عندما تشتري طابعة، قد يبدو أنك دفعت ثمن المنتج وانتهت الصفقة. لكن بعد أشهر ستحتاج إلى الحبر. وعندما تشتري جهاز ألعاب، ستحتاج إلى الألعاب وربما الاشتراكات. وحتى الهاتف الذي تحمله قد يقودك إلى مساحة تخزين سحابية، وتطبيقات مدفوعة، وسماعات وأجهزة أخرى تعمل معه بسهولة أكبر.
في هذه الحالات، الشراء الأول ليس دائمًا نهاية الصفقة؛ أحيانًا يكون بدايتها فقط.
وهنا تظهر فكرة اقتصادية مهمة: بعض المنتجات لا تعمل أو لا تحقق فائدتها الكاملة بمفردها، بل تعتمد على منتجات وخدمات أخرى تكملها.
عندما تزيد قيمة منتج بوجود آخر
يسمي الاقتصاديون هذه المنتجات السلع التكميلية (Complementary Goods).
الفكرة بسيطة: استخدام أحد المنتجين يزيد الحاجة إلى الآخر أو يزيد فائدته.
السيارة الكهربائية تحتاج إلى الشحن، والطابعة تحتاج إلى الحبر، وماكينة القهوة تحتاج إلى الكبسولات، وجهاز الألعاب يحتاج إلى الألعاب.
لكن الشركات طورت هذه العلاقة إلى مستوى أوسع. فبدلًا من بيع منتجين يكمل أحدهما الآخر فقط، أصبحت تبني منظومات كاملة تجمع الجهاز والبرامج والخدمات والإكسسوارات والاشتراكات.
ولذلك قد لا تكون قيمة العميل بالنسبة للشركة هي ما يدفعه في يوم شراء الجهاز، بل ما قد ينفقه طوال سنوات استخدامه.
المنتج الأول قد لا يكون مصدر الربح الوحيد
أحد أشهر النماذج المرتبطة بهذه الفكرة يسمى Razor-and-Blades Model، أو نموذج «شفرة الحلاقة».
فكرته أن الشركة قد تجعل المنتج الأساسي جذابًا أو سهل الاقتناء، ثم تحقق إيرادات مستمرة من الأشياء اللازمة لاستخدامه.
يمكن رؤية الفكرة بوضوح في الطابعات. فشراء الطابعة يحدث مرة واحدة، لكن الحبر يُشترى مرارًا طالما استمر استخدامها.
وتوضح نتائج HP حجم أهمية هذا الجزء من النشاط. ففي سنتها المالية 2025 بلغت إيرادات مستلزمات الطباعة، التي تشمل الأحبار والمواد الاستهلاكية، نحو 10.9 مليار دولار.
المغزى هنا ليس أن كل شركة تبيع الجهاز بخسارة لتربح من الملحقات، فهذا لا ينطبق على جميع المنتجات. لكن المثال يوضح لماذا يمكن أن يكون الإنفاق اللاحق للشراء الأول جزءًا أساسيًا من نموذج العمل.
من المنتج إلى المنظومة
في المنتجات الرقمية تصبح العلاقة أوسع.
شراء هاتف مثلًا قد يكون بوابة إلى مجموعة من الخدمات: متجر تطبيقات، وتخزين سحابي، ومدفوعات رقمية، وموسيقى، ومحتوى، وأجهزة مرتبطة بالحساب نفسه.
وتوضح Apple كيف يمكن أن تتحول قاعدة مستخدمي الأجهزة إلى سوق للخدمات. ففي 2025 تجاوز متوسط مستخدمي App Store الأسبوعيين عالميًا 850 مليون مستخدم، بينما تجمع باقة Apple One خدمات مثل iCloud وApple Music وApple TV وApple Arcade في اشتراك واحد.
اقتصاديًا، كلما زاد عدد المنتجات والخدمات التي يستخدمها العميل داخل المنظومة، قد تصبح علاقته بالشركة أعمق من مجرد امتلاك جهاز واحد.
وهنا يتغير السؤال من:
كم جهازًا تستطيع الشركة بيع؟
إلى:
كم جزءًا من إنفاق العميل تستطيع الاحتفاظ به بعد بيع الجهاز؟
الراحة نفسها قد تصبح سببًا للبقاء
هذه المنظومات لا تنجح فقط لأن العميل «مجبَر» عليها.
