عندما تقرر مجموعة من أكبر الدول المنتجة للنفط تثبيت مستويات إنتاجها، قد يبدو منطقيًا أن تستقر أسعار الخام تبعًا لذلك. لكن سوق النفط أكثر تعقيدًا؛ فالكمية التي يُسمح بإنتاجها ليست بالضرورة الكمية المنتجة فعليًا، وما يُنتج لا يصل كله إلى الأسواق العالمية. فكيف تتحدد أسعار النفط؟ ولماذا قد تنخفض رغم تثبيت الإنتاج؟
في الأول من نوفمبر 2026، أعلنت سبع دول من تحالف «أوبك+»، بينها السعودية وروسيا، الإبقاء على مستويات الإنتاج المطلوبة لشهر ديسمبر عند مستويات سبتمبر 2026.
وجاء القرار بعد اجتماع افتراضي ناقشت فيه الدول المشاركة أوضاع السوق النفطية وآفاقها المستقبلية، وأكدت التزامها بالتعاون لتحقيق استقرار السوق.
لكن المفارقة ظهرت في اليوم التالي؛ إذ هبط سعر خام برنت في تسوية الاثنين 2 نوفمبر بنسبة 7.63%، إلى 104.77 دولارات للبرميل.
فكيف تنخفض أسعار النفط بهذا الحجم رغم عدم إعلان زيادة جديدة في مستويات الإنتاج المستهدفة؟
لفهم ذلك، علينا أولًا معرفة من يحدد إنتاج النفط، وما الفرق بين الكميات المستهدفة والكميات التي تصل فعلًا إلى المشترين.
ما «أوبك» وما «أوبك+»؟
تأسست منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» عام 1960، بهدف تنسيق السياسات النفطية بين أعضائها، والعمل على استقرار الأسواق البترولية.
ومع مرور الوقت، أصبح التعاون بين الدول المنتجة من داخل المنظمة وخارجها أكثر أهمية.
وفي عام 2016، بدأ إطار تعاون بين دول أوبك ومنتجين آخرين، من أبرزهم روسيا، عُرف باسم «أوبك+».
والفرق الأساسي أن أوبك منظمة تضم دولًا منتجة للنفط، بينما أوبك+ إطار تعاون أوسع يشمل أعضاء في المنظمة ودولًا منتجة من خارجها.
ويسعى هذا التعاون إلى تنسيق سياسات الإنتاج بما يدعم استقرار السوق، دون أن يعني ذلك امتلاك الدول المشاركة القدرة على التحكم الكامل في الأسعار.
أما قرار نوفمبر 2026، فقد اتخذته سبع دول مشاركة في ترتيبات التعديلات الطوعية للإنتاج، وهي السعودية وروسيا والعراق والكويت وكازاخستان والجزائر وعُمان.
إذن، لا يعني اجتماع هذه الدول السبع أن جميع أعضاء التحالف شاركوا في اتخاذ القرار نفسه.
ماذا يعني تثبيت الإنتاج؟
لنفترض أن مجموعة من الدول اتفقت على أن يكون مستوى إنتاج دولة معينة عشرة ملايين برميل يوميًا خلال شهر محدد.
هذا الرقم يمثل مستوى الإنتاج المستهدف أو المطلوب وفق الاتفاق.
لكن هل يعني ذلك أن الدولة ستنتج عشرة ملايين برميل بالضبط كل يوم؟
ليس بالضرورة.
فقد يكون الإنتاج الفعلي أقل نتيجة أعمال صيانة، أو مشكلات تشغيلية، أو اضطرابات تؤثر في قدرة المنشآت على العمل.
وقد يتجاوز الإنتاج المستوى المتفق عليه، وهو ما يثير مسألة الالتزام بالاتفاق والحاجة إلى معالجة الإنتاج الزائد وفق آليات المجموعة.
وهنا يظهر الفرق بين ثلاثة مصطلحات:
مستوى الإنتاج المطلوب: الكمية التي تحددها ترتيبات الإنتاج للدولة خلال فترة معينة.
الإنتاج الفعلي: الكمية التي تستخرجها الدولة بالفعل من حقولها النفطية.
