هل تخيلت أن أوامر شراء الأسهم وبيعها يمكن أن تصدر عن برامج حاسوبية، دون أن يضغط المستثمر على زر الشراء أو البيع في كل مرة؟ هذا ما يحدث في التداول الخوارزمي، الذي أصبح جزءًا من الأسواق المالية الحديثة، لكنه يثير أسئلة مهمة حول سرعة تنفيذ الأوامر والسيولة والمخاطر.
في الأول من نوفمبر 2026، بدأ تطبيق متطلبات تنظيمية جديدة للتداولات الخوارزمية في السوق المالية السعودية، بموجب قرار أعلنت عنه هيئة السوق المالية في 29 أكتوبر.
ومن أبرز هذه المتطلبات تحديد سقف لمعدل أوامر التداول الخوارزمي إلى الأوامر المنفذة، يبلغ 20 أمرًا ضمن نطاقات محددة.
فما الذي تعنيه هذه النسبة؟ ولماذا تهتم الجهات التنظيمية بعدد الأوامر التي تدخل السوق، وليس فقط بعدد الصفقات التي تنفذ؟
للإجابة، نحتاج أولًا إلى فهم الطريقة التي تعمل بها سوق الأسهم.
كيف تُباع الأسهم وتُشترى؟
لنفترض أنك ترغب في شراء 100 سهم في إحدى الشركات المدرجة في تداول السعودية، بسعر 50 ريالًا للسهم.
عندما تدخل طلب الشراء عبر تطبيق التداول، فإنك ترسل ما يُعرف بـ«أمر شراء».
لكن إدخال الأمر لا يعني بالضرورة أنك أصبحت مالكًا للأسهم.
فلكي تُنفذ عملية الشراء، يجب أن يوجد أمر بيع مناسب يمكن مطابقته مع أمرك، وفق قواعد السوق.
إذا كان هناك بائع مستعد للبيع بالسعر والشروط المناسبة، فقد تُنفذ العملية، كليًا أو جزئيًا، وتُسجل صفقة في السوق.
أما إذا لم يوجد عرض مناسب، فقد يبقى الأمر دون تنفيذ إلى أن تتوافر شروط مطابقته، أو تنتهي صلاحيته، أو يُلغى.
وتوضح تداول السعودية أن نظام التداول يعتمد في مطابقة الأوامر على أولوية السعر، ثم وقت إدخال الأمر.
وهكذا نصل إلى أول مفهوم أساسي:
أمر التداول هو طلب شراء أو بيع، أما الصفقة فهي عملية تنتج عن مطابقة أوامر قابلة للتنفيذ.
ولهذا قد تحتوي شاشة التداول على عدد كبير من الأوامر، بينما يكون عدد الصفقات المنفذة أقل بكثير.
ما التداول الخوارزمي؟
تخيل أنك تريد شراء 10 آلاف سهم في شركة معينة.
يمكنك إدخال أمر الشراء بنفسك، لكن تنفيذ كمية كبيرة دفعة واحدة قد يؤثر في السعر الذي تحصل عليه، بحسب عمق السوق والسيولة المتاحة.
هنا قد تستخدم المؤسسات الاستثمارية برنامجًا حاسوبيًا يقسّم الكمية المطلوبة إلى أوامر أصغر، ويرسلها في أوقات مختلفة وفق قواعد محددة.
هذا مثال على استخدام الخوارزميات في التداول.
والخوارزمية، ببساطة، هي مجموعة من التعليمات التي ينفذها الحاسوب للوصول إلى نتيجة معينة.
وفي الأسواق المالية، يمكن للخوارزميات المساعدة في تحديد توقيت إرسال الأوامر، أو أسعارها، أو كمياتها، أو طريقة إدارتها بعد إدخالها.
وليس بالضرورة أن تستخدم هذه الأنظمة الذكاء الاصطناعي.
فبعضها يعتمد على تعليمات بسيطة وضعها المبرمج مسبقًا، بينما قد تستخدم أنظمة أخرى تقنيات أكثر تقدمًا لتحليل البيانات واتخاذ القرارات.
كذلك لا يعني التداول الخوارزمي بالضرورة التداول عالي التردد.
فالتداول عالي التردد نوع متخصص من التداول الخوارزمي، يعتمد على تقنيات فائقة السرعة لإدخال الأوامر وتعديلها وتنفيذ الاستراتيجيات خلال فترات زمنية قصيرة للغاية.
لماذا تدخل بعض الأنظمة آلاف الأوامر؟
قد تعتمد بعض استراتيجيات التداول الآلي على تحديث أسعار الشراء والبيع باستمرار مع تغير ظروف السوق.
فإذا تغير السعر أو حجم الطلب، فقد يعدّل البرنامج أوامره القائمة، أو يلغيها، أو يرسل أوامر جديدة.
وقد يحدث ذلك بسرعة تفوق قدرة الإنسان على المتابعة اليدوية.
لكن ليس كل أمر يُرسل إلى السوق يتحول إلى صفقة.
فقد يُلغى الأمر قبل تنفيذه، أو يُعدّل سعره، أو يبقى معلقًا لعدم وجود طرف مقابل مناسب.
وهنا تظهر أهمية مراقبة العلاقة بين عدد الأوامر وعدد العمليات المنفذة.
فارتفاع هذه النسبة بصورة كبيرة قد يستدعي فحص سلوك أنظمة التداول، ومدى كفاءتها، وما إذا كانت تتسبب في ضغط غير ضروري على البنية التقنية للسوق.
لكن ارتفاع عدد الأوامر لا يعني بذاته وجود تلاعب؛ إذ قد ينتج أيضًا عن استراتيجيات مشروعة لتوفير السيولة وإدارة عمليات التنفيذ.
ماذا تعني قاعدة «20 أمرًا»؟
أوضحت هيئة السوق المالية السعودية أن المتطلبات الجديدة تتضمن تحديد الحد الأقصى لمعدل أوامر التداولات الخوارزمية إلى الأوامر المنفذة عند 20، ضمن الأوراق المالية المشمولة بالضوابط.
ويُحتسب هذا المعدل على مستوى المتداول المسجل، ولكل ورقة مالية على حدة، خلال جلسة السوق المفتوح، وبحسب تصنيفات السيولة التي حددها التعميم.
ولتبسيط فكرة النسبة، لنفترض أن نظامًا حاسوبيًا