عندما تخرج سيارة من مصنع محلي، فإن قيمتها الاقتصادية لا تقتصر على سعرها في صالة العرض.
خلف السيارة شبكة طويلة من الأنشطة: هندسة وتصميم، معادن وبلاستيك وزجاج، أنظمة إلكترونية، خدمات لوجستية، برمجيات، صيانة، وتمويل. وكلما نُفذ جزء أكبر من هذه الأنشطة داخل الدولة، ارتفعت القيمة المضافة المحلية للصناعة.
وهذه هي الزاوية الاقتصادية الأهم في إطلاق أولى سيارات شركة «سير» تحت اسم إكزوبوت، بفئتي السيدان والدفع الرباعي، ضمن سبعة إصدارات تعتزم الشركة طرحها خلال السنوات الخمس المقبلة. ووفق صندوق الاستثمارات العامة، صُممت وطُورت المركبات محليًا وسيتم إنتاجها في مجمع «سير» بمدينة الملك عبدالله الاقتصادية.
السيارة ليست منتجًا واحدًا
صناعة السيارات مثال واضح على ما يسمى سلسلة القيمة.
الشركة التي تبيع السيارة النهائية لا تصنع بالضرورة كل قطعة بنفسها. فهي تعتمد على عشرات أو مئات الموردين الذين ينتجون مكونات مختلفة، من الزجاج والمواد الكيميائية إلى أنظمة التكييف والمفصلات والأجزاء المعدنية.
ولهذا يمكن لمصنع سيارات واحد أن يخلق طلبًا على شركات أخرى حوله.
وقد وقعت «سير» بالفعل اتفاقيات لتوطين عدد من المكونات والخدمات الهندسية داخل المملكة، تشمل مواد بلاستيكية وكيميائية، والزجاج، وبعض أجزاء الهيكل وأنظمة التكييف وغيرها.
وهنا يصبح الأثر الاقتصادي أكبر من المصنع نفسه؛ لأن كل مورد محلي جديد يعني أن جزءًا أكبر من قيمة السيارة يبقى داخل الاقتصاد.
ما معنى مساهمة 30 مليار ريال في الناتج؟
يتوقع صندوق الاستثمارات العامة أن تسهم «سير» بأكثر من 30 مليار ريال في الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2034.
لكن هذا الرقم لا يعني قيمة مبيعات السيارات فقط.
الناتج المحلي يقيس القيمة المضافة التي يتم إنتاجها داخل الاقتصاد.
فإذا استورد مصنع مكونات بقيمة 80 ألف ريال، ثم استخدم العمالة والهندسة والتصنيع المحلي لإنتاج سيارة بقيمة 120 ألف ريال، فإن القيمة الاقتصادية المحلية ليست كامل سعر السيارة، بل الجزء الذي أُضيف داخل المملكة.
ولهذا فإن زيادة المحتوى المحلي مهمة.
كلما انتقل تصنيع المكونات والهندسة والخدمات من الخارج إلى الداخل، ارتفعت القيمة التي يحتفظ بها الاقتصاد من كل سيارة يتم إنتاجها.
وما علاقة السيارات بالميزان التجاري؟
تتوقع الشركة أيضًا أن تسهم بنحو 80 مليار ريال في تحسين الميزان التجاري بحلول 2034.
والميزان التجاري ببساطة هو الفرق بين قيمة ما تصدره الدولة وما تستورده من السلع.
إذا كان الطلب المحلي على السيارات يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، فإن جزءًا من الإنفاق على المركبات يخرج إلى الخارج.
أما عندما يتم إنتاج السيارة محليًا، فيمكن استبدال جزء من تلك الواردات بإنتاج داخلي. وإذا بدأت السيارات المصنعة في المملكة بالوصول إلى أسواق خارجية، يظهر أثر إضافي من خلال الصادرات.
لكن حجم هذا الأثر يعتمد في النهاية على نسبة المكونات المحلية وقدرة المنتج على المنافسة في السوقين المحلي والخارجي.
لماذا الموردون أهم من المصنع؟
قد يكون المصنع هو الجزء الأكثر وضوحًا، لكن بناء صناعة مستدامة يحتاج إلى منظومة من الموردين حوله.
فإذا كانت معظم القطع مستوردة ويقتصر النشاط المحلي على التجميع، تكون القيمة المضافة أقل.
أما إذا بدأت شركات محلية بإنتاج المكونات، وتقديم الهندسة والصيانة والخدمات اللوجستية والتقنية، فإن الصناعة تبدأ بتكوين ما يعرف بـالتجمع الصناعي.
وهذا يمكن أن يخلق معرفة وخبرات قابلة للاستخدام لاحقًا في صناعات أخرى أيضًا.
من استيراد المنتج إلى إنتاج القيمة
لهذا فإن نجاح صناعة السيارات لا يُقاس فقط بعدد المركبات التي تخرج من خط الإنتاج.
الأسئلة الأهم اقتصاديًا هي:
كم تبلغ نسبة المحتوى المحلي؟
كم موردًا محليًا دخل سلسلة الإنتاج؟
كم وظيفة هندسية وصناعية تم إنشاؤها؟
وكم سيارة يمكن تصديرها مستقبلًا؟
فإطلاق «إكزوبوت» يمثل بداية المنتج، لكن القيمة الاقتصادية الأكبر ستأتي من المنظومة التي تنمو حوله.
فالفرق بين امتلاك مصنع سيارات وبناء صناعة سيارات هو أن الأول ينتج مركبة، بينما الثاني يبني سلسلة من المهارات والموردين والاستثمارات التي تجعل كل سيارة تحمل معها قيمة اقتصادية تتجاوز بكثير سعرها النهائي.
التعليقات (7)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!