تمثل التحولات الهيكلية في قطاع الطاقة أحد العوامل المؤثرة في استقرار الاقتصادات الكبرى وقدرتها على إدارة المخاطر طويلة الأجل. وفي هذا السياق، يكتسب توقيع اتفاقية تعاون نووي مدني بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، بموجب المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكي، أهمية اقتصادية واستراتيجية, إذ قد يتيح، وفق الترتيبات المعلنة، تطوير قدرات سعودية محلية في أجزاء من دورة الوقود النووي، بما في ذلك التخصيب للأغراض السلمية، استكمال الإجراءات القانونية والرقابية ذات الصلة.
ولا تزال التفاصيل الفنية والاقتصادية الكاملة للاتفاقية غير منشورة، كما أن دخولها حيز النفاذ يرتبط بإجراءات المراجعة في الكونغرس الأمريكي. لذلك فإن الأثر الاقتصادي النهائي سيعتمد على الصيغة التنفيذية، ونموذج الملكية والتشغيل، وشروط نقل التقنية، والضمانات الدولية.
اتفاقية 123 وتغير الإطار التفاوضي
تسمح اتفاقيات 123، بموجب القانون الأمريكي، بالتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية ونقل المواد والتقنيات والمعدات النووية، مع اشتراطات تتعلق بعدم الانتشار والرقابة على الاستخدام السلمي. وقد اتبعت الولايات المتحدة في بعض الاتفاقيات نهجاً تفاوضياً يطالب الشريك بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي، وهو النهج الذي عُرف سياسياً باسم «المعيار الذهبي».
أما في الحالة السعودية، فتشير المعلومات المتاحة إلى أن الاتفاقية قد تفتح المجال أمام دراسة إنشاء قدرة تخصيب داخل المملكة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة نقل تقنية التخصيب بصورة مستقلة إلى الجانب السعودي أو منح حق غير مشروط في تشغيلها. ووفق التقارير المنشورة، قد تخضع المنشأة المحتملة لإدارة أو إشراف أمريكيين ضمن نموذج تقني ورقابي صارم.
اقتصادياً، يمنح هذا الترتيب المملكة خياراً استراتيجياً لتقليل الاعتماد المستقبلي على خدمات الوقود النووي الخارجية، لكنه لا يلغي تلقائياً تكاليف الاستيراد أو مخاطر السوق, إذ يتطلب تحقيق الجدوى إنشاء بنية متكاملة تشمل التعدين، والطحن، والتحويل، والتخصيب، وتصنيع الوقود، وإدارة الوقود المستهلك والنفايات.
اقتصاديات دورة الوقود
يمثل اليورانيوم المحلي، في حال ثبوت الجدوى التجارية للاستخراج والمعالجة، فرصة للانتقال من تصدير مادة خام أو منخفضة المعالجة إلى تطوير سلسلة قيمة صناعية وتقنية ذات قيمة مضافة أعلى. غير أن التخصيب المحلي لا يعني بالضرورة خفض تكلفة الكهرباء النووية.
فتكلفة الوقود النووي تمثل عادةً نسبة محدودة من التكلفة الكلية لإنتاج الكهرباء، في حين تشكل تكاليف إنشاء المفاعلات والتمويل والتشغيل والصيانة عناصر رئيسية في الاقتصاديات النهائية للمشروع. كما أن إنشاء منشأة تخصيب يتطلب رأسمال كبيراً، ونظم أمان مادي ورقابة متقدمة، وكفاءات بشرية متخصصة.
وعليه، فإن الميزة الاقتصادية الأكثر وضوحاً في المرحلة الأولى قد تتمثل في أمن الإمدادات وتقليل التعرض للمخاطر الجيوسياسية واللوجستية، لا في تحقيق وفر مالي مباشر. ولا يمكن قياس العائد على الاستثمار قبل نشر بيانات عن حجم المنشآت، وكلفة التمويل، وأسعار خدمات التخصيب، وحجم الطلب المحلي، وإمكانات التصدير.
كما أن وصف المشروع بأنه يؤسس «دورة وقود نووي مغلقة» يحتاج إلى تحفّظ فني؛ فالدورة المغلقة تتطلب، إضافة إلى التعدين والتحويل والتخصيب، ترتيبات لإعادة معالجة الوقود المستهلك وإعادة استخدام بعض مكوناته. لذلك فإن الأدق هو الحديث عن توطين أجزاء من دورة الوقود النووي.
