في الاستثمار، لا تكفي معرفة من يربح أكثر أو من يوزع أكثر؛ فالحكم على الشركات يبدأ أولًا بتحديد معنى «الأفضل»

خلال متابعتي للمحتوى الاقتصادي السعودي المنشور على منصة «إكس»، توقفت عند منشور لعبدالله كردي تضمّن مقطعًا من حساب المحلل المالي والاقتصادي راشد الفوزان على «سناب شات». كان المقطع يدور حول سؤال يتكرر كثيرًا بين المهتمين بالسوق المالية: ما أفضل بنك؟ وما أفضل شركة في قطاع معين؟

وبحفظ الحق الأدبي لصاحب الفكرة وناقل المقطع، كان طرح الفوزان نقطة الانطلاق لهذه المادة؛ إذ لفت إلى مشكلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تقع في صميم التفكير الاستثماري: السؤال عن «أفضل» شركة أو بنك يظل سؤالًا ناقصًا ما لم نحدد أولًا: الأفضل في ماذا؟

وهو سؤال يستحق التوقف عنده، ليس لأنه يقود إلى اسم سهم بعينه، بل لأنه يكشف الفرق بين البحث عن إجابة سريعة، وبين التفكير بطريقة المستثمر والمحلل.

راشد الفوزان معروف في المشهد الاقتصادي السعودي بوصفه محللًا ماليًا واقتصاديًا وكاتبًا ومقدمًا لبرامج اقتصادية، وهي الصفة التي أشارت إليها كذلك صحيفة «الاقتصادية» عند تعيينه سابقًا مستشارًا للتحرير لدى CNBC عربية.

كلمة واحدة.. ومعايير كثيرة

عندما يسأل شخص: «ما أفضل بنك في السوق السعودية؟»، تبدو العبارة محددة، لكنها في الحقيقة تخفي وراءها عشرات الأسئلة.

هل المقصود البنك الأكبر من حيث الأصول؟

أم الأعلى في الأرباح؟

أم الأسرع نموًا؟

أم الأكثر انتظامًا في توزيع الأرباح النقدية؟

أم البنك الذي يتمتع بأعلى جودة ائتمانية؟

أم الأقل تعرضًا للقروض المتعثرة؟

أم الأكثر قدرة على مواجهة الأزمات؟

قد يتصدر بنك أحد هذه المؤشرات، بينما يأتي في مرتبة أقل في مؤشر آخر. ومن هنا يصبح استخدام كلمة «الأفضل» من دون تحديد المعيار شبيهًا بالسؤال عن «أفضل سيارة» من دون تحديد ما إذا كان المشتري يبحث عن السرعة أو الأمان أو الاقتصاد في الوقود أو القدرة على العمل لسنوات طويلة.

السوق المالية تعمل بالطريقة نفسها تقريبًا: لا يوجد رقم واحد يروي القصة كاملة.

ولهذا تعرض «تداول السعودية» للمستثمر مجموعة من النسب المالية بدل الاعتماد على مؤشر منفرد؛ من بينها العائد على حقوق المساهمين، والعائد على الأصول، ومكرر الربحية، ومكرر القيمة الدفترية، ونسب السيولة. كما توضح أن هذه النسب يمكن استخدامها لمقارنة أداء الشركة بأقرانها داخل القطاع نفسه.

وهذه نقطة مهمة: المقارنة الجيدة ليست بين أرقام معزولة، وإنما بين شركات متشابهة، وفي ظروف متقاربة، وعبر أكثر من معيار.

لماذا يختلف تقييم البنك عن الشركة الصناعية؟

البنك ليس مصنعًا للبتروكيماويات، وشركة التجزئة ليست شركة اتصالات. لذلك لا يمكن نقل المعايير من قطاع إلى آخر بصورة آلية.

في القطاع المصرفي، مثلًا، تعطي الأرباح جزءًا فقط من الصورة.

البنك يحقق أرباحًا أساسًا من إدارة الأموال والائتمان والمخاطر. ولهذا تصبح جودة الأصول من أهم عناصر تقييمه. والمقصود بها، بصورة مبسطة، مدى جودة القروض والاستثمارات الموجودة في ميزانيته، واحتمال استرداد الأموال التي أقرضها.

قد يحقق بنك نموًا كبيرًا في التمويل خلال سنوات قليلة. وهذه إشارة إيجابية ظاهريًا، لكنها لا تصبح كذلك إلا إذا كان هذا النمو مصحوبًا بجودة جيدة للقروض.

فإذا كان التوسع السريع في الإقراض يؤدي لاحقًا إلى زيادة حالات التعثر، فإن النمو نفسه قد يتحول إلى مصدر خطر.

ولهذا يستخدم صندوق النقد الدولي عند قياس متانة القطاع المصرفي مجموعة واسعة من المؤشرات تشمل كفاية رأس المال، وجودة الأصول، والربحية، والسيولة، والحساسية لمخاطر السوق، ولا يختزل سلامة البنك في حجم الأرباح وحده.

