عندما يمنح البنك شخصًا تمويلًا لشراء منزل لمدة 20 أو 30 عامًا، فإنه لا ينتظر فقط سداد القسط القادم، بل يربط جزءًا من أمواله بأصل طويل الأجل لسنوات.

لكن ماذا لو استطاع البنك تحويل هذه التمويلات إلى سيولة قبل انتهاء مدتها؟

هنا يظهر مفهوم التوريق.

وتخطط الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري «SRC» لإصدار أوراق مالية متوافقة مع الشريعة ومدعومة بمحفظة رهون عقارية سكنية تبلغ قيمتها نحو 431.3 مليون ريال. ومن المتوقع أن تكون الصفقة، المسماة RMBS-2، أول صفقة سعودية من هذا النوع مدعومة برهون سكنية تحصل على تصنيف ائتماني معلن، بعد أن أطلقت SRC أول عملية RMBS محلية في 2025 دون تصنيف علني مماثل.

ماذا يعني التوريق ببساطة؟

لنفترض أن بنكًا لديه ألف تمويل عقاري، وكل عميل يسدد قسطًا شهريًا.

بدل أن يحتفظ البنك بهذه التمويلات حتى نهاية عمرها، يمكن بيع جزء منها إلى جهة مثل SRC.

تقوم SRC بتجميع عدد كبير من التمويلات في محفظة واحدة، ثم تصدر مقابل التدفقات النقدية الناتجة عنها أوراقًا مالية يمكن للمستثمرين شراؤها.

بمعنى أبسط:

العميل يسدد القسط → القسط يدخل إلى المحفظة → التدفقات تستخدم لخدمة الأداة الاستثمارية.

وهكذا يتحول أصل غير سائل نسبيًا، وهو التمويل العقاري الممتد لسنوات، إلى أداة يمكن ربطها بسوق رأس المال.

لماذا يبيع البنك تمويلًا جيدًا أصلًا؟

لأن المشكلة ليست دائمًا جودة التمويل، بل السيولة ورأس المال.

إذا احتفظ البنك بكل تمويل عقاري يمنحه حتى تاريخ الاستحقاق، تتراكم على ميزانيته أصول طويلة الأجل. ومع توسع الإقراض، يحتاج إلى موارد ورأس مال إضافيين ليستمر في منح تمويلات جديدة.

أما عندما يبيع جزءًا من محفظته، فإنه يستعيد سيولة يمكن استخدامها مرة أخرى.

فتصبح الدورة تقريبًا:

البنك يمنح تمويلًا → يبيع المحفظة → يستعيد السيولة → يستطيع تمويل عملاء جدد.

ولهذا تصف SRC دورها بأنها حلقة وصل بين جهات التمويل وسوق رأس المال، بهدف توفير السيولة وتخفيف بعض ضغوط رأس المال على الممولين.

وما الذي يحصل عليه المستثمر؟

بدل أن يمول المستثمر منزلًا واحدًا مباشرة، يستطيع الاستثمار في أداة مدعومة بمحفظة تضم عددًا كبيرًا من التمويلات.

وتُقسم مثل هذه الإصدارات عادة إلى شرائح تختلف في مستوى المخاطر والأولوية في الحصول على التدفقات النقدية.

وفي الصفقة المرتقبة، تشير البيانات المنقولة عن فيتش إلى توقع حصول الشريحة العليا على تصنيف AAA. كما يبلغ متوسط نسبة التمويل إلى قيمة العقار في المحفظة نحو 58%، وهي من المؤشرات المستخدمة عند تقييم مقدار الحماية التي توفرها قيمة العقار مقابل التمويل القائم.

لكن التصنيف المرتفع لا يعني انعدام المخاطر؛ إذ تظل جودة المقترضين والتعثر والسداد المبكر وأسعار العقارات وهيكل الصفقة عوامل مؤثرة في أداء هذه الأدوات.

ما الفرق بين السوق الأولية والثانوية؟

عندما يحصل شخص على تمويل لشراء منزل، تحدث العملية في السوق الأولية للتمويل العقاري.

أما عندما يُباع ذلك التمويل لاحقًا ويُجمع مع تمويلات أخرى ثم يُحوّل إلى أداة للمستثمرين، فنحن ننتقل إلى السوق الثانوية.

وجود سوق ثانوية نشطة مهم لأن التمويل لا يبقى محصورًا بين العميل والبنك فقط، بل يمكن ربطه بالمستثمرين وأسواق رأس المال.

وهذا يعني أن الأموال التي تمول شراء المنازل يمكن أن تأتي بصورة غير مباشرة من قاعدة أوسع من المستثمرين، وليس فقط من ودائع البنوك أو مصادر تمويلها التقليدية.

لماذا تعد هذه الخطوة مهمة؟

نفذت SRC أول إصدار محلي للأوراق المالية المدعومة بالرهون العقارية في 2025 بهدف إنشاء فئة أصول جديدة وتعزيز السيولة في سوق التمويل العقاري. والانتقال إلى إصدار يحمل تصنيفًا ائتمانيًا معلنًا قد يساعد المستثمرين على تقييم المخاطر بصورة أوضح، ويضيف خطوة أخرى في تطوير هذه السوق.

وفي النهاية، التوريق لا يصنع منازل جديدة مباشرة، لكنه يغير طريقة تدفق المال الذي يمولها.

فالقسط الذي يدفعه صاحب المنزل يمكن أن يصبح جزءًا من تدفقات أداة استثمارية، والأموال التي يدفعها المستثمر لشراء تلك الأداة يمكن أن تعود في النهاية إلى المنظومة التمويلية لتدعم تمويلات أخرى.

وهكذا يتحول الرهن العقاري من عقد بين عميل وبنك إلى جزء من دورة مالية تربط الإسكان بالبنوك وسوق رأس المال في آن واحد.