الطاقة الإنتاجية: القدرة التي تمتلكها الدولة على إنتاج النفط خلال فترة معينة، وفق إمكاناتها الفنية والتشغيلية.
ولتوضيح الفرق، قد تكون لدى دولة قدرة على إنتاج 12 مليون برميل يوميًا، لكن مستوى إنتاجها المطلوب عشرة ملايين، بينما يبلغ إنتاجها الفعلي تسعة ملايين.
هذه الأرقام الثلاثة ليست متناقضة؛ لأنها تقيس أشياء مختلفة.
وبالتالي، فإن إعلان تثبيت مستويات الإنتاج المطلوبة لا يكشف وحده مقدار النفط الذي سينتجه أعضاء المجموعة فعليًا.
هل كل برميل يُنتج يصل إلى الأسواق العالمية؟
تخيل أن دولة تنتج ثمانية ملايين برميل يوميًا.
هل يعني ذلك أنها تصدّر الكمية نفسها؟
الإجابة: لا.
فقد يُستخدم جزء من الإنتاج داخل الدولة في المصافي لتصنيع البنزين والديزل ووقود الطائرات ومنتجات أخرى.
وقد يُخزَّن جزء آخر، بينما يُخصص المتبقي للتصدير.
ولهذا ينبغي التمييز بين الإنتاج والتصدير والإمدادات الواصلة إلى السوق.
فالإنتاج هو استخراج النفط من باطن الأرض، أما التصدير فهو شحن النفط إلى مشترين خارج الدولة.
لكن حتى بعد تصدير الشحنة، قد تواجه صعوبات في الوصول إلى وجهتها بسبب اضطرابات الملاحة أو ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
لنفترض، على سبيل المثال، أن دولة تنتج ثمانية ملايين برميل يوميًا، وتستهلك مصافيها المحلية مليوني برميل، وتخصص الباقي للتصدير، دون تغير في مخزوناتها.
عندئذ ستكون صادرات الخام نحو ستة ملايين برميل يوميًا.
لكن إذا تعطلت طرق الشحن، فقد ينخفض حجم النفط الذي يصل إلى الأسواق الخارجية، حتى لو بقي الإنتاج عند ثمانية ملايين برميل.
وهنا تتضح نقطة اقتصادية مهمة:
قد يبقى النفط متاحًا في بلد الإنتاج، لكنه لا يكون متاحًا بالقدر نفسه للمشترين في الأسواق العالمية.
ولهذا لا تراقب الأسواق كميات الإنتاج وحدها، بل تتابع كذلك حركة الناقلات والموانئ وخطوط الأنابيب ومخزونات النفط.
من الذي يحدد سعر برميل النفط؟
تؤكد إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن أسعار النفط تتحدد أساسًا من خلال التفاعل بين العرض والطلب في السوق العالمية.
لكن ماذا يعني ذلك؟
العرض هو كمية النفط التي يستطيع المنتجون توفيرها للسوق.
أما الطلب فهو كمية النفط التي يرغب المستهلكون والشركات في شرائها عند مستويات الأسعار المختلفة.
إذا ارتفع الطلب العالمي على النفط، بينما بقيت الكميات المتاحة محدودة، فقد تتجه الأسعار إلى الارتفاع.
وعلى العكس، إذا تباطأ الطلب أو زادت الإمدادات المتاحة مقارنة بالاستهلاك، فقد تتجه الأسعار إلى الانخفاض.
لنفترض أن العالم يستهلك 100 مليون برميل يوميًا، وأن المعروض المتاح يبلغ 99 مليون برميل.
إذا لم تُغطَّ الفجوة من المخزونات، فقد يواجه السوق ضغوطًا تدفع الأسعار إلى الارتفاع.
لكن إذا تراجع الاستهلاك إلى 98 مليون برميل، بينما بقي المعروض عند 99 مليونًا، فقد تظهر وفرة نسبية تضغط على الأسعار.
هذه أرقام افتراضية لتوضيح العلاقة، وليست بيانات فعلية عن السوق العالمية.