وتظهر أهمية هذه المؤشرات بوضوح في الحالة السعودية. فقد أشار صندوق النقد الدولي في تقرير مشاورات المادة الرابعة لعام 2026 إلى مؤشرات مثل كفاية رأس المال ونسبة القروض المتعثرة وجودة الأصول عند تقييم القطاع المصرفي السعودي. وبلغت نسبة القروض المتعثرة إلى إجمالي القروض في القطاع 1% في 2025، مقابل نسبة كفاية رأس مال بلغت 20.5%، وفق بيانات التقرير.

هذه الأرقام لا تخبرنا أي بنك هو «الأفضل»، لكنها توضح شيئًا أهم: الطريقة المهنية لتقييم البنك متعددة الأبعاد أصلًا.

الشركة الأكبر ليست بالضرورة الأفضل

المشكلة نفسها تظهر عند الانتقال إلى الشركات الصناعية أو البتروكيماوية أو شركات الخدمات.

قد تكون شركة ما الأكبر من حيث الإيرادات، لكنها ليست الأعلى في هامش الربح.

وقد تكون الأعلى ربحًا، لكنها تحمل ديونًا أكبر.

وقد تكون شركة متوسطة الحجم أكثر قدرة على توليد النقد، وأكثر انتظامًا في توزيعات الأرباح، وأقل اعتمادًا على الاقتراض.

لذلك فالحجم في حد ذاته ليس مرادفًا للجودة.

الإيرادات تخبرنا بحجم النشاط، لكن الربحية تخبرنا بما تحتفظ به الشركة بعد تكاليفها.

والأرباح تخبرنا بما حققته محاسبيًا، بينما التدفقات النقدية تساعدنا على معرفة مقدار النقد الذي أنتجته أعمال الشركة فعلًا.

أما المديونية فتكشف جانبًا آخر من الصورة: كم تعتمد الشركة على أموال الآخرين في تمويل نشاطها؟

لهذا قد يكون أمام المستثمر شركتان تحققان أرباحًا متقاربة، لكن إحداهما تحتاج إلى رأس مال أكبر وديون أكثر لتحقيق تلك الأرباح، بينما تحقق الأخرى النتيجة نفسها بموارد أقل.

النتيجة المحاسبية متقاربة؛ أما الجودة الاقتصادية فليست بالضرورة كذلك.

فخ السنة الواحدة

لكن أكثر ما يستحق الاهتمام في الفكرة التي طرحها الفوزان هو البعد الزمني.

شركة توزع أرباحًا نقدية مرتفعة في سنة واحدة لا تصبح تلقائيًا «أفضل شركة توزيعات».

قد تكون السنة استثنائية.

ربما ارتفعت أسعار منتجاتها بصورة غير معتادة. وربما باعت أصلًا وسجلت ربحًا غير متكرر. وربما استفادت من ظروف لن تتكرر في السنوات التالية.

وهنا تدخل كلمة مركزية في التحليل الاقتصادي والمالي: الاستدامة.

الاستدامة تعني قدرة الشركة على مواصلة الأداء الجيد، لا مجرد تحقيقه مرة واحدة.

لذلك لا تكفي صورة مالية ملتقطة في نهاية عام واحد للحكم على شركة؛ فالأفضل النظر إلى «فيلم» يمتد عدة سنوات.

هل ترتفع المبيعات بمرور الوقت؟

هل الأرباح تنمو معها؟

هل الهوامش مستقرة؟

هل الشركة تولد نقدًا من نشاطها؟

هل ديونها تحت السيطرة؟

هل حافظت على توزيعاتها خلال فترات الرواج والتراجع؟

وكيف كان أداؤها عندما تغيرت أسعار الفائدة أو أسعار المواد الخام أو ظروف الطلب؟

بهذا المعنى، لا تكون السنوات السابقة مجرد أرشيف مالي؛ بل اختبارًا لقدرة نموذج الأعمال على البقاء.

حتى التوزيعات لا تعطي إجابة جاهزة

هناك مستثمرون يفضلون الشركات التي تدفع توزيعات نقدية منتظمة. وهو هدف استثماري مشروع، لكنه لا يعني أن أعلى شركة توزيعًا هي الأفضل لجميع المستثمرين.

شركة تدفع معظم أرباحها للمساهمين قد تكون ملائمة لمن يريد دخلًا نقديًا دوريًا.

لكن شركة أخرى قد تدفع توزيعات أقل لأنها تعيد استثمار أرباحها في توسعات تحقق عائدًا مرتفعًا مستقبلًا. وقد تكون الخيار الأنسب لمن يبحث عن النمو طويل الأجل.

السؤال إذن ليس:

«من يدفع أكثر؟»

بل:

لماذا تدفع الشركة؟ وهل تستطيع الاستمرار؟ وما الذي كان يمكن أن تفعله بالأموال لو لم توزعها؟

وحتى منح الأسهم ينبغي التعامل معها بحذر عند تقييم العائد؛ فزيادة عدد الأسهم التي يملكها المساهم لا تعني بذاتها خلق ثروة اقتصادية جديدة بالقيمة نفسها. القيمة في النهاية ترتبط بالأعمال والأصول والأرباح والتدفقات النقدية التي تقف خلف هذه الأسهم.

