يخطر في بالي سؤال كلما رأيت أداة ذكاء اصطناعي تنجز في دقائق ما كان يستغرق من المحاسب أيامًا: إذا كانت الآلة تطابق الحسابات، وتحلل العقود، وتكتشف العمليات غير المعتادة، فماذا يبقى للمحاسب؟
وهو سؤال لا يخص المحاسبين وحدهم، بل كل من يُعدّهم للمهنة: الجامعات، وهيئات المهنة، وشركات المراجعة. وقد وجدت له إجابة لافتة في مقال نشرته مجلة «CPA Journal» الأمريكية، كتبه الدكتور سونيل كومار، أستاذ المحاسبة المساعد في جامعة روجر ويليامز، عن تعليم الجيل القادم من المحاسبين القانونيين في عصر الذكاء الاصطناعي.
من هو المحاسب القانوني؟
المحاسب القانوني المعتمد (CPA) في الولايات المتحدة هو محاسب حصل على ترخيص مهني بعد اجتياز اختبارات ومتطلبات خبرة محددة، ما يؤهله لمهام مثل مراجعة القوائم المالية. وما يُطرح عنه هناك ينطبق في جوهره على المحاسبين في المملكة أيضًا، سواء كانوا يستعدون لزمالة الهيئة السعودية للمراجعين والمحاسبين، أو يدخلون سوق العمل مباشرة.
ماذا تغيّر في عمل المحاسب؟
يشير المقال إلى أن الذكاء الاصطناعي بات يتولى إدخال البيانات، ومطابقة الحسابات، وتحليل العقود، واكتشاف الحالات الشاذة في أعمال المراجعة. ولم يعد دور المحاسب أن ينفذ هذه المهام بيده، بل أن يشرف على مخرجات الآلة ويحكم عليها.
ويستشهد الكاتب بإعلان شركة «KPMG» في 2023 عن استثمار ملياري دولار في الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية، دليلًا على حجم التحول داخل شركات المهنة.
لكن الفجوة، كما يصفها، واضحة: أصحاب العمل يبحثون عن مهارات الذكاء الاصطناعي والأتمتة وتحليل البيانات، بينما ما زال تركيز الطلاب منصبًا على التقارير المالية والمراجعة بصورتها التقليدية. وبحسب دراسات يستند إليها المقال، فإن أقل من نصف البرامج الأكاديمية تدرّس التحليلات التنبؤية أو الأمن السيبراني أو المهارات الرقمية، كما يشكو الطلاب من قلة الخبرة العملية في أدوات الذكاء الاصطناعي، ويفتقر كثير من الأساتذة أنفسهم إلى هذه الخبرة.
ما المهارات التي يحتاجها محاسب المستقبل؟
يقسّم المقال هذه المهارات إلى ثلاثة مجالات، وأراها تقسيمًا موفقًا:
المهارات التقنية: إدارة البيانات وتنقيتها، وأساسيات البرمجة بلغات مثل Python وR وSQL، ومبادئ تعلم الآلة، والتعامل مع منصات المحاسبة والمراجعة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
المهارات التحليلية: النمذجة الإحصائية، وعرض البيانات بصريًا، والتحليلات التنبؤية، والأهم من ذلك القدرة على تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي بعين ناقدة، من حيث موثوقيتها وتحيزها وأهميتها النسبية.
المهارات المهنية والإنسانية: التواصل، ورواية القصة التي تحكيها البيانات، وفهم طبيعة الأعمال، والقدرة على التكيف، والشك المهني، والتفكير الأخلاقي.
والشك المهني مصطلح أساسي في المراجعة، ويعني أن يتعامل المراجع مع الأدلة بعقل متسائل، فلا يقبل المعلومة لمجرد أنها مقدمة إليه. ويبدو لي أن هذه المهارة تحديدًا ستزداد قيمتها، لأن المعلومة اليوم قد تأتي من آلة تتحدث بثقة كاملة، حتى حين تخطئ.
