لا تبدأ خسائر سوق العمل عند تعثر التوظيف، بل قد تبدأ قبل ذلك بسنوات، عندما يستثمر الطالب في مسار لا يتوافق مع مهاراته، وتستثمر المؤسسات التعليمية في تأهيل لا يواكب احتياجات الاقتصاد.
في كل عام، تنفق الأسر أموالًا على التعليم، وتخصص المؤسسات موارد لتطوير المناهج، وتستثمر الحكومات في إعداد الأجيال الجديدة لسوق العمل. لكن هذه الاستثمارات لا تحقق عائدها الكامل بمجرد حصول الطالب على شهادة؛ إذ تعتمد قيمتها الاقتصادية أيضًا على مدى قدرته على توظيف ما تعلمه في عمل منتج، وعلى مدى توافق مهاراته مع احتياجات المؤسسات.
من هنا، يصبح السؤال الأهم ليس فقط كيف نؤهل الشباب للحصول على وظائف، بل كيف نحد من الفجوة بين ما يتعلمونه وما يحتاج إليه الاقتصاد، قبل أن تتحول هذه الفجوة إلى تكلفة يتحملها الأفراد والشركات والمجتمع.
التعليم استثمار.. لكن العائد ليس مضمونًا
يُنظر إلى التعليم باعتباره أحد أهم أشكال الاستثمار في رأس المال البشري؛ فهو يرفع مستوى المعرفة، ويساعد على تطوير المهارات، ويفتح المجال أمام فرص وظيفية أفضل. غير أن العائد من هذا الاستثمار يتأثر بعوامل تتجاوز عدد سنوات الدراسة أو نوع الشهادة.
فقد يقضي الطالب سنوات في دراسة تخصص معين، ثم يجد نفسه يعمل في مجال مختلف، أو في وظيفة لا تستفيد بصورة كاملة من مهاراته. وقد يحصل على فرصة عمل، لكنه يفتقر إلى الخبرة العملية أو المهارات التواصلية التي يحتاج إليها لأداء مهامه بكفاءة.
ولا تعني هذه الحالات بالضرورة أن التعليم لم يحقق قيمة، لكنها تثير سؤالًا اقتصاديًا حول كفاءة توظيف الموارد التي استُثمرت في إعداد الفرد.
وفي دراسة منشورة عام 2025 في دورية Economics Letters، قدّر الباحثون أن إزالة العوامل التي تؤدي إلى عدم التوافق بين مستوى التعليم والمهارات ومتطلبات الوظائف يمكن أن ترفع الناتج الاقتصادي بنحو 3% إلى 4% في المتوسط ضمن 17 اقتصادًا من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتراوحت التقديرات بين 0.5% و9% بحسب الاقتصاد محل الدراسة.
وهذه تقديرات مستمدة من نموذج اقتصادي، وليست مكاسب مضمونة يمكن تحقيقها بمجرد تطبيق برنامج للتوجيه المهني، كما أنها لا تمثل تقديرًا خاصًا بالسعودية.
ومع ذلك، توضح الدراسة أن عدم التوافق المهني قد يحمل تكلفة اقتصادية تتجاوز الفرد، وأن تحسين الاستفادة من مهارات العاملين يمثل فرصة لتعزيز الإنتاج الاقتصادي.
من يتحمل فاتورة الفجوة بين التعليم والعمل؟
عندما لا تتوافق مهارات الخريجين مع احتياجات الوظائف، تتوزع التكلفة على أكثر من طرف.
بالنسبة إلى الفرد، قد تعني الفجوة وقتًا إضافيًا لاكتساب المهارات المطلوبة، أو تأخرًا في الحصول على وظيفة مناسبة، أو قبول عمل لا يستفيد من كامل قدراته.
أما الشركات، فقد تضطر إلى تخصيص موارد إضافية لتدريب الموظفين الجدد، أو تكرار عمليات التوظيف عندما لا يتوافق الموظف مع متطلبات الوظيفة. وقد تتأثر الإنتاجية أيضًا إذا استغرق العامل وقتًا أطول من المتوقع للوصول إلى مستوى الأداء المطلوب.
وعلى مستوى الاقتصاد، قد تتراجع كفاءة استخدام الموارد البشرية عندما يعمل الأفراد في وظائف لا تستفيد من مؤهلاتهم أو مهاراتهم بصورة مناسبة، في الوقت الذي تواجه فيه مؤسسات أخرى صعوبة في العثور على الكفاءات المطلوبة.
لكن من المهم التمييز بين عدم التوافق المهني ونقص الوظائف؛ فالتوجيه الجيد قد يساعد على تحسين توافق المرشحين مع الوظائف المتاحة، لكنه لا يخلق وظائف جديدة بمفرده.
