مع توالي نجاحات "رؤية السعودية 2030" في تمكين المرأة ورفع نسبة مشاركتها في سوق العمل إلى مستويات تاريخية، نتجه اليوم نحو مرحلة جديدة في اقتصاديات العمل:
"مرحلة استدامة الكفاءات".
فمع تقدم هذه الكفاءات النسائية في مسيراتهن المهنية وبلوغهن مناصب قيادية متقدمة، يبرز أمامنا كمتخصصين في اقتصاد الموارد البشرية تحدٍّ جديد يرتبط بشكل مباشر بـ "التكلفة المخفية" (Hidden Costs) للرعاية الصحية، وتحديداً ما يُعرف بمرحلة "انقطاع الطمث" (أو سن الأمل).

تاريخياً، كانت أسواق العمل تتعامل مع هذا التغير الفسيولوجي كشأن صحي شخصي، لكن البيانات الحديثة تدفعنا لإعادة تسعير هذه النظرة بالكامل.
فبحسب دراسة جمعية إدارة الموارد البشرية (SHRM) لعام 2026، قفزت نسبة الشركات التي تقدم دعماً مخصصاً لهذه المرحلة إلى 27% مقارنة بـ 18% العام الماضي.
هذا النمو المتسارع (بنسبة 50%) ليس مجرد توجه إداري، بل هو استجابة اقتصادية حتمية لخلل في كفاءة تخصيص الموارد.

حسابات الفاقد الاقتصادي: تكلفة الحضور السلبي والغياب
في علم الاقتصاد، نعتمد على الأرقام لقياس حجم المشكلة.
دراسة "مايو كلينك" (2023) قدمت لنا نموذجاً صارخاً لحجم الهدر الاقتصادي الناجم عن تجاهل هذه المرحلة؛ إذ تتكبد الشركات في الولايات المتحدة خسائر تقدر بـ 1.8 مليار دولار سنوياً نتيجة "وقت العمل الضائع" المباشر.
ويقفز هذا الرقم إلى 26.6 مليار دولار عند دمج التكاليف الطبية غير المباشرة وتراجع الإنتاجية.

تلك الأعراض (كاضطرابات النوم، وضعف التركيز، والتعب) تخلق ظاهرة اقتصادية تُعرف بـ "الحضور السلبي" (Presenteeism) – حيث يتواجد الموظف في مقر العمل لكن بإنتاجية حدية متدنية. وهنا تصبح تكلفة تقديم إجازات مدفوعة أو علاج طبيعي أو استشارات متخصصة، أقل بكثير من تكلفة الفرصة البديلة (Opportunity Cost) المتمثلة في تراجع جودة اتخاذ القرار أو ضعف التعاون.

نظرية رأس المال البشري والمعرفة المؤسسية
النساء اللواتي يمررن بهذه المرحلة عادةً ما يكنّ في الأربعينيات أو الخمسينيات من أعمارهن؛ أي في ذروة نضجهن المهني (Peak Earning and Productivity Years).
من منظور "نظرية رأس المال البشري" (Human Capital Theory)، يمثل فقدان هؤلاء القياديات تدميراً للمعرفة المؤسسية (Institutional Knowledge) التي استثمرت الشركة ملايين الريالات وسنوات طويلة في بنائها.

كما تشير الخبيرة "لِيا سبور" في تقرير (SHRM)، فإن غياب الدعم يدفع بعض الكفاءات إلى رفض الترقيات، أو تقليل مهامهن، أو حتى الخروج المبكر من سوق العمل.
وتكلفة "الإحلال والتبديل" (Turnover Cost) لتوظيف قيادات بديلة تتراوح عادة بين 150% إلى 200% من الراتب السنوي للموظف المفقود، مما يجعل الاستثمار في برامج الدعم الصحي قراراً مالياً استراتيجياً بامتياز.

تأثير "الإشارة" (Signaling Theory) في المنافسة على المواهب
لماذا تقوم شركات مثل "آلي فاينانشال" بتوفير منصات دعم متكاملة تضم أطباء وأخصائيين نفسيين؟ التفسير الاقتصادي هنا يكمن في "نظرية الإشارة".
مدير المكافآت الكلية في الشركة يرى أن هذا الدعم هو "ميزة تنافسية" (Differentiator).
فعندما تقدم الشركة مزايا مخصصة لفئة محددة، فإنها ترسل إشارة قوية لسوق العمل بأسره مفادها: "نحن منظمة تهتم بجودة حياة موظفيها".
هذا يعزز الولاء المؤسسي، ووفقاً لبيانات "بنك أوف أمريكا" (2024)، أكدت 58% من النساء أن هذه المزايا مكنتهن من تقديم "أفضل أداء لديهن".

التدخل التشريعي لتصحيح إخفاق السوق
كما هو الحال في أي فشل سوقي (Market Failure) حيث لا يقدم القطاع الخاص الرعاية الكافية، تتدخل الحكومات للتصحيح. رأينا ذلك بوضوح العام الماضي عندما ألزمت ولاية "رود آيلاند" الأمريكية أصحاب العمل بتقديم تسهيلات قانونية لهذه المرحلة، وتبعتها إلينوي ونيوجيرسي بإلزام شركات التأمين بتغطيتها.

رسالة للسوق المحلي
زملائي، ونحن ندرس اقتصاد الموارد البشرية ونستعد للانخراط في قيادة مؤسساتنا الوطنية، يجب أن ندرك أن برامج "جودة الحياة" (أحد أهم برامج رؤية 2030) يجب أن تنعكس على الهياكل الداخلية للمنظمات.
تصميم حزم المزايا (Benefits Packages) لم يعد عملية حسابية جامدة، بل هو هندسة سلوكية واقتصادية تضمن احتفاظ سوق العمل السعودي بأهم أصوله: الكفاءات الوطنية المتراكمة الخبرة، وتوفير بيئة عمل صحية تضمن أعلى معدلات العائد على الاستثمار البشري.