كيف نعلّمها؟
لا يدعو المقال إلى الاكتفاء بمقررات اختيارية منفصلة، بل إلى دمج الذكاء الاصطناعي في المقررات الأساسية نفسها. فطلاب المراجعة يمكنهم استخدام أدوات اكتشاف الحالات الشاذة، وطلاب المحاسبة المالية يمكنهم أتمتة تحليل النسب المالية أو صياغة مسودات الإفصاحات. ويقترح أيضًا مقارنة نتائج الذكاء الاصطناعي بالتقييم اليدوي، ليرى الطالب بنفسه كيف تتغير النتائج بتغير جودة البيانات والافتراضات.
ويقترح الكاتب بناء التعليم على ثلاث طبقات: طبقة أساسية تشمل الثقافة البيانية والإحصاء ومبادئ الذكاء الاصطناعي، وطبقة تطبيقية تستخدم الأدوات في مجالات المحاسبة المختلفة، وطبقة للحوكمة الأخلاقية تتناول المساءلة والتحيز والمسؤولية المهنية. ويضيف إلى ذلك مشاريع قائمة على الحالات، مثل تقييم تقارير مراجعة يولدها الذكاء الاصطناعي في ضوء قواعد أخلاقيات المهنة، وشراكات مع شركات المراجعة، وشهادات مصغرة ومعسكرات تدريبية، وتأهيل الأساتذة أنفسهم.
المسؤولية لا تُفوَّض للآلة
يتوقف المقال طويلًا عند الأخلاقيات، وهو في رأيي أهم ما فيه. فالذكاء الاصطناعي قد يحمل تحيزات خفية، وقد يعمل بنماذج أشبه بـ«الصندوق الأسود» لا يُعرف كيف تصل إلى نتائجها. والنموذج الذي تدرب على بيانات احتيال قديمة قد يكرر أخطاءها في التصنيف.
ولهذا يدعو الكاتب المحاسبين إلى السؤال عن مصدر البيانات، وطريقة التحقق منها، وإمكانية مراجعتها، مع الانتباه إلى مخاطر السرية وخصوصية البيانات في الأدوات السحابية. ويحسم المقال مسألة المسؤولية بوضوح: المسؤولية عن مخرجات الذكاء الاصطناعي تقع على المهني نفسه. وينقل عن مجلس الرقابة على محاسبة الشركات العامة في الولايات المتحدة (PCAOB) قوله إن «التقنية لا تخفف عبء الإثبات».
وفي عالم الحاسوب عبارة قديمة تقول: «مدخلات رديئة، مخرجات رديئة». والذكاء الاصطناعي لا يلغي هذه القاعدة، بل يضاعف أثرها، لأنه يُخرج النتيجة الخاطئة بسرعة أكبر، وبثقة أعلى.
ولهذا ربما لا يكون أفضل وصف لمستقبل المحاسب أنه مهنة ستختفي أمام الآلة.
الأقرب إلى الواقع، كما أراه، أن المحاسب ينتقل من صانع للأرقام إلى ضامن لها؛ يسأل عن مصدر البيانات، ويختبر منطق النموذج، ويتحمل مسؤولية النتيجة أمام الجميع. والمهارة التي كانت تُقاس بسرعة إنجاز القيود، ستُقاس بدقة الحكم على ما تنجزه الآلة.
ومن هنا أرى هذا الطرح جديرًا بالتأمل، لا بوصفه شأنًا أمريكيًا يخص المحاسبين القانونيين هناك فحسب، ولا باعتباره وصفة جاهزة تصلح لكل جامعة، وإنما باعتباره نافذة يمكن من خلالها رؤية التحول الأكبر في المهنة:
من محاسب يُعدّ الأرقام، إلى محاسب يضمن صحتها.
تنويه: هذا المقال معرفي، هدفه تبسيط الموضوع وشرحه بأسلوب سهل وقريب للقارئ. المعلومات الواردة فيه مأخوذة من مصادر منشورة، وتمت صياغتها وتبسيطها بتصرّف، ولا تمثل موقفًا أو تصريحًا رسميًا لأي جهة. وقد تطرأ تحديثات على هذه المعلومات بعد النشر، لذا يُنصح بالرجوع إلى المصادر الرسمية للاطلاع على التفاصيل الكاملة.
التعليقات (1)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!