لذلك، فإن معالجة الفجوة تتطلب تحسين إعداد الأفراد، إلى جانب سياسات تدعم نمو الأعمال وتوسع فرص العمل المنتجة.
التدريب المبكر.. استثمار في جودة القرار
في هذا السياق، تكتسب فرص التدريب العملي أهمية اقتصادية تتجاوز تعريف الطلاب بالمهن.
فالتجربة المبكرة تمنح الطالب فرصة لاختبار تصوراته عن المهن قبل اتخاذ قرارات تعليمية ومهنية طويلة الأجل. كما تمنح أصحاب العمل فرصة للتعرف على قدرات الشباب، وتساعد المؤسسات التعليمية على فهم المهارات التي تحتاج إليها بيئات العمل الفعلية.
وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة Survation لصالح BBC Radio 5 Live وBBC Bitesize، وشمل 2,087 شابًا تتراوح أعمارهم بين 13 و18 عامًا في المملكة المتحدة، أن:
- 44% يرغبون في فرص أكبر للتدريب العملي خلال الدراسة.
- 43% يريدون مزيدًا من الإرشاد بشأن إدارة الأموال.
- 42% يرغبون في مزيد من المساعدة بشأن التقدم للوظائف.
- 39% يريدون دعمًا أكبر في إدارة الضغوط والصحة النفسية.
- 38% يرغبون في تطوير مهارات التواصل.
وأُجري الاستطلاع عبر الإنترنت بين 2 و17 يوليو 2026، ونُشرت نتائجه في أكتوبر من العام نفسه.
وتكشف هذه الأرقام عن احتياجات لا تتعلق بالمعرفة الأكاديمية وحدها، بل بالقدرة على الانتقال من التعليم إلى الحياة العملية.
فعندما يختبر الطالب بيئة العمل مبكرًا، قد يكتشف أن تخصصًا كان يطمح إليه لا يتناسب مع اهتماماته، أو أن مجالًا لم يكن يفكر فيه يوفر فرصًا تتوافق مع قدراته. وقد يتعرف أيضًا على المهارات التي يحتاج إلى تطويرها قبل التخرج.
اقتصاديًا، يمكن النظر إلى هذه التجارب بوصفها وسيلة لتحسين المعلومات المتاحة قبل اتخاذ القرار. فكلما كانت المعلومات عن المهنة أكثر واقعية، أصبح اختيار المسار أكثر استنارة، وإن لم يكن ذلك ضمانًا لتجنب جميع الأخطاء.
لكن تحقيق هذه الفائدة يتطلب أن تكون فرص التدريب منظمة وذات محتوى فعلي، لا مجرد حضور قصير لا يتيح للطالب التعرف على طبيعة الوظيفة أو متطلباتها.
هل المشكلة في نقص الوظائف أم في طريقة إعداد المرشحين؟
من المهم عدم اختزال تحديات التوظيف في نقص المهارات وحده. فقد يمتلك الشباب المؤهلات المناسبة، لكنهم يواجهون سوقًا لا توفر عددًا كافيًا من الوظائف الملائمة، أو تتركز فرص العمل في مناطق يصعب عليهم الوصول إليها.
وقد أشار بعض المشاركين في تقرير BBC إلى صعوبة العثور على فرص تدريب مناسبة خارج لندن، إضافة إلى الأعباء المالية المرتبطة بالتعليم والتنقل وتكاليف المعيشة.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين ثلاث مشكلات: عدم التوافق بين مهارات الأفراد والوظائف المتاحة، وعدم كفاية الوظائف في بعض القطاعات، ومحدودية وصول بعض الفئات إلى فرص التدريب والتوظيف.
قد يساعد تحسين التوجيه والتدريب على معالجة المشكلة الأولى، لكنه لن يحل المشكلتين الأخريين بمفرده. فحتى أفضل برامج التأهيل لن تحقق أثرها الكامل إذا لم يتوسع الطلب على العمالة، أو إذا بقيت الفرص الجيدة محصورة في نطاق جغرافي أو اجتماعي ضيق.
لذلك، يتطلب تحسين الانتقال من التعليم إلى العمل تنسيقًا بين المؤسسات التعليمية وأصحاب العمل وصناع السياسات، إلى جانب الاستثمار في خلق فرص وظيفية منتجة وتوسيع الوصول إلى التدريب.
الذكاء الاصطناعي يغيّر معادلة الاستثمار في المهارات
تزداد أهمية هذه القضية مع تسارع تبني الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية؛ إذ تتغير المهام داخل الوظائف، وتتطور المهارات التي تحتاج إليها المؤسسات، وقد تصبح بعض المعارف أقل طلبًا بينما تزداد أهمية مهارات أخرى.
