في أدبيات الأسواق المالية العالمية، يُعتبر "الاستسلام التام" (Capitulation) والوصول إلى ذروة السلبية بمثابة الإشارة الضمنية لولادة اتجاه صاعد جديد.
ومع ذلك، فإن سوق الأسهم السعودي (تاسي) يبدو اليوم وكأنه يغرّد خارج سرب هذه القواعد السيكولوجية التقليدية.
مع تسجيل المؤشر لأدنى إغلاق يومي له في أكثر من ثلاثة أشهر دون مستوى 10,800 نقطة، وفقدانه لأكثر من 800 نقطة منذ قمته الأخيرة قبل شهرين، يواجه السوق معضلة لا ترتبط بأساسيات الاقتصاد، بل بآليات العمق والاحتواء.
يأتي هذا التراجع الحاد عشيّة الإغلاق الشهري والربع سنوي، ليعكس حالة من الضبابية التي لا تجد لها مبرراً في دفاتر الاقتصاد الكلي للمملكة.
المفارقة الكبرى: مؤشرات قوية وشاشات حمراء
من وجهة نظر تحليلية، يعيش السوق السعودي حالة انفصال نادرة (Decoupling) بين الواقع الاقتصادي وأداء المؤشر العام. إذا تتبعنا المسببات التقليدية للأزمات المالية، نجد أن الاقتصاد السعودي اليوم يتمتع بتحصين هيكلي ممتاز:
- الاستقرار الجيوسياسي والسياسة الحكيمة: قيادة واضحة ومستقرة تعزز الثقة بعيدة المدى.
- البنية التحتية والخدمات: قفزات نوعية في مجالات الصحة، التعليم، والأمن.
- بيئة الأعمال (Business Environment): نشاط تجاري متسارع وتدفقات استثمارية مستمرة تدعم فرضية وصول المؤشر لمستويات قياسية تفوق الـ 20,000 نقطة.
إذاً، لماذا يستمر النزيف؟
الغياب الفعلي للمحفزات الرأسمالية داخل السوق يُثبت أن زيادة جرعة "السلبية" و"الذعر" بين المتداولين في (تاسي) لا تؤدي بالضرورة إلى الارتداد التلقائي كما يحدث في وول ستريت أو الأسواق المتقدمة، وذلك بسبب غياب التوازن في إدارة السيولة وصناع السوق.
البُعد الديموغرافي: سوق الأسهم كأكبر مظلة رعاية ماليّة
تكمن الأهمية الاستراتيجية لسوق الأسهم السعودي في عمقه الاجتماعي وعدد السكان المرتبطين به من موظفين ومستثمرين ومضاربين.
وهذا يضعنا أمام حقيقة استراتيجية: سوق الأسهم ليس مجرد منصة للمضاربة، بل هو قناة حيوية لإدارة الثروات وحماية المدخرات وتوفير دخل غير مباشر لشرائح واسعة من المجتمع.
معضلة "صناعة السوق" والأثر النفسي والاجتماعي
إن استمرار التراجعات غير المبررة دون تدخل أدوات "صانع السوق" الفاعلة والمؤسسات الاستثمارية الكبرى لحفظ التوازن، بدأ يلقي بظلاله على جبهتين خطيرتين:
- الاستنزاف النفسي والمالي:
تآكل المحافظ المستمر بات يؤثر بشكل مباشر على المعنويات العامة للمستهلكين، مما ينعكس سلباً على القوة الشرائية في قطاعات التجزئة والعقار. - الجدوى المستقبلية للسوق:
استمرار هذه العشوائية في الهبوط قد يدفع برؤوس الأموال المحلية والأجنبية إلى البحث عن أسواق بديلة أو قنوات استثمارية غير سائلة، مما يفقد السوق جاذبيته كأداة لتمويل المشاريع الكبرى المدرجة ضمن رؤية المملكة.
الحاجة إلى إعادة هندسة الإدارة
إن الكتاب الذي "يبدو باهناً من عنوانه" مع إغلاقات الربع الثاني، يستوجب مراجعة هيكلية عاجلة لآليات إدارة التداول وضخ السيولة المؤسساتية.
حماية مدخرات 7.28 مليون مستثمر عبر تحسين إدارة الأسواق، وضمان وجود "ممتصات صدمات" فنية تقي الأفراد من البيع الذعري، هي خطوة لا تقل أهمية عن تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي.
بدون هذه المراجعة، سيبقى (تاسي) يعاني من فجوة غير منطقية: اقتصاد يسير بخطى عالمية، وسوق مالي تسيطر عليه عاطفة اللحظة.
التعليقات (6)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!