تحرير النفط وتكلفة الفرصة البديلة
تتمثل إحدى الفوائد المحتملة للطاقة النووية في توفير مصدر مستقر لتوليد الكهرباء، بما يساعد على خفض الاعتماد على النفط الخام وزيت الوقود في محطات التوليد. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في المملكة، حيث ما زال النفط يشارك في مزيج الكهرباء إلى جانب الغاز، مع ارتفاع الاستهلاك خلال أشهر الصيف بسبب التبريد وتحلية المياه. فقد بلغ توليد الكهرباء في السعودية نحو 453 تيراواط/ساعة في 2023، وكان الغاز المصدر الأكبر بنحو 62%، مقابل 38% للنفط.
لكن إحلال النفط لن يكون نتيجة للطاقة النووية وحدها؛ فالغاز الطبيعي والطاقة المتجددة وتحسين كفاءة محطات التوليد تمثل مسارات موازية. كما أن حجم الوفر النفطي سيعتمد على عدد المفاعلات التي ستدخل الخدمة، وقدرتها، ومعدلات تشغيلها، والبدائل التي ستحل محلها.
وعند تحقق هذا الإحلال، يمكن توجيه جزء من النفط الذي كان سيُستهلك محلياً إلى التصدير أو إلى صناعات تحويلية مثل البتروكيماويات، مع ضرورة احتساب تكاليف النقل والتكرير والفرصة البديلة بصورة دقيقة بدلاً من افتراض أن كل برميل موفر يتحول تلقائياً إلى إيراد صافٍ للخزانة العامة.
الاستثمار والتوطين الصناعي
قد يمثل الاتفاق النووي إطاراً قانونياً أفضل لمشاركة الشركات الأمريكية في تطوير البرنامج النووي السعودي، كما قد يحفز نشاط شركات المقاولات والهندسة والخدمات الفنية والتمويل. غير أن توقيع الاتفاقية لا يضمن وحده تدفق مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية المباشرة؛ فذلك يتوقف على القرارات الاستثمارية الفعلية، ونموذج التمويل، وعدد المفاعلات، وشروط التوطين، والضمانات الحكومية، والجدول الزمني للتنفيذ.
وتتمثل الفائدة الأوسع في احتمال بناء قاعدة صناعية ومعرفية تشمل الهندسة النووية، وإدارة المشاريع، والسلامة، والرقابة، وتصنيع بعض المكونات، وتدريب الكوادر الوطنية. وقد يدعم ذلك الناتج المحلي غير النفطي إذا اقترن ببرامج واضحة لنقل المعرفة، ونسب توطين قابلة للقياس، ومشاركة فاعلة للقطاع الخاص.
بين الفرصة الصناعية وضبط التكاليف
يمثل توطين التعدين والمعالجة والتخصيب، إذا نُفذ ضمن إطار سلمي ورقابي واضح، فرصة لتعزيز أمن إمدادات الطاقة وتطوير سلسلة قيمة صناعية وتقنية جديدة في المملكة. غير أن الجدوى المالية لا ينبغي أن تُبنى على افتراضات تلقائية بشأن خفض تكاليف الكهرباء أو تحقيق عوائد تصديرية؛ بل تحتاج إلى دراسات تفصيلية تقارن بين تكلفة الإنتاج المحلي وتكلفة الاستيراد، وتأخذ في الاعتبار تكاليف رأس المال والتمويل والرقابة وإدارة النفايات.
وبذلك، فإن الأثر الاقتصادي الأهم للمشروع قد يتمثل في تنويع مزيج الطاقة، وتقليل التعرض لمخاطر الإمداد، وتطوير القدرات الصناعية والمعرفية، إلى جانب إمكانية تحرير جزء من الوقود السائل المستخدم في توليد الكهرباء. أما اعتبار المملكة لاعباً مصدراً للوقود النووي أو وصف المشروع بأنه دورة وقود مغلقة، فينبغي أن يبقى احتمالاً مستقبلياً مشروطاً بالجدوى الاقتصادية والموافقات الدولية والقدرة على بناء منظومة صناعية متكاملة.
التعليقات (7)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!