والأهم أن أسعار النفط لا تتحدد بالإنتاج الحالي فقط، بل تتأثر أيضًا بما يتوقعه المشترون والمستثمرون بشأن العرض والطلب مستقبلًا.
لماذا تتحرك الأسعار قبل أن تتغير الإمدادات؟
هنا ندخل إلى مفهوم مهم يسمى التوقعات الاقتصادية.
فأسواق النفط لا تنتظر دائمًا وقوع الحدث حتى تبدأ الاستجابة له.
إذا توقع المتعاملون حدوث اضطراب في إمدادات النفط خلال الأسابيع المقبلة، فقد يرتفع السعر اليوم، حتى لو لم تنخفض الإمدادات بعد.
وإذا تراجعت احتمالات حدوث ذلك الاضطراب، فقد تنخفض الأسعار مجددًا.
ويُعرف الجزء من السعر المرتبط بتقدير المخاطر المستقبلية أحيانًا باسم علاوة المخاطر.
ولتقريب الفكرة، تخيل أنك تخطط للسفر خلال موسم مزدحم، وتخشى ارتفاع أسعار تذاكر الطيران.
قد تقرر شراء التذكرة مبكرًا لتجنب زيادة متوقعة في السعر.
وفي سوق النفط، تتفاعل الشركات والمستثمرون مع توقعات المستقبل أيضًا، لكن من خلال معاملات مالية وتجارية أكثر تعقيدًا.
ومن أبرز أدواتها العقود الآجلة.
والعقد الآجل للنفط هو اتفاق مالي معياري يتم تداوله في بورصة، يرتبط بكمية محددة من النفط وتاريخ تسليم أو تسوية مستقبلي.
وتتغير أسعار هذه العقود بحسب توقعات السوق، بما يشمل العرض والطلب والمخزونات والمخاطر.
ولهذا قد ينخفض السعر بعد قرار بتثبيت الإنتاج، إذا كانت الأسواق تتوقع القرار مسبقًا، أو إذا ظهرت معلومات أخرى تشير إلى انخفاض المخاطر أو ضعف الطلب.
ما علاقة المخزونات بأسعار النفط؟
المخزون النفطي هو كمية النفط الموجودة في مرافق التخزين أو الناقلات أو المواقع الأخرى، التي لم تُستهلك بعد.
وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن المخزونات تؤدي دورًا مهمًا في تحقيق التوازن بين العرض والطلب.
فإذا كان الاستهلاك أعلى من الإنتاج والإمدادات الجديدة، يمكن سحب النفط من المخزونات للمساعدة في تغطية الطلب.
أما إذا تجاوزت الإمدادات حجم الاستهلاك، فقد يجري تخزين الكميات الفائضة.
ولهذا تتابع الأسواق تقارير المخزونات النفطية باهتمام.
فانخفاض المخزون بصورة غير متوقعة قد يشير إلى سوق أكثر ضيقًا من التقديرات السابقة، بينما قد يشير ارتفاعه غير المتوقع إلى ضعف نسبي في الطلب أو زيادة المعروض.
لكن ينبغي الحذر من تفسير تغير المخزون بمعزل عن العوامل الأخرى.
فالمخزونات قد تتأثر بمواسم الاستهلاك، وصيانة المصافي، وحركة الواردات والصادرات، وليس فقط بارتفاع الطلب أو انخفاضه.
لماذا تُعد طرق الشحن جزءًا من معادلة الأسعار؟
يمتلك العالم كميات كبيرة من النفط، لكن توزيعها الجغرافي لا يتطابق مع أماكن استهلاكها.
فالدول التي تنتج كميات كبيرة قد تكون بعيدة عن الأسواق التي تحتاج إليها.
ولهذا يعتمد جزء مهم من تجارة النفط العالمية على الناقلات البحرية وخطوط الأنابيب والموانئ.
وتؤثر الاضطرابات التي تصيب هذه الشبكات في تكلفة نقل النفط وموعد وصوله، وربما في الكميات المتاحة للمشترين.
