عندما تتحدث الحكومات عن مكافحة التلوث أو خفض الانبعاثات، يظهر السؤال المالي سريعًا: كم ستكلف هذه السياسات؟
لكن هذا السؤال ينظر إلى جانب واحد فقط من المعادلة.
فالهواء الملوث لا يخلق مشكلة بيئية فحسب، بل يفرض أيضًا تكاليف على المستشفيات والشركات والعمال والاقتصاد. ومن هنا يظهر سؤال مختلف: كم يمكن للاقتصاد أن يوفر أو يكسب إذا أصبح الهواء أنظف؟
تقييم حديث لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة درس 25 إجراءً في مجالات تشمل الطاقة والنقل والصناعة والزراعة والطهي وإدارة النفايات، ووجد أن معالجة تلوث الهواء والتغير المناخي معًا قد تحقق عوائد اقتصادية أكبر من التعامل مع كل مشكلة بصورة منفصلة.
لماذا يرتبط التلوث بالاقتصاد؟
قد يبدو التلوث مشكلة صحية بعيدة عن الناتج المحلي، لكن العلاقة بينهما مباشرة.
عندما يؤدي تلوث الهواء إلى زيادة الأمراض، ترتفع تكاليف العلاج، ويغيب بعض العاملين عن وظائفهم، وتتراجع إنتاجيتهم، كما تتحمل الحكومات والأسر جزءًا أكبر من الإنفاق الصحي.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 99% من سكان العالم يعيشون في أماكن تتجاوز فيها مستويات تلوث الهواء الحدود الإرشادية للمنظمة، ما يجعل المشكلة ذات أثر اقتصادي واسع وليس بيئيًا فقط.
لذلك فإن خفض التلوث قد ينتج عنه عائد غير مباشر: أفراد أكثر صحة، أيام عمل أقل ضياعًا، وإنفاق صحي يمكن توجيه جزء منه إلى احتياجات أخرى.
دولار واحد مقابل أربعة
حسب تقييم الأمم المتحدة، تبلغ تكلفة تنفيذ الحلول المقترحة نحو 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي خلال العقد المقبل. وفي المقابل، يمكن أن تعادل المنافع الاقتصادية السنوية نحو 2.8% من الناتج العالمي في 2035، وترتفع إلى 4.5% بحلول 2050.
وعند احتساب المنافع السوقية المباشرة فقط، مثل انخفاض تكاليف الرعاية الصحية وارتفاع إنتاجية القوى العاملة وتجنب بعض الأضرار المادية، يولد كل دولار مستثمر نحو 4 دولارات من العائد الاقتصادي.
أما عند إضافة المنافع الاجتماعية الأوسع، مثل قيمة الحياة الأكثر صحة وتجنب الوفيات المبكرة، فيرتفع العائد المقدر إلى نحو 15 دولارًا لكل دولار مستثمر.
وهنا تتغير طريقة قراءة الإنفاق البيئي.
فبدل أن يكون السؤال: «كم سندفع؟»، يصبح: «ماذا سنحصل مقابل ما ندفع؟»
لماذا معالجة المشكلتين معًا؟
السبب أن التلوث وتغير المناخ يشتركان في كثير من المصادر.
حرق الوقود الأحفوري، على سبيل المثال، قد يطلق في الوقت نفسه غازات دفيئة تؤثر في المناخ وملوثات تؤثر مباشرة في جودة الهواء وصحة الإنسان.
لذلك فإن التحول إلى الطاقة المتجددة أو المركبات الكهربائية أو تحسين كفاءة استخدام الطاقة لا يعالج مشكلة واحدة فقط.
السياسة نفسها قد تخفض الانبعاثات، وتحسن جودة الهواء، وتقلل الأمراض، وترفع الإنتاجية في الوقت نفسه.
والتقرير يقدّر أن دمج سياستي المناخ والهواء النظيف يضيف نحو 0.2 نقطة مئوية إلى المكاسب الاقتصادية مقارنة بمعالجتهما بصورة منفصلة، بسبب تداخل المصادر والحلول.
تكلفة الانتظار
حتى عدم اتخاذ القرار له تكلفة.
يقدّر التقرير أن كل سنة تأخير قد تعني خسارة أكثر من 1.5 تريليون دولار سنويًا من المنافع السوقية والاجتماعية الممكنة.
وهذا يعكس مفهومًا اقتصاديًا مهمًا يسمى تكلفة الفرصة البديلة: ما نخسره بسبب عدم اختيار البديل الأفضل.
فعدم الاستثمار اليوم قد يوفر إنفاقًا في المدى القصير، لكنه قد يعني لاحقًا فوات وفورات صحية وإنتاجية واقتصادية أكبر.
البيئة كأصل اقتصادي
أهم ما تكشفه هذه الأرقام هو أن العلاقة بين الاقتصاد والبيئة ليست بالضرورة صراعًا بين النمو والحماية.
فالهواء النظيف يمكن النظر إليه باعتباره أصلًا اقتصاديًا يرفع جودة الحياة والإنتاجية ويخفض التكاليف التي يتحملها المجتمع.
ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط: ما تكلفة مكافحة التلوث؟
بل: كم يكلفنا استمرار التلوث أصلًا؟
وعندما يولد الدولار المستثمر عدة دولارات من المنافع، تتحول حماية البيئة من بند إنفاق إلى قرار استثماري يمكن قياس عائده مثل أي استثمار آخر.
التعليقات (5)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!