نشر صندوق النقد الدولي في 29 يوليو 2026 بيانه الختامي لمشاورات المادة الرابعة مع المملكة (بيان رقم 26/267)، عقب اجتماع مجلسه التنفيذي في 22 يوليو. وبالتوازي، أصدرت الهيئة العامة للإحصاء تقديراتها الأولية لناتج الربع الثاني، ليكتمل بذلك المشهد الاقتصادي للنصف الأول من العام. وتكشف المقارنة بين الجانبين — التوقع السنوي للصندوق والأداء الفصلي الفعلي — عن القصة الحقيقية للعام: اقتصاد غير نفطي يحافظ على نموّه، يقابله هبوط حادّ في النشاط النفطي فرضته اضطرابات الشحن.

أولاً: ما الذي توقّعه صندوق النقد؟

رسم الصندوق صورةً لاقتصاد دخل عام 2026 بزخم قوي بعد توسّعٍ بلغ 4.6% في 2025، مدفوعاً بالإلغاء التدريجي لتخفيضات إنتاج أوبك+ وبقوة الطلب المحلي. غير أن الصندوق خفّض توقّعه للنموّ الكلي في 2026 إلى 1.7% فقط، مع تباطؤ النموّ غير النفطي إلى 2.6%، على أن يتسارع الاقتصاد مجدداً إلى 5.5% في 2027 مع عودة الملاحة إلى طبيعتها.

وأرجع الصندوق هذا التباطؤ إلى الحرب في الشرق الأوسط وشبه التوقف في حركة الشحن عبر مضيق هرمز، اللذين عطّلا النشاط وقلّصا التجارة — بما فيها صادرات النفط — ونالا من الثقة. ولفت إلى أن إعادة توجيه النفط عبر خط الأنابيب «شرق–غرب» نحو موانئ البحر الأحمر حدّت من هبوط الكميات المُسلَّمة، في حين عوّض ارتفاع الأسعار خسائر الأحجام وزاد عليها، مولّداً مكاسب استثنائية في الإيرادات النفطية خفّفت من عجزَي الحساب الجاري والمالية العامة.

ورأى المجلس التنفيذي أن خفضاً متواضعاً في العجز الأولي غير النفطي في 2026 يُعدّ مناسباً، على أن يكون أي دعم مالي مؤقتاً ومحدّد الأهداف وشفافاً، مؤكداً أن لدى المملكة الحيّز المالي الكافي لتخفيف موقف سياستها إذا اشتدّت الصدمة.

ثانياً: ماذا تقول الأرقام الرسمية للنصف الأول؟

هنا يكمن جوهر القراءة. فبينما يقدّم الصندوق توقّعاً سنوياً، تكشف بيانات الهيئة العامة للإحصاء الأداء الفصلي الفعلي الذي تحقّق على الأرض:

الربع الأول 2026: نما الناتج المحلي الحقيقي 3.0% على أساس سنوي (مُراجَعاً صعوداً من 2.8% في التقدير الأولي)، بدعمٍ متوازن من الأنشطة النفطية +2.9% وغير النفطية +2.9% والحكومية +1.5%. غير أن الاقتصاد انكمش على أساس فصلي مُعدَّل موسمياً بنسبة 1.2%، في أول مؤشر على بدء تأثّر النشاط النفطي.

الربع الثاني 2026: هنا ظهرت الصدمة بوضوح. إذ انكمش الناتج المحلي 4.8% على أساس سنوي — وهو أول انكماش منذ الربع الرابع 2023 — نتيجة هبوط الأنشطة النفطية بنسبة 24.7%. وفي المقابل، واصلت الأنشطة غير النفطية نموّها بنسبة 0.6%، ونمت الأنشطة الحكومية 0.9%. وعلى الأساس الفصلي المُعدَّل موسمياً تراجع الناتج 4.9%، مع هبوط النشاط النفطي 21.5%.

وبلغة المساهمة في النموّ، خصمت الأنشطة النفطية 5.4 نقطة مئوية من نموّ الناتج في الربع الثاني، بينما أضافت الأنشطة غير النفطية 0.4 نقطة، والحكومية وصافي الضرائب على المنتجات 0.1 نقطة لكلٍّ منهما — ما يوضّح أن الانكماش الكلي كان قصة نفطية خالصة، لا أزمة نشاط عامة.

الأداء الفصلي الفعلي للناتج المحلي — 2026

Saudi GDP Q 1 & 2 Fixed

ثالثاً: كيف نوفّق بين توقّع الصندوق والواقع؟

لا تناقض بين الصورتين، بل تكامل. فتوقّع الصندوق البالغ 1.7% للعام بأكمله هو متوسط سنوي يوازن بين نصفٍ أول متأثّر بصدمة هرمز ونصفٍ ثانٍ يُفترض أن يشهد تعافياً تدريجياً مع تطبيع الملاحة. وبيانات النصف الأول — نموّ 3.0% ثم انكماش 4.8% — تضع الاقتصاد على مسارٍ يجعل بلوغ المتوسط السنوي المتوقَّع رهيناً بقوة التعافي في الربعين الأخيرين وبمسار إنتاج «أوبك+».

والأهمّ أن الأرقام الفعلية تُثبت صحة التشخيص الجوهري للصندوق: أن مكمن الصمود هو الاقتصاد غير النفطي، الذي بقي في المنطقة الموجبة طوال النصف الأول رغم عاصفة النفط. وهذا هو المعيار الحقيقي لنجاح التنويع في إطار رؤية 2030؛ فالصدمة أصابت المُكوِّن الذي يُفترض أن يتقلّص وزنه، بينما صمد المُكوِّن الذي يُراد له أن يقود.

توقّعات صندوق النقد الدولي — مؤشرات مختارة 2025–2027

Saudi GDP IMF Forecast

الخلاصة

يقدّم صندوق النقد توقّعاً متوازناً لعامٍ استثنائي، وتؤكّده أرقام الهيئة: النشاط النفطي تلقّى الضربة الأعنف بفعل اضطراب هرمز، بينما حافظ الاقتصاد غير النفطي على زخمه. ويبقى السؤال الحاسم للنصف الثاني هو سرعة تطبيع الملاحة البحرية ومسار أسعار النفط وإنتاجه — وهي العوامل التي ستحدّد ما إذا كان المتوسط السنوي سيلامس تقدير الصندوق البالغ 1.7% أم ينحرف عنه.