فإذا ارتفعت تكاليف التأمين والشحن، فإن تكلفة الحصول على النفط قد تزيد، حتى لو لم يتغير سعره عند نقطة الإنتاج بالنسبة نفسها.
وإذا تعذر مرور الناقلات عبر طريق معين، فقد تضطر إلى استخدام طريق أطول، ما يزيد مدة الرحلة وتكاليفها.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن الاكتفاء بمتابعة قرارات الإنتاج لفهم أوضاع سوق النفط.
فالمعادلة تشمل استخراج الخام، ونقله، وتخزينه، وتكريره، ووصول المنتجات إلى المستهلك النهائي.
لماذا يهم قرار أوبك+ الاقتصاد السعودي؟
تُعد السعودية من كبار منتجي ومصدري النفط في العالم، ولذلك تؤثر تطورات سوق الطاقة في جزء مهم من نشاطها الاقتصادي وإيراداتها العامة.
لكن العلاقة بين أسعار النفط والإيرادات ليست بهذه البساطة.
فقد يرتفع سعر البرميل بينما تتراجع الكميات المصدّرة، أو تنخفض الأسعار بينما تزيد الكميات المبيعة.
ولتوضيح ذلك، لنفترض أن دولة تصدّر مليون برميل يوميًا بسعر 100 دولار للبرميل.
ستبلغ قيمة مبيعاتها اليومية الإجمالية 100 مليون دولار، قبل احتساب الفروق السعرية والتكاليف والبنود الأخرى.
إذا انخفض السعر إلى 90 دولارًا، وارتفعت الصادرات إلى 1.1 مليون برميل، فستبلغ قيمة المبيعات 99 مليون دولار.
أي إن زيادة الكمية لم تعوض بالكامل انخفاض السعر.
وفي المقابل، قد ترتفع قيمة المبيعات رغم انخفاض الكميات إذا كانت الزيادة في الأسعار أكبر نسبيًا.
لذلك، فإن فهم العلاقة بين النفط والاقتصاد السعودي يتطلب متابعة الأسعار والكميات المصدّرة والتكاليف والإيرادات الفعلية، وليس سعر خام برنت وحده.
كما أن تأثير أسعار النفط يمتد إلى قطاعات عالمية أخرى، مثل النقل والصناعة والبتروكيماويات، وإلى تكاليف الطاقة والشحن والتضخم.
ماذا نراقب بعد قرار تثبيت الإنتاج؟
أعلنت الدول السبع المشاركة في اجتماع الأول من نوفمبر أنها ستواصل مراجعة أوضاع السوق بصورة شهرية، وحددت 29 نوفمبر موعدًا لاجتماعها المقبل.
لكن متابعة القرار لا ينبغي أن تقتصر على السؤال عما إذا كانت المجموعة سترفع الإنتاج أو تخفضه.
فالصورة الاقتصادية الأوسع تتطلب معرفة ما إذا كانت الدول تنتج الكميات المستهدفة، وهل تصل صادراتها إلى المشترين، وكيف تتحرك المخزونات والطلب العالمي.
كما أن تقييم قرارات 2027 سيتأثر بالمراجعة الجارية للطاقات الإنتاجية للدول المشاركة، التي تُستخدم في تحديد المستويات المرجعية للإنتاج.
وفي النهاية، يمكن تلخيص الدرس الاقتصادي في فكرة واحدة:
مستوى الإنتاج المطلوب ليس الإنتاج الفعلي، والإنتاج الفعلي ليس الصادرات، والصادرات ليست بالضرورة الإمدادات التي تصل إلى الأسواق، كما أن تثبيت الإنتاج لا يعني تثبيت الأسعار.
ولهذا، عندما نقرأ خبرًا عن قرار جديد لأوبك+، علينا ألا نسأل فقط: كم برميلًا ستنتج الدول؟
بل نسأل أيضًا: كم برميلًا سيصل إلى الأسواق، وكم سيحتاج المستهلكون، وما الذي يتوقعه المتعاملون بشأن المستقبل؟
فهذه الأسئلة مجتمعة تساعدنا على فهم حركة أسعار النفط بصورة أقرب إلى الواقع.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!