في العرف الاقتصادي السائد، رأس المال "جبان"، يفر هارباً للبحث عن ملاذات آمنة عند أول طلقة رصاص. وعندما ترتفع سحب الدخان الجيوسياسية، تهرع الحكومات إلى تجميد مشاريعها، تخزين "الكاش"، وانتظار ما ستسفر عنه العاصفة. لكن، وفي ذروة التوترات التي تخنق مضيق هرمز وتصبغ شاشات التداول العالمية باللون الأحمر، اختارت الرياض أن تمزق هذا الكتاب القديم، وتكتب قواعدها الخاصة.
إعلان صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) عن إستراتيجيته الجديدة (2026-2030) في هذا التوقيت الحرج بالذات، ليس مجرد تحديث لجدول أعمال مالي؛ بل هو إعلان جيوسياسي صريح مفاده: الاقتصاد السعودي لم يعد في مرحلة "تلقي الصدمات"، بل انتقل إلى هندسة "المرونة الإستراتيجية" واستغلال الأزمات.
شاشات حمراء ومضيق مغلق: ماذا يحدث في الأسواق؟
لنفهم حجم الخطوة السعودية، يجب أن ننظر إلى شاشات الرادار الإقليمية منذ أواخر فبراير 2026:
- عصب الطاقة مخنوق: إغلاق مضيق هرمز يعطل مرور 20% من إمدادات النفط العالمية.
- نزيف الطيران والسياحة: خسائر فورية تقدر بـ 40 مليار دولار لدول المنطقة بسبب تعطل المجالات الجوية.
- طفرة نفطية مؤقتة: قفزات في أسعار النفط بنسبة 13% لتتجاوز 80 دولاراً للبرميل.
- تباطؤ عام: توقعات البنك الدولي بانكماش حاد لنمو دول الخليج ليهبط إلى 1.3% فقط.
في هذا المشهد المربك، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي خسارة تراكمية للناتج المحلي الإقليمي، تطبق السعودية ما يُعرف في وول ستريت بـ "الاستثمار المضاد للدورات الاقتصادية" (Counter-cyclical investing). بعبارة أبسط: نحن نشتري ونبني ونتوسع، في اللحظة التي يبيع فيها الجميع وينسحبون.
الأذرع الثلاث: كيف يهندس الصندوق هذا التوسع؟
لم يلقِ الصندوق بأمواله في المجهول، بل قسّم إستراتيجيته إلى ثلاث محافظ دقيقة، تعمل معاً كتروس في آلة ضخمة:
- محفظة الرؤية (توطين الحماية):
انتهى عصر المشاريع المتناثرة. الصندوق يركز الآن على بناء 6 منظومات اقتصادية محلية مغلقة (مثل نيوم، السياحة، الترفيه، الطاقة النظيفة). الهدف هنا مزدوج: الاستفادة من فوائض أسعار النفط الحالية لتسريع البناء، وخلق سلاسل إمداد محلية تجعل الاقتصاد السعودي يعمل بكفاءة حتى لو أُغلقت كل الممرات البحرية في العالم.
- محفظة الاستثمارات الإستراتيجية (صيد الفرص):
في أوقات الحروب، تتهاوى أسعار الأصول الممتازة. هذه المحفظة تلعب دور "القناص المالي"؛ فهي تنتقل من مرحلة الاستحواذ العشوائي إلى إدارة الأصول وتعظيم عوائدها، مع إبقاء العين مفتوحة لالتقاط حصص في شركات خليجية وعالمية هبطت أسهمها بسبب الأزمة بأسعار لا تُعوض.
- محفظة الاستثمارات المالية (صمام الأمان العالمي):
تأمين خطوط إمداد مالية خارج دائرة النار. تركز هذه المحفظة على تنويع الاستثمارات في أسواق آسيا، أوروبا، وأمريكا. هذا التنوع يضمن تدفق عوائد مستدامة غير مرتبطة باضطرابات الشرق الأوسط، مما يمنح الصندوق سيولة نقدية عالية القدرة على الحركة متى دعت الحاجة.
جدار الصد المالي: من أين تأتي الجرأة؟
هذه المناورة العميقة لم تُبْنَ على تمنيات، بل على ظهر أرقام صلبة حُققت بين (2015-2025):
- قفزة فلكية في الأصول المُدارة من 500 مليار ريال إلى 3.4 تريليون ريال (تضاعفت 6 مرات في أقل من عقد).
- الحفاظ على عوائد سنوية تتجاوز 7%، وضخ 750 مليار ريال محلياً.
- المساهمة التراكمية بـ 910 مليارات ريال في الناتج غير النفطي.
هذا "الجدار المالي" الصلب، مدعوماً بتصنيفات ائتمانية سيادية ممتازة (من موديز وفيتش)، يضمن للسعودية تكلفة اقتراض منخفضة جداً، حتى والمنطقة تمر بأسوأ أزماتها.
قراءة في المخاطر: ماذا لو طالت العاصفة؟
كأي لاعب محترف، يجب حساب السيناريو الأسوأ. الإستراتيجية السعودية تحمل رهاناً ضمنياً بأن الأزمة ستنتهي، وأن المنطقة ستستقر بحلول (2027-2028). لكن هناك "بجعات سوداء" قد تعكر هذا الصفو:
- فخ النفط والركود العالمي: إذا استمر الصراع طويلاً وتجاوز النفط حاجز 120 دولاراً، فقد ينزلق الاقتصاد العالمي إلى ركود حاد. المصانع ستغلق، والطلب على النفط سينهار، مما يضرب الإيرادات التي تمول هذه الإستراتيجية في مقتل.
- الهاجس الأمني وتكلفة الحماية: رأس المال الأجنبي يبحث عن الاستقرار الأمني قبل العوائد. أي استهداف للبنية التحتية الإقليمية سيضعف جاذبية الاستثمار، ناهيك عن احتمالية التهام الإنفاق العسكري الطارئ لجزء من السيولة المخصصة للتنمية.
خلاصة المشهد
السعودية تراهن اليوم على المستقبل ببرود أعصاب مالي يُحسد عليه. الإستراتيجية الجديدة تؤكد أن من يملك الجرأة والسيولة لبناء البنية التحتية والمشاريع العملاقة في أوقات الأزمات، سيكون وحده الجاهز لاستقطاب طوفان الاستثمارات ورؤوس الأموال الهاربة فور عودة الهدوء. إنها ليست مجرد خطة توسع؛ بل هي إعادة رسم لخريطة النفوذ الاقتصادي في الشرق الأوسط.
التعليقات (14)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!