وفي استطلاع BBC نفسه، اعتقد 32% من المراهقين أن مدارسهم لا تعدّهم جيدًا لمستقبل العمل، بينما رأى أكثر من نصف المشاركين أن مدارسهم تعدّهم جيدًا.
وفي مثل هذه البيئة، قد يكون الاعتماد على المناهج الثابتة أو المؤهلات وحدها غير كافٍ لتقدير استعداد الفرد.
ولا يعني ذلك أن على المؤسسات التعليمية محاولة التنبؤ بكل وظيفة ستظهر مستقبلًا، بل أن تركز على بناء أساس معرفي قوي، وتنمية التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتواصل، والقدرة على التعلم المستمر.
كما تحتاج الشركات إلى توضيح المهارات المطلوبة بصورة أفضل، وتوفير فرص تدريب تساعد العاملين الجدد على الانتقال من المعرفة النظرية إلى التطبيق.
أما الطلاب، فيحتاجون إلى فهم أن الاستثمار في تعليمهم لا ينتهي بالحصول على الشهادة؛ بل يستمر من خلال اكتساب الخبرة وتحديث المهارات والتكيف مع تغيرات السوق.
كيف يمكن قياس العائد الاقتصادي للتوجيه المهني؟
إذا كانت برامج التوجيه والتدريب تمثل استثمارًا في رأس المال البشري، فمن المهم تقييمها وفق نتائجها، لا وفق عدد المشاركين فيها فقط.
يمكن للمؤسسات التعليمية وصناع السياسات متابعة مؤشرات مثل نسبة الطلاب الذين يحصلون على تدريب ذي صلة بتخصصاتهم، ومعدلات انتقال الخريجين إلى وظائف مناسبة، والوقت الذي يحتاجون إليه للعثور على عمل، ومدى توافق المهارات المكتسبة مع متطلبات أصحاب العمل.
كما يمكن تقييم أثر البرامج في تقليل الوقت اللازم لتأهيل الموظفين الجدد، وتحسين استقرارهم الوظيفي، وتوسيع وصول الطلاب إلى الفرص المهنية، خصوصًا في المناطق الأقل حظًا.
ولا ينبغي تفسير أي تحسن في هذه المؤشرات على أنه نتيجة مباشرة للتدريب وحده؛ إذ تتأثر النتائج كذلك بحالة الاقتصاد، والطلب على الوظائف، ومستوى الأجور، وطبيعة القطاعات التي يعمل فيها الخريجون.
لكن القياس المنهجي يساعد على تحديد البرامج الأكثر فاعلية، وتوجيه الموارد نحو المبادرات التي تحقق قيمة اقتصادية واجتماعية ملموسة.
الاستثمار الأذكى يبدأ قبل التوظيف
تكشف قضية التوجيه المهني عن جانب مهم من كفاءة الاقتصاد: ليست المسألة مقدار ما ينفق على التعليم فحسب، بل مدى نجاحه في تحويل المعرفة والمهارات إلى قيمة فعلية.
فالتدريب المبكر، والإرشاد المهني، والتعاون بين المدارس والشركات، لا تضمن أن يختار كل طالب المسار الصحيح من المحاولة الأولى، لكنها قد تقلل فجوة المعلومات، وتحسن التوافق بين قدرات الأفراد واحتياجات سوق العمل.
وفي المقابل، فإن معالجة هذه الفجوة وحدها لا تكفي من دون وظائف منتجة، وفرص متاحة بصورة عادلة، ومؤسسات قادرة على استيعاب المهارات الجديدة.
فالاقتصاد لا يخسر فقط عندما يعجز الفرد عن العثور على وظيفة، بل قد يخسر أيضًا عندما يعمل الفرد في وظيفة لا تستفيد من قدراته، أو عندما يضطر صاحب العمل إلى البحث طويلًا عن مهارات كان يمكن إعدادها بصورة أفضل.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى التوجيه المهني بوصفه خدمة إضافية للطلاب، بل بوصفه جزءًا من منظومة الاستثمار في رأس المال البشري؛ منظومة تهدف إلى رفع إنتاجية الأفراد، وتحسين كفاءة الشركات، وتعظيم العائد من الإنفاق على التعليم.
فكلما تحسن الربط بين ما يتعلمه الشباب وما يحتاج إليه الاقتصاد، ازدادت فرص تحويل التعليم من تكلفة يتحملها المجتمع إلى استثمار يحقق قيمة مستدامة.
التعليقات (5)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!