عندما تنقطع الكهرباء عن دولة تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي، فإن العطل لا يكون في المولدات، بل في النموذج الاقتصادي نفسه.

أوزبكستان، الدولة "الحبيسة" في قلب آسيا الوسطى، تواجه مفارقة اقتصادية قاسية: تضاعف ديموغرافي منذ عام 1991 يصطدم ببنية تحتية سوفيتية متهالكة تجاوزت 60% منها عمرها الافتراضي (30 عاماً).

هذا التناقض لم يعد مجرد أزمة خدمات، بل أصبح تهديداً مباشراً للأمن القومي وفرص النمو.

في منصة (يمامة إنسايتس)، نؤمن بأن فهم الحياة يبدأ من تفسير الأرقام.

وبناءً على تحليلنا للفيلم الوثائقي الذي نشرته "فايننشال تايمز" (FT)، لا تبدو أوزبكستان مجرد دولة تبحث عن الكهرباء، بل هي مختبر اقتصادي حي لعملية تفكيك احتكارات الدولة، والانتقال من الاعتماد شبه الكلي على الوقود الأحفوري إلى بناء سوق طاقة متحرر. والمفارقة الأكبر؟ رأس المال الذي يقود هذا التحول الأخضر لا يأتي من الغرب، بل من صناديق سيادية وشركات في قلب الخليج العربي الغني بالنفط.

صدمة الطلب وحتمية التحرير الاقتصادي

لفهم الدوافع خلف الإصلاحات الجذرية التي انطلقت عام 2018، يجب النظر إلى المعادلة الصفرية التي واجهتها طشقند:

  • الاعتماد المفرط: يشكل الغاز الطبيعي أكثر من 75% من مزيج توليد الكهرباء الحالي، وهي موارد آخذة في النضوب السريع.
  • الطلب المتفجر: تشير التوقعات إلى نمو الطلب المحلي على الكهرباء بنسبة 40% بحلول عام 2030.
  • إعادة الهيكلة: لم تكتفِ الحكومة بخصخصة شكلية، بل لجأت إلى نهج "فك الارتباط" (Unbundling) السوفيتي، مقسمة قطاع الطاقة إلى هيئات مستقلة للتوليد، والنقل، والتوزيع، مع إعادة هيكلة تسعيرة الاستهلاك لجذب رأس المال الأجنبي المباشر (FDI).

رأس المال الخليجي "الصبور" كبديل للعزوف الغربي

تكشف بيانات السوق الأوزبكي عن هيمنة استثمارية لشركتين خليجيتين: "أكوا باور" السعودية بالتزامات تبلغ 15 مليار دولار، و"مصدر" الإماراتية باستثمارات تتجاوز 2 مليار دولار.

هذا الاستحواذ ليس صدفة، بل يعكس تبايناً هيكلياً في فلسفة إدارة المخاطر:

  • العلاوة الجيوسياسية: تعزف الشركات الغربية عن ضخ استثمارات ضخمة في آسيا الوسطى دون ضمانات سيادية صارمة وأقساط تأمين مرتفعة ضد المخاطر السياسية والتشريعية.
  • الأفق الزمني: تعمل الشركات الخليجية المدعومة حكومياً بمنطق "رأس المال الصبور" (Patient Capital)، حيث تمتلك القدرة المؤسسية على تحمل فترات استرداد طويلة الأمد تصل إلى 25 عاماً.
  • الاستثمار الشامل: لم تكتفِ "أكوا باور" ومصدر ببناء محطات التوليد، بل تحملت عبء تطوير شبكات النقل الهوائية والمحطات الفرعية، وهو تنازل نادر في عقود شراء الطاقة المستقلة (IPP)، ويحل للحكومة معضلة تحديث الشبكة.

التحوط النووي وتأمين الحمل الأساسي

بينما تتصدر الطاقة المتجددة العناوين، تدرك أوزبكستان اقتصاديات "الحمل الأساسي" (Baseload). في يونيو 2026، بدأت الأعمال الفعلية لإنشاء أول محطة نووية بالتعاون مع "روساتوم" بتكلفة 9.5 مليار دولار، باستخدام المفاعلات المعيارية الصغيرة (SMRs).

  • الأثر المالي: سيوفر هذا المشروع نحو 3.6 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً.
  • تكلفة الفرصة البديلة: الغاز الموفر سيتم توجيهه للصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة العالية، أو للتصدير المباشر، مما يخلق إيرادات دولارية تعوض التكلفة الرأسمالية للمشروع.

اقتصاديات المناخ كحاجز تجاري غير جمركي

على المستوى الجزئي (Microeconomics)، يمتد التحول إلى سلوك الشركات والأفراد.

يشهد السوق الأوزبكي طفرة في انتشار السيارات الكهربائية والاعتماد على الألواح الشمسية الصينية.

بالنسبة للقطاع الصناعي والزراعي (مثل شركات "سمرقند للملابس" و"BMB القابضة")، فإن التحول للطاقة النظيفة ليس مجرد خفض لتكلفة التشغيل، بل هو استجابة استباقية لمعايير الحوكمة البيئية (ESG) الأوروبية والدولية.

بدون طاقة نظيفة، ستصبح صادرات أوزبكستان غير تنافسية أو ممنوعة من دخول الأسواق العالمية بسبب ضرائب الكربون الحدودية.

اختناق البيروقراطية: عندما تسبق الرؤية قدرة الدولة

رغم الأرقام المبشرة للوصول إلى هدف توليد 54% من الكهرباء عبر المصادر المتجددة بحلول 2030، يبرز تحدٍ هيكلي أشار إليه المحللون في تقرير (FT): "فجوة التنفيذ":

فالقدرة الاستيعابية للمؤسسات الأوزبكية (Capacity constraint) تئن تحت وطأة هذه الطموحات. البيروقراطية الإدارية ونقص الكوادر الفنية المؤهلة لإدارة عقود معقدة بهذا الحجم تخلق اختناقات حقيقية أمام المستثمرين، مما يفرض مخاطر تشغيلية قد تؤخر الجداول الزمنية للمشاريع.

دراسة حالة أوزبكستان تقدم درساً جوهرياً لدارسي الاقتصاد العالمي:

فالتحول الطاقي ليس مجرد استبدال توربينات الغاز بألواح شمسية، بل هو إعادة هندسة شاملة للسوق. طموح طشقند للتحول من مستورد يعاني من الانقطاعات، إلى مصدر صافٍ للطاقة النظيفة نحو جيرانها في الجنوب (باكستان وأفغانستان) وأوروبا (عبر أذربيجان)، يعتمد بالأساس على استدامة تدفق رأس المال الخليجي. نجاح هذه التجربة أو فشلها لن يحدد فقط مستقبل أوزبكستان، بل سيشكل نموذجاً إرشادياً للاقتصادات الانتقالية (Transitional Economies) التي تحاول التخلص من إرثها المركزي لصالح أسواق حرة ومستدامة.