ثم تأتي المفاجأة: أفضل شركة قد لا تكون أفضل سهم

حتى إذا نجحنا في تحديد شركة ذات أداء تشغيلي ممتاز، فإن التحليل لم ينته بعد.

فهناك فرق جوهري بين سؤالين:

هل هذه شركة جيدة؟

و:

هل سهم هذه الشركة استثمار جيد بالسعر الحالي؟

قد تكون الشركة ممتازة: أرباحها تنمو، وديونها منخفضة، وإدارتها جيدة، وتدفقاتها النقدية قوية.

لكن إذا كان سعر سهمها مرتفعًا جدًا مقارنة بالأرباح التي يمكن أن تحققها مستقبلًا، فقد يكون المستثمر قد دفع مقدمًا ثمن قدر كبير من هذا النجاح المتوقع.

هنا يدخل مفهوم التقييم.

والتقييم، بأبسط تعريف، محاولة للإجابة عن سؤال: هل السعر الذي يعرضه السوق اليوم معقول مقارنة بما يمكن أن تولده الشركة من قيمة وأرباح مستقبلية؟

ولهذا تتضمن الأدوات التي تقدمها «تداول السعودية» للمستثمر مؤشرات مثل مكرر الربحية ومكرر القيمة الدفترية إلى جانب نسب الأداء التشغيلي.

وهذا يعني أن تحليل جودة الشركة وتحليل سعر سهمها مرحلتان متصلتان، لكنهما ليستا الشيء نفسه.

الأفضل.. لمن؟

ثم تبقى قطعة أخيرة في الأحجية: المستثمر نفسه.

مستثمر يريد دخلًا نقديًا منتظمًا له معايير مختلفة عن مستثمر يريد مضاعفة رأس ماله على مدى عشر سنوات.

ومستثمر يستطيع تحمل تقلبات كبيرة في أسعار الأسهم يختلف عن مستثمر تكون الأولوية لديه المحافظة على رأس المال.

ومن يستثمر لمدة أشهر لا يقرأ الشركة بالمنظار نفسه الذي يستخدمه مستثمر يخطط للاحتفاظ بها عقدًا من الزمن.

لذلك لا يكتمل سؤال «ما أفضل سهم؟» إلا بسؤال آخر:

أفضل سهم لمن؟

الهدف، والأفق الزمني، والقدرة على تحمل المخاطر عوامل تغير الإجابة.

وهنا يتحول الاستثمار من عملية البحث عن «الفائز» إلى عملية مواءمة: بين الشركة، وسعرها، ومخاطرها، واحتياجات المستثمر.

من السؤال الشعبي إلى السؤال الاستثماري

ربما تكون القيمة الأكبر في طرح «ما أفضل بنك؟» أنه يكشف كيف يمكن لسؤال بسيط أن يقود إلى طريقة مختلفة في التفكير.

فبدل أن نقول:

ما أفضل بنك سعودي؟

يمكن أن يصبح السؤال:

أي البنوك حافظ على مزيج أفضل من الربحية وجودة الائتمان وكفاية رأس المال والسيولة والنمو خلال عدة سنوات؟

وبدل:

ما أفضل شركة بتروكيماويات؟

يمكن أن نسأل:

أي الشركات استطاعت المحافظة على الربحية والتدفقات النقدية والقدرة المالية خلال مراحل مختلفة من دورة أسعار البتروكيماويات؟

وبدل:

من أعلى شركة في التوزيعات؟

يصبح السؤال:

أي الشركات تمتلك سياسة توزيعات نقدية مستدامة تدعمها أرباح وتدفقات نقدية قابلة للاستمرار؟

ثم نضيف سؤالًا لا يقل أهمية:

هل سعر السهم الحالي يجعل هذه الجودة استثمارًا جذابًا؟

بهذه الطريقة يتغير مستوى النقاش كله.

فالمستثمر لم يعد يبحث عن اسم تقدمه له شخصية على منصة اجتماعية، بل أصبح يبني معيارًا يستطيع من خلاله الوصول إلى الإجابة بنفسه.

وهذه، ربما، أهم وظيفة للمعرفة الاقتصادية.

فالسوق لا يعاني من نقص الأرقام ولا من نقص الآراء. ما يحتاجه المستثمر أكثر هو أن يعرف أي رقم ينظر إليه، ولماذا، وما الذي يخبره به، وما الذي لا يستطيع أن يخبره به.

لذلك، عندما يأتي السؤال في المرة المقبلة:

«ما أفضل بنك؟»

قد تكون الإجابة الأكثر مهنية:

حدد أولًا ماذا تقصد بالأفضل.

لأن الاستثمار الجيد لا يبدأ باختيار الشركة.

يبدأ بصياغة السؤال الصحيح.