أظهرت التقديرات السريعة انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة بنسبة 4.8% على أساس سنوي في الربع الثاني من 2026.
غير أن الرقم الكلي لا يروي القصة كاملة؛ إذ تركز الانخفاض في الأنشطة النفطية، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نموًا سنويًا محدودًا، بالتزامن مع تراجع طفيف في زخمها على أساس ربعي.

ماذا يقيس الناتج المحلي الإجمالي؟

الناتج المحلي الإجمالي هو القيمة الإجمالية للسلع والخدمات النهائية التي ينتجها الاقتصاد داخل حدوده خلال مدة زمنية محددة. ويُستخدم بوصفه أحد أهم المؤشرات الكلية لتتبع حجم النشاط الاقتصادي واتجاهه.

يمكن قياس الناتج المحلي الإجمالي بثلاثة مداخل مترابطة:

  1. مدخل الإنتاج:
    يجمع القيمة المضافة التي تولدها الأنشطة الاقتصادية المختلفة.
  2. مدخل الإنفاق:
    يجمع الإنفاق على الاستهلاك والاستثمار والإنفاق الحكومي وصافي الصادرات.
  3. مدخل الدخل:
    يجمع الدخول المتولدة من عملية الإنتاج، مثل الأجور والأرباح والضرائب على الإنتاج.

وتفترض الحسابات القومية أن تؤدي هذه المداخل، من الناحية النظرية، إلى تقديرات متقاربة للناتج؛ لأنها تقيس النشاط الاقتصادي نفسه من زوايا مختلفة.

ويُعبّر عن الناتج وفق مدخل الإنفاق بالمعادلة:

GDP=C+I+G+(X-M)

حيث يشير:

  • (C) إلى الاستهلاك الخاص.
  • (I) إلى الاستثمار.
  • (G) إلى الإنفاق الحكومي.
  • (X-M) إلى صافي الصادرات، أي الصادرات مطروحًا منها الواردات.

لكن النشرة السعودية الخاصة بالربع الثاني من 2026 تعتمد في عرضها على مدخل الإنتاج؛ إذ تفكك الناتج إلى أنشطة نفطية، وغير نفطية، وحكومية، إضافة إلى صافي الضرائب على المنتجات.

لماذا نتحدث عن الناتج «الحقيقي»؟

الناتج المحلي الإجمالي الاسمي يقيس قيمة الإنتاج بالأسعار الجارية، ولذلك قد يرتفع بسبب زيادة الأسعار حتى عندما لا تزداد كمية السلع والخدمات المنتجة.

أما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي فيستبعد أثر تغير الأسعار، ويقيس بصورة أقرب التغير في حجم الإنتاج الفعلي.
وبذلك، فإن انخفاض الناتج الحقيقي لا يعني بالضرورة انخفاض الإيرادات النقدية أو قيمة الصادرات بالنسبة نفسها؛ فقد ترتفع أسعار النفط مثلًا، بينما تنخفض الكميات المنتجة، فيتراجع الناتج النفطي الحقيقي مع بقاء الأثر على الإيرادات مختلفًا.

وهذا التمييز مهم عند قراءة الاقتصاد السعودي؛ لأن تغير أسعار النفط وتغير كميات إنتاجه قد يسيران أحيانًا في اتجاهين مختلفين.

التقديرات السريعة: قراءة مبكرة وليست حكمًا نهائيًا

أصدرت الهيئة العامة للإحصاء الأرقام بوصفها تقديرات سريعة للناتج المحلي الإجمالي.
والمقصود بذلك تقديم قراءة مبكرة لمعدل النمو بعد نهاية الربع، في وقت لا تكون فيه جميع البيانات التفصيلية قد اكتملت بعد.

تعتمد هذه التقديرات على مؤشرات شهرية وربعية متاحة تتعلق بالإنتاج والإنفاق والدخل والأسعار والتجارة الخارجية، إلى جانب افتراضات إحصائية تستخدم لاستكمال المعلومات التي لم تصدر بعد.
وتنشر الهيئة هذه التقديرات بعد نحو 30 يومًا من نهاية الربع المرجعي.

لذلك، توفر التقديرات السريعة إشارة مهمة إلى اتجاه الاقتصاد، لكنها تظل قابلة للمراجعة عند صدور الحسابات القومية الربعية الأكثر تفصيلًا.

الصورة السنوية: ماذا تغير خلال عام؟

انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة بنسبة 4.8% في الربع الثاني من 2026 مقارنة بالربع المماثل من 2025.

