على تكلفة النقرة CPC وأدوات قياس إضافية.

وبحلول 31 أغسطس 2026، أعلنت OpenAI أن نشاط ChatGPT Ads بلغ معدل إيرادات سنويًا مقداره مليار دولار خلال أقل من 200 يوم، وأن عشرات الآلاف من المعلنين يستخدمون المنصة، مع توسيع الشراء عبر Ads Manager إلى مناطق تشمل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

لكن القيمة الأكاديمية لهذه الحالة لا تكمن في الإيرادات.

بل في طبيعة البيئة.

تقول OpenAI إن الناس يدخلون ChatGPT بأهداف واضحة، ويشرحون ما يريدون تحقيقه وما يهمهم والقيود التي يواجهونها، وأن تجربة المحادثة قد تجمع مراحل الاكتشاف والمقارنة واتخاذ القرار في مكان واحد. كما يستخدم نظام الإعلانات سياق المحادثة الحالية لإظهار إعلان ذي صلة.

هذا يتيح قراءة تطور الإعلان رقميًا بهذه الصورة:

Mass Advertising → Audience Targeting → Search Intent → Behavioral Targeting → Predictive Personalization → Conversational Context

أي:

الجمهور العام → الشريحة → نية البحث → السلوك → التنبؤ → سياق المحادثة والقرار.

لا.

وهذه نقطة مهمة لفهم النموذج الجديد.

توضح OpenAI أن الإعلانات تعمل بأنظمة منفصلة عن نموذج الإجابة، وأنها لا تؤثر في إجابات ChatGPT، وتظهر بوصفها محتوى ممولًا ومنفصلًا عن الإجابة. كما لا يحصل المعلنون على محادثات المستخدمين أو بياناتهم الشخصية، وإنما على معلومات أداء مجمعة.

وهذه المسافة بين الإجابة والموضع الإعلاني مهمة، لأن مستقبل الإعلان داخل بيئات الذكاء الاصطناعي سيعتمد بدرجة كبيرة على المحافظة على الثقة.

تكشف السعودية عن مفارقة مهمة.

التقنيات تغيرت بسرعة هائلة.

لكن بعض القواعد التسويقية التي ظهرت منذ بدايات الإعلان التلفزيوني ما تزال قائمة.

في التسعينيات أظهرت الدراسة المبكرة للإعلان السعودي أهمية الثقافة والتعريب. واليوم، رغم الذكاء الاصطناعي والبيانات والخوارزميات، ما زالت العلامة التجارية مطالبة بفهم المجتمع الذي تخاطبه.

بل ربما يجعل التخصيص الحديث هذا الأمر أكثر أهمية.

فكلما أصبحت التقنية قادرة على تخصيص الرسالة، ازدادت الحاجة إلى بيانات صحيحة وفهم حقيقي للفروق الثقافية واللغوية والاجتماعية.

لذلك لا ينبغي للمسوق السعودي أن يسأل فقط:

كيف نستخدم AI؟

بل:

كيف نستخدمه بطريقة تفهم العميل السعودي ولا تختزله إلى مجموعة بيانات؟

إذا أردنا اختصار أكثر من قرن من تطور الفكر التسويقي، فإن التحول يمكن تلخيصه في خمس وحدات:

Product → Customer → Relationship → Experience → Context

أي:

المنتج → العميل → العلاقة → التجربة → السياق.

لم تختفِ المنتجات.

ولم تختفِ الـ4Ps.

ولم تختفِ الإعلانات الجماهيرية.

لكن كل مرحلة أضافت مستوى جديدًا إلى السؤال الإداري.

في البداية كانت قيمة الشركة في صنع المنتج.

ثم في إقناع العميل به.

ثم في فهم احتياجاته.

ثم في الاحتفاظ بعلاقته.

ثم في إدارة تجربته.

واليوم تظهر القدرة على فهم سياق القرار لحظة بلحظة.

هناك مفارقة تستحق التأمل.

كان البائع في السوق التقليدي يعرف العميل من الحوار المباشر.

يسأله عما يريد، ويسمع اعتراضاته، ويقترح عليه البدائل.

ثم جاء الإنتاج الجماهيري فأصبح الاتصال أكثر اتساعًا وأقل شخصية.

وجاءت قواعد البيانات لاستعادة قدر من المعرفة الفردية.

ثم جاءت منصات الإنترنت بالتخصيص.

والآن قد يعيد الذكاء الاصطناعي الحوار إلى مركز التسويق، ولكن على نطاق لم يكن ممكنًا من قبل.

بهذا المعنى، قد يكون الإعلان الحواري حديثًا من ناحية التقنية، وقديمًا من ناحية الفكرة.

فأقدم مهارات التسويق تعود من جديد:

الاستماع، وفهم الحاجة، وتفسير المفاضلة، وتقديم العرض في الوقت المناسب.

لكن الفرق أن الوسيط اليوم خوارزمية.

بالنسبة إلى المدير، لا تكمن قيمة دراسة تاريخ التسويق في حفظ أسماء المراحل.

القيمة في اكتشاف نمط متكرر:

كلما تغيرت الأسواق، تغير المصدر الذي تأتي منه الميزة التنافسية.

مرة كانت القدرة على الإنتاج.

ثم التوزيع.

ثم العلامة التجارية.

ثم معرفة العميل.

ثم العلاقة.

ثم البيانات.

والآن يزداد وزن القدرة على الجمع بين البيانات والذكاء الاصطناعي والثقة والمعرفة المحلية.

وفي سوق سعودي شديد الاتصال رقميًا، لن تكون الميزة طويلة الأجل في امتلاك أداة AI؛ لأن الأدوات ستنتشر بين الجميع.

الميزة الأصعب تقليدًا ستكون:

ينبغي قراءة هذه الورقة باعتبارها مراجعة تاريخية تحليلية، لا دراسة سببية تثبت أن متغيرًا معينًا أدى وحده إلى تحول التسويق.

كما أن تاريخ التسويق يختلف بين الدول والقطاعات. فما ينطبق على السلع الاستهلاكية لا ينطبق بالضرورة على الخدمات المالية أو الصناعة أو السياحة.

كذلك فإن الإعلان عبر الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يزال مجالًا حديثًا وسريع التغير، ولذلك فإن بيانات عام 2026 تمثل مرحلة ناشئة وليست حكمًا نهائيًا على مستقبل التسويق.

وأخيرًا، استخدام تسميات مثل «عصر الإنتاج» أو Marketing 1.0–6.0 يجب أن يظل أداة تعليمية وتحليلية، لا تواريخ عالمية فاصلة.

يكشف تاريخ التسويق أن المجال لم يتطور بمجرد ظهور وسائل إعلام جديدة.

التحول الأعمق وقع في مفهوم القيمة.

بدأت المشكلة بكيفية إنتاج السلع وتوزيعها. ثم أصبحت كيفية بيعها. وبعد ذلك ظهر المستهلك بوصفه نقطة بداية، وتطورت التجزئة والاستهداف والمزيج التسويقي.

ومع اقتصاد الخدمات انتقلت قيمة العميل من الصفقة إلى العلاقة، ثم تطور الفكر باتجاه المشاركة في خلق القيمة والتجربة.

بعد ذلك منحت الإنترنت المستهلك قدرة أكبر على البحث والمقارنة، وأتاحت للشركات قياس السلوك بصورة لم تكن متاحة في الإعلام التقليدي.

واليوم يضيف الذكاء الاصطناعي إمكانية جديدة: فهم المشكلة والقيود والمفاضلات أثناء تشكل القرار نفسه.

وتقدم السعودية مثالًا واضحًا على سرعة هذا التحول. فمن إدخال الإعلان التجاري التلفزيوني عام 1986 إلى سوق تصل فيه نسبة انتشار الإنترنت إلى 99.6% و عدد المدفوعات الإلكترونية إلى 85% وتبني أدوات الذكاء الاصطناعي إلى 45.2%، تغيرت البيئة التسويقية بصورة جذرية.

لكن شيئًا أساسيًا لم يتغير:

التقنية تستطيع تحسين قدرة الشركة على الوصول، والقياس والتنبؤ، لكنها لا تعفيها من فهم الإنسان.

ولذلك يمكن اختصار تاريخ التسويق في سؤال ظل حاضرًا رغم تغير الأدوات:

وهذا السؤال، أكثر من أي منصة أو خوارزمية، هو الرابط الحقيقي بين ماضي التسويق ومستقبله.

متى بدأ التسويق؟

المبادلة والممارسة التسويقية قديمتان، لكن التسويق بوصفه تخصصًا أكاديميًا وإداريًا حديثًا بدأ يتشكل بوضوح خلال العقود الأولى من القرن العشرين، مع تطور دراسة التوزيع والأسواق ووظائف التسويق. وتوضح الدراسات التاريخية أن المجال تطور عبر عدة مدارس وحقب فكرية.

ما أهم مراحل تطور التسويق؟

يمكن تبسيط تطوره إلى التوجه نحو الإنتاج والمنتج والبيع، ثم التوجه نحو السوق والعميل، ثم التسويق بالعلاقات والتسويق الرقمي، وأخيرًا البيانات والذكاء الاصطناعي. إلا أن هذه التوجهات متداخلة وليست فترات زمنية منفصلة تمامًا.

ما الفرق بين التسويق والإعلان؟

التسويق يشمل دراسة السوق والمنتج والسعر والتوزيع والتواصل وخلق القيمة، بينما الإعلان أداة من أدوات الترويج.

متى بدأ الإعلان التجاري في التلفزيون السعودي؟

تشير الدراسة التاريخية المتخصصة إلى إدخال الإعلان التجاري إلى التلفزيون السعودي عام 1986.

كيف غيّر الذكاء الاصطناعي التسويق؟

أتاح الذكاء الاصطناعي الأتمتة وتحليل كميات كبيرة من البيانات ودعم التجزئة والاستهداف والتخصيص والتنبؤ، كما يتيح الذكاء الاصطناعي الحواري الحصول على سياق أكثر تفصيلًا حول احتياجات المستهلك والمفاضلات التي يواجهها.

ما مستقبل التسويق؟

من المرجح أن يصبح التسويق أكثر اعتمادًا على البيانات والذكاء الاصطناعي والتخصيص والتفاعل الحواري، لكن الثقة والخصوصية والفهم الثقافي ستظل عوامل حاسمة في قدرة الشركات على تحويل التقنية إلى قيمة مستدامة.