غالبًا توجد لها فائدة حقيقية: الأجهزة تتصل ببعضها بسهولة، والبيانات تنتقل بينها، والحسابات وكلمات المرور والمشتريات موجودة في مكان واحد، وقد لا يحتاج المستخدم إلى إعادة إعداد كل شيء في كل مرة.
لكن الميزة نفسها قد تخلق ما يعرف بـ Lock-in، أي ارتباط العميل بمنظومة يصبح الخروج منها أصعب مع الوقت.
وهنا تظهر تكلفة الانتقال (Switching Costs).
ولا تعني التكلفة المال فقط. قد تشمل الوقت المطلوب لنقل البيانات، وتعلم نظام مختلف، واستبدال أجهزة أو إكسسوارات، وفقدان بعض الخدمات أو المشتريات السابقة.
وقد درست هيئة المنافسة والأسواق البريطانية هذا الأمر في أنظمة تشغيل الهواتف، وأشارت إلى أن عوائق الانتقال قد تشمل تكاليف مالية، ووقتًا وجهدًا للتعلم، إضافة إلى شعور المستخدم بأن عملية الانتقال نفسها معقدة.
إذن كلما توسعت المنظومة حول المستهلك، قد ترتفع قيمة البقاء فيها، لكن قد ترتفع أيضًا تكلفة الخروج منها.
لماذا تحب الشركات هذا النموذج؟
بيع منتج واحد يعني أن الشركة تحتاج في كل مرة إلى إقناع العميل بعملية شراء جديدة.
أما المنظومة فقد تمنحها علاقة أطول معه.
فالطابعة تخلق طلبًا على الحبر، والجهاز قد يولد اشتراكًا شهريًا، والمنصة قد تأخذ جزءًا من عمليات الشراء التي تتم داخلها.
وهذا يجعل الإيرادات المحتملة لا ترتبط فقط بعدد المنتجات الجديدة المباعة، بل أيضًا بحجم القاعدة الموجودة أصلًا ومدى استمرارها في استخدام المنتجات والخدمات المرتبطة بها.
كما أن وجود منظومة قوية قد يمنح الشركة ميزة تنافسية؛ فالمنافس الجديد لا يحتاج فقط إلى تصنيع منتج أفضل، بل قد يحتاج إلى إقناع المستهلك بالتخلي عن مجموعة كاملة من الأشياء التي اعتاد استخدامها.
لكن المستهلك لا يجب أن ينظر إلى السعر الأول فقط
هنا تتغير طريقة تقييم عملية الشراء.
أرخص طابعة ليست بالضرورة الأرخص على مدى سنوات إذا كان حبرها مرتفع التكلفة. والجهاز الذي يبدو مناسبًا اليوم قد يصبح أغلى إذا كان يعتمد على اشتراكات أو ملحقات خاصة.
لذلك قد يكون السؤال الأفضل قبل الشراء ليس:
كم سعر هذا المنتج؟
بل:
ماذا سأحتاج بعد شرائه؟
ما المنتجات التي تعمل معه؟ هل يوجد اشتراك؟ هل أستطيع استخدام بدائل من شركات أخرى؟ وماذا سيحدث إذا أردت الانتقال إلى منافس لاحقًا؟
بهذا المعنى، السعر الموجود على الرف قد يكون فقط سعر الدخول إلى المنظومة.
عندما يصبح المنتج بوابة
السلع التكميلية ليست فكرة جديدة؛ فالسيارة والوقود، والكاميرا والعدسة، والطابعة والحبر أمثلة موجودة منذ عقود.
الجديد هو أن الاقتصاد الرقمي جعل المنظومات أكبر وأكثر ترابطًا. فالمنتج الواحد أصبح قادرًا على فتح الباب أمام سلسلة من الأجهزة والخدمات والاشتراكات والمشتريات المستمرة.
وهذا لا يعني بالضرورة أن المنظومات سيئة للمستهلك؛ فقد تمنحه تجربة أسهل وأكثر تكاملًا. كما أنها قد تمنح الشركات حافزًا للاستثمار في خدمات ومنتجات تعمل معًا.
لكنها تغير معنى قرار الشراء.
ففي بعض الأسواق، عندما تضغط زر «شراء»، أنت لا تختار المنتج الموجود أمامك فقط.
أنت تختار أيضًا المنظومة التي قد تشتري منها بعده.
التعليقات (4)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!