لكن تفكيك الرقم الإجمالي يكشف تفاوتًا واضحًا بين الأنشطة الرئيسة:

الأنشطة النفطية: انخفاض حاد بنسبة 24.7%

تشمل الأنشطة النفطية استخراج الزيت الخام والغاز الطبيعي وأنشطة التكرير.
وقد تراجعت بنسبة 24.7% على أساس سنوي، لتصبح المحرك الرئيس لانخفاض الناتج الكلي.
ولا يعني هذا أن قيمة إيرادات النفط انخفضت بالضرورة بالنسبة نفسها؛ لأن الناتج الحقيقي يقيس حجم النشاط والإنتاج بعد استبعاد أثر الأسعار، بينما تتأثر الإيرادات بقيمة البرميل وكميات التصدير وأسعار المنتجات المكررة وعوامل أخرى.

الأنشطة غير النفطية: نمو محدود بنسبة 0.6%

تشمل الأنشطة غير النفطية جميع الأنشطة الاقتصادية الأخرى، باستثناء الأنشطة النفطية والخدمات الحكومية وفق تصنيف الهيئة.

وقد سجلت نموًا سنويًا بنسبة 0.6%.
ويشير هذا النمو إلى استمرار النشاط غير النفطي فوق مستواه في الربع الثاني من العام السابق، لكنه يمثل وتيرة أبطأ كثيرًا من معدلات النمو المسجلة خلال معظم أرباع 2025.

ومن ثم، فالوصف الأدق ليس أن الأنشطة غير النفطية كانت «ثابتة»، بل إنها أظهرت صمودًا سنويًا محدودًا أمام الصدمة النفطية، بالتزامن مع علامات على تباطؤ الزخم.

الأنشطة الحكومية: نمو بنسبة 0.9%

سجلت الأنشطة الحكومية نموًا سنويًا بنسبة 0.9%.
وتشمل هذه الفئة الجهات الحكومية والجهات الخاضعة لسيطرة الحكومة التي تقدم خدمات غير سوقية، مثل بعض خدمات التعليم والصحة والإدارة العامة.

وتؤكد هذه الأرقام أن الانكماش لم يكن موزعًا بالتساوي على الاقتصاد، بل تركز بصورة رئيسة في النشاط النفطي.

تفكيك الانكماش: من صنع النتيجة الكلية؟

معدل نمو القطاع لا يساوي مساهمته في نمو الاقتصاد كله.

قد ينمو نشاط اقتصادي بسرعة، لكن مساهمته في الناتج الكلي تظل صغيرة إذا كان وزنه النسبي محدودًا.
وفي المقابل، يمكن لانخفاض نشاط كبير الحجم، مثل النشاط النفطي، أن يسحب الناتج الإجمالي إلى الأسفل حتى عندما تحقق أنشطة أخرى نموًا إيجابيًا.

وتُقاس مساهمات الأنشطة في النمو بـ النقاط المئوية، وهي تختلف عن النسب المئوية.

فإذا انخفض معدل النمو الكلي من 3% إلى 2%، يكون الانخفاض نقطة مئوية واحدة، لكنه يساوي انخفاضًا نسبيًا بنحو الثلث.

في الربع الثاني من 2026 جاءت المساهمات السنوية على النحو الآتي:

  • سحبت الأنشطة النفطية 5.4 نقطة مئوية من نمو الناتج.
  • أضافت الأنشطة غير النفطية 0.4 نقطة مئوية.
  • أضافت الأنشطة الحكومية 0.1 نقطة مئوية.
  • أضاف صافي الضرائب على المنتجات 0.1 نقطة مئوية.

وبجمع هذه الآثار، يصل معدل النمو الكلي إلى نحو سالب 4.8% بعد التقريب.

تعني هذه النتيجة أن النمو المحدود في الأنشطة غير النفطية والحكومية خفف جزءًا من الصدمة، لكنه لم يكن كبيرًا بما يكفي لتعويض التراجع الواسع في النشاط النفطي.

الزخم الربعي: ماذا حدث خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة؟

تجيب المقارنة السنوية عن سؤال: كيف يبدو الاقتصاد مقارنة بالفترة نفسها قبل عام؟

أما المقارنة الربعية فتجيب عن سؤال مختلف:
هل كان النشاط يتحسن أم يتباطأ مقارنة بالربع السابق مباشرة؟

ولا تصح المقارنة بين ربعين متتاليين قبل إزالة التأثيرات الموسمية والتقويمية، مثل تغير مواعيد عيدي الفطر والأضحى، وعدد أيام العمل، وأنماط الإجازات وبعض العوامل المناخية والاجتماعية.

