أثار صانع المحتوى التقني سالم الدلبحي في مقطع مرئي تجربة عملية حول اختلاف الأسعار بين مستخدمين عند شراء منتجات أو طلب خدمات النقل، وربط ذلك بمفهوم "التسعير بالمراقبة" (Surveillance Pricing).
ورغم أن مثل هذه التجارب لا تكفي لإثبات اعتماد الشركات هذا الأسلوب بصورة قاطعة، فإنها تفتح باباً مهماً لدراسة واحدة من أكثر القضايا إثارة في اقتصاد المنصات الرقمية: كيف تؤثر البيانات الضخمة في استراتيجيات التسعير؟
وينطلق هذا المقال من تلك الفكرة بوصفها مدخلاً لمناقشة المفهوم اقتصادياً، وليس للتحقق من صحة حالة بعينها.
من السعر الموحد إلى التسعير الشخصي
في الاقتصاد التقليدي كان المنتج يباع غالباً بالسعر نفسه لجميع المشترين.
أما في الاقتصاد الرقمي فأصبحت الشركات تمتلك كماً هائلاً من البيانات يسمح لها بتغيير الأسعار بصورة لحظية أو حتى تخصيصها لفئات مختلفة من العملاء.
ويمثل ذلك تطوراً في مفهوم التمييز السعري (Price Discrimination) الذي درسه الاقتصادي آرثر بيغو منذ أكثر من قرن، لكنه اليوم يعتمد على الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة بدلاً من التقسيم التقليدي للأسواق.
الفرق بين ثلاثة مفاهيم يخلط بينها كثيرون
1- التسعير الديناميكي (Dynamic Pricing)
يتغير السعر بسبب:
- العرض والطلب.
- الازدحام.
- المخزون.
- الوقت.
- الموسمية.
مثل أسعار أوبر والطيران والفنادق.
2- التمييز السعري (Price Discrimination)
تبيع الشركة المنتج نفسه لعملاء مختلفين بأسعار مختلفة لتحقيق أقصى ربح.
مثل:
- خصومات الطلاب.
- أسعار الشركات.
- بطاقات كبار السن.
3- التسعير بالمراقبة (Surveillance Pricing)
وهو المفهوم الأحدث.
يعتمد على استخدام البيانات الشخصية لتقدير السعر الذي يُرجح أن يقبله كل مستخدم.
وقد تستند الخوارزميات إلى بيانات مثل:
- سجل البحث.
- تاريخ الشراء.
- نوع الجهاز.
- الموقع الجغرافي.
- أنماط الإنفاق.
- مستوى الولاء.
وهذا المفهوم ما يزال محل نقاش تنظيمي وبحثي، ولا توجد شفافية كافية حول مدى استخدامه تجارياً.
لماذا تهتم الشركات بهذا النوع من التسعير؟
اقتصادياً، الهدف بسيط جداً.
تحاول الشركة الاقتراب من:
الحد الأقصى الذي يستطيع كل مستهلك دفعه.
كلما استطاعت تقدير هذا الرقم بدقة ارتفع فائض المنتج (Producer Surplus) وازدادت الإيرادات دون الحاجة إلى زيادة عدد العملاء.
هل تكفي التجارب الفردية لإثبات التسعير بالمراقبة؟
الإجابة: لا.
اختلاف السعر بين مستخدمين قد ينتج عن:
- اختلاف توقيت الطلب.
- تغير العرض والطلب خلال ثوانٍ.
- اختلاف الموقع.
- اختلاف المخزون.
- اختبارات تسويقية (A/B Testing).
- اختلاف العملة أو الضرائب.
لذلك لا يمكن اعتبار تجربة واحدة دليلاً علمياً على وجود تسعير شخصي.
أين تكمن المشكلة الاقتصادية؟
إذا أصبح السعر يعتمد على البيانات الشخصية بدلاً من تكلفة الإنتاج أو ظروف السوق، فقد تنشأ تحديات مثل:
- تراجع شفافية الأسواق.
- صعوبة مقارنة الأسعار.
- اتساع فجوة المعلومات بين الشركات والمستهلكين.
- احتمال الإضرار بالمنافسة إذا استخدمت البيانات بصورة احتكارية.
كيف يمكن للمستهلك تقليل أثر جمع البيانات؟
يمكن تقليل كمية البيانات التي تستخدمها المنصات عبر ممارسات مثل:
- استخدام التصفح الخفي.
- حذف ملفات تعريف الارتباط.
- مقارنة الأسعار بين أكثر من جهاز.
- مراجعة أذونات التطبيقات.
- تقليل مشاركة البيانات الشخصية.
- مقارنة السعر قبل تسجيل الدخول وبعده.
- استخدام أدوات حجب التتبع عند الحاجة.
لكن لا توجد طريقة تضمن منع اختلاف الأسعار بالكامل.
أصبحت البيانات أحد أهم الأصول الاقتصادية في العصر الرقمي، ولم تعد تستخدم فقط لتحسين الخدمات أو توجيه الإعلانات، بل قد تؤثر أيضاً في كيفية تحديد الأسعار. ومع تطور الذكاء الاصطناعي، سيزداد الجدل حول الحدود المقبولة لاستخدام البيانات الشخصية في التسعير، وهو ما يجعل هذه القضية من أهم موضوعات اقتصاد المنصات والسياسات التنظيمية خلال السنوات المقبلة.
التعليقات (5)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!