قبل عقود، كانت المسافة بين مدينتين تعني أيامًا من السفر، وكانت البرقية من أسرع وسائل نقل المعلومات. اليوم يستطيع الفرد إنجاز معاملة حكومية أو تحويل مبلغ أو إدارة متجر كامل من هاتفه خلال دقائق.

هذا التغير لا يمثل تطورًا تقنيًا فقط، بل يوضح كيف أصبحت الرقمنة جزءًا من الاقتصاد نفسه.

وبحسب وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، بلغت مساهمة الاقتصاد الرقمي في السعودية نحو 16% من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2025؛ أي ما يقارب سُدس الاقتصاد. كما بلغ حجم سوق الاتصالات وتقنية المعلومات نحو 199 مليار ريال في العام نفسه.

لكن كيف تتحول خدمة رقمية على شاشة الهاتف إلى قيمة اقتصادية تحسب ضمن الناتج المحلي؟

الاقتصاد الرقمي أكبر من شركات التقنية

عندما نسمع «اقتصادًا رقميًا»، قد نتخيل شركات البرمجيات أو مراكز البيانات فقط.

لكن أثر الرقمنة يمتد إلى قطاعات أوسع.

متجر يستخدم الدفع الإلكتروني والتوصيل يستطيع الوصول إلى عملاء خارج منطقته. وشركة تستخدم الخدمات السحابية تستطيع تشغيل أنظمة متقدمة دون بناء مركز بيانات خاص بها. والجهة الحكومية التي تنقل معاملاتها إلى منصة إلكترونية تقلل الوقت والجهد اللازمين لإنجاز الخدمة.

ولهذا لا يقتصر الاقتصاد الرقمي على بيع البرامج، بل يشمل القيمة التي تخلقها التقنية عندما تدخل التجارة والصحة والمال والنقل والخدمات الحكومية.

لماذا تختصر الخدمة الرقمية تكلفة اقتصادية؟

لنفترض أن معاملة حكومية كانت تحتاج سابقًا إلى زيارة مكتب، وطباعة مستندات، وانتظار موظف، وربما الغياب عن العمل.

عندما تنتقل المعاملة إلى منصة رقمية، لا تختفي الخدمة نفسها، لكن تكلفة الوصول إليها تنخفض.

الفرد يوفر الوقت والتنقل، والمنشأة تقلل الإجراءات، والجهة الحكومية تستطيع خدمة عدد أكبر من المستفيدين بطرق أكثر كفاءة.

لهذا أصبحت منصات مثل «أبشر» و«ناجز» و«نفاذ» و«صحتي» جزءًا من التحول الاقتصادي، وليس مجرد تحديث تقني للخدمات.

ماذا يوجد خلف التطبيق؟

كل خدمة رقمية بسيطة أمام المستخدم تعتمد على بنية أكثر تعقيدًا خلف الشاشة.

فالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية يحتاجان إلى خوادم ومعالجات وشبكات وطاقة وتبريد وأمن سيبراني ومهندسين قادرين على تشغيل هذه الأنظمة.

ولهذا تتوسع الاستثمارات السعودية في مراكز البيانات والحوسبة.

ومن الأمثلة مشروع مركز بيانات «هيكساجون» في الرياض بطاقة مخططة تبلغ 480 ميغاواط، إلى جانب استعداد Microsoft وAWS لتوسيع مناطق الحوسبة السحابية المحلية خلال 2026.

هنا نرى أن «الاقتصاد الرقمي» ليس اقتصادًا غير ملموس بالكامل؛ خلف كل نموذج ذكاء اصطناعي توجد مبانٍ وكهرباء ومعدات ووظائف واستثمارات رأسمالية.

أين يدخل الذكاء الاصطناعي؟

إذا كانت المرحلة الأولى من التحول الرقمي ركزت على تحويل الخدمة من الورق إلى الشاشة، فإن المرحلة التالية تركز على جعل التقنية نفسها أكثر قدرة على الإنتاج والتحليل واتخاذ المهام.

ولهذا تكتسب تسمية 2026 «عام الذكاء الاصطناعي» معنى اقتصاديًا يتجاوز الشعار؛ فهي تأتي مع توسع في مراكز البيانات، ونماذج اللغة العربية، والخدمات السحابية، والاستثمار في البحث والتطوير والمهارات.

والقيمة هنا لا تأتي من امتلاك نموذج ذكاء اصطناعي فقط، بل من استخدامه في شركة أو مستشفى أو جهة حكومية بطريقة تقلل التكلفة أو ترفع الإنتاجية أو تخلق منتجًا جديدًا.

من الاستهلاك إلى صناعة التقنية

هناك فرق مهم بين اقتصاد يستخدم التقنية واقتصاد يشارك في إنتاجها.

الاستخدام يعني شراء البرامج والخدمات والاستفادة منها. أما إنتاج التقنية فيضيف مراكز البيانات، والبرمجيات المحلية، والأمن السيبراني، والنماذج، والبحث والتطوير، والشركات التي يمكنها بيع حلولها داخل المملكة وخارجها.

ولهذا يظل الإنسان جزءًا أساسيًا من المعادلة؛ فالبنية الرقمية تحتاج إلى الباحث والمهندس والمبرمج والمتخصص في الأمن ورائد الأعمال الذي يحول التقنية إلى منتج قابل للبيع.

ومع وصول الاقتصاد الرقمي إلى نحو 16% من الناتج المحلي، يصبح السؤال القادم أقل ارتباطًا بحجم التقنية وأكثر ارتباطًا بقيمتها:

كم وظيفة ستخلق؟ كم سترفع الإنتاجية؟ وكم منتجًا وخدمة يمكن أن تنتجها المملكة بدل الاكتفاء باستخدامها؟

فهنا ينتقل الاقتصاد الرقمي من شاشة الهاتف إلى قلب الاقتصاد الحقيقي.