ولهذا تستخدم الهيئة بيانات معدلة موسميًا، بالاعتماد على منهجية TRAMO-SEATS ونماذج ARIMA المستخدمة في تحليل السلاسل الزمنية.

بعد التعديل الموسمي، انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الربع الثاني من 2026 بنسبة 4.9% مقارنة بالربع الأول من العام نفسه.

وجاء أداء الأنشطة الرئيسة كما يأتي:

  • انخفضت الأنشطة النفطية بنسبة 21.5%.
  • انخفضت الأنشطة غير النفطية بنسبة 0.5%.
  • ارتفعت الأنشطة الحكومية بنسبة 0.2%.

أما مساهمات النمو الربعي، فكانت:

  • سالب 4.5 نقطة مئوية من الأنشطة النفطية.
  • سالب 0.3 نقطة مئوية من الأنشطة غير النفطية.
  • سالب 0.1 نقطة مئوية من صافي الضرائب على المنتجات.
  • موجب 0.03 نقطة مئوية من الأنشطة الحكومية.

وهنا تظهر صورة أكثر تحفظًا من القراءة السنوية:
فالأنشطة غير النفطية ظلت أعلى من مستواها قبل عام، لكنها تراجعت قليلًا مقارنة بالربع السابق.

وبالتالي، يمكن وصف أدائها بأنه صمود على أساس سنوي، يقابله ضعف محدود في الزخم القصير الأجل، لا نمو متسارع ولا انكماش واسع.

السياق الجيوسياسي: صدمة إنتاج ونقل تتجاوز دورة أوبك+ المعتادة

لا تحدد نشرة الهيئة العامة للإحصاء الأسباب الخارجية المباشرة لانخفاض كل نشاط؛ فهي نشرة إحصائية تقيس التغير ولا تقدم تفسيرًا سببيًا تفصيليًا له.

لكن وضع النتائج في سياقها الزمني يوضح أن الربع الثاني من 2026 تزامن مع اضطرابات استثنائية في أسواق الطاقة وحركة الشحن في منطقة الخليج.

أفادت وكالة الطاقة الدولية في مايو بأن القيود المفروضة على حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز أدت إلى توقف أكثر من 14 مليون برميل يوميًا من إنتاج دول الخليج، مع تجاوز الخسائر التراكمية في الإمدادات مليار برميل.
كما أشارت إلى أن السعودية والإمارات أعادتا توجيه جزء من صادراتهما إلى موانئ تقع خارج المضيق.
وتشير بيانات مبادرة البيانات المشتركة «جودي» إلى أن إنتاج السعودية من النفط الخام انخفض إلى 6.316 ملايين برميل يوميًا في أبريل، قبل أن يرتفع إلى 6.560 ملايين برميل يوميًا في مايو.
كما هبطت الصادرات إلى نحو 3.434 ملايين برميل يوميًا في مايو، وهو أدنى مستوى في السلسلة المتاحة منذ 2002.

في الوقت نفسه، استمرت ترتيبات إدارة المعروض ضمن تحالف أوبك+؛ إذ قررت سبع دول مشاركة تعديل الإنتاج بمقدار 188 ألف برميل يوميًا ابتداءً من يونيو 2026، مع الإبقاء على مرونة زيادة الإنتاج أو تعليق التعديلات أو عكسها بحسب أوضاع السوق.

وبناءً على ذلك، يبدو أن تفسير الانخفاض النفطي يتطلب الجمع بين عاملين:

  1. سياسة إدارة المعروض التي ظلت جزءًا من بنية سوق النفط.
  2. صدمة جيوسياسية ولوجستية استثنائية أثرت في الإنتاج والشحن والتصدير خلال الربع.

ولا يبدو تعديل أوبك+ وحده كافيًا لتفسير هبوط النشاط النفطي السعودي بنسبة 24.7%، خصوصًا في ضوء حجم الاضطراب المسجل في الإنتاج والصادرات وحركة الملاحة.

هل دخل الاقتصاد السعودي في ركود شامل؟

لا تكفي بيانات ربع واحد للحكم بأن الاقتصاد دخل في ركود شامل، كما لا يكفي انخفاض الناتج الكلي وحده لفهم حالة النشاط الداخلي.

هناك ثلاثة أسباب تدعو إلى الحذر:

أولًا، تركز الجزء الأكبر من الانخفاض في الأنشطة النفطية، بينما ظلت الأنشطة غير النفطية والحكومية أعلى من مستوياتهما قبل عام.

ثانيًا، التقديرات الحالية سريعة وأولية، وقد تخضع للمراجعة بعد اكتمال بيانات الأنشطة ومكونات الإنفاق والدخل.

ثالثًا، يتطلب تقييم الركود الواسع النظر إلى مجموعة أكبر من المؤشرات، مثل التوظيف، والاستهلاك، والاستثمار، والائتمان، وإنتاج القطاعات غير النفطية، وأرباح الشركات، والتجارة الداخلية والخارجية.

لذلك، يمكن القول إن الاقتصاد تعرض في الربع الثاني إلى انكماش كلي حاد تركز في القطاع النفطي، لكن البيانات المتاحة لا تسمح وحدها بوصف الحالة بأنها ركود شامل أصاب الأنشطة الاقتصادية كافة.

ماذا تخبرنا الأرقام عن التنويع الاقتصادي؟

يوضح استمرار النمو غير النفطي على أساس سنوي أن مصادر النشاط الاقتصادي لم تعد تتحرك جميعها بالاتجاه نفسه أو بالقوة نفسها عند تعرض القطاع النفطي لصدمة.

لكن ذلك لا يعني أن الاقتصاد أصبح منفصلًا بالكامل عن النفط.

فالنفط لا يزال يؤثر في الاقتصاد عبر قنوات متعددة، من بينها:

  • الصادرات والحساب الجاري.
  • الإيرادات العامة والإنفاق الحكومي.
  • السيولة والاستثمار.
  • نشاط الصناعات المرتبطة بالطاقة.
  • ثقة الشركات والمستثمرين.
  • تكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد.

ومن ثم، فإن نمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 0.6% يقدم دليلًا على قدر من المرونة، لكنه لا يمثل بمفرده إثباتًا مكتملًا لنجاح التنويع أو انتهاء حساسية الاقتصاد لتقلبات النفط.

الحكم الأكثر دقة يحتاج إلى سلسلة زمنية أطول، وإلى تحليل نوعية النمو غير النفطي: هل يأتي من قطاعات قابلة للتصدير ومرتفعة الإنتاجية؟ أم يعتمد بصورة كبيرة على الإنفاق العام والطلب المحلي؟ وهل يولد وظائف ودخولًا واستثمارات مستدامة؟

ماذا تعني النتائج للمواطن والشركات؟

لا يعني انخفاض الناتج الحقيقي بنسبة 4.8% أن دخول الأفراد أو مبيعات جميع الشركات انخفضت بالنسبة نفسها.

فالرقم الكلي يجمع أنشطة مختلفة، وكان القطاع النفطي مسؤولًا عن معظم الانخفاض. وقد تعمل شركة في السياحة أو التقنية أو التعليم أو الخدمات ولا تواجه الظروف نفسها التي يواجهها قطاع استخراج النفط أو التكرير.

لكن استمرار الصدمة النفطية قد ينتقل تدريجيًا إلى الاقتصاد الأوسع عبر عدد من القنوات، مثل تغير الإنفاق العام، أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، أو تأجيل بعض الاستثمارات، أو تغير السيولة والطلب.

كما أن انخفاض الأنشطة غير النفطية بنسبة 0.5% مقارنة بالربع السابق يستحق المتابعة؛ لأنه قد يمثل ضعفًا مؤقتًا مرتبطًا بالظروف الموسمية والجيوسياسية، أو بداية تباطؤ أوسع لا يمكن تأكيده قبل صدور بيانات أكثر تفصيلًا.
وعليه،
لا ينبغي قراءة انخفاض الناتج باعتباره دليلًا على ضعف شامل في الاقتصاد الداخلي، ولا ينبغي في المقابل اعتبار نمو الأنشطة غير النفطية المحدود إثباتًا نهائيًا على انفصال الاقتصاد عن دورة النفط.

النتيجة الأكثر اتزانًا هي أن الاقتصاد السعودي يملك قاعدة غير نفطية أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مما كان عليه تاريخيًا، لكنه لا يزال شديد التأثر بحجم القطاع النفطي وصلاته بالمالية العامة والتجارة والاستثمار.

وستتطلب القراءة النهائية انتظار الحسابات القومية الربعية التفصيلية، ودراسة مكونات الإنفاق والإنتاج والاستثمار والتوظيف، لمعرفة ما إذا كان ضعف الربع الثاني يمثل صدمة مؤقتة مرتبطة بالقطاع النفطي والظروف الجيوسياسية، أم تحولًا أطول في مسار النشاط الاقتصادي.

المصدر الأساسي للبيانات:
التقديرات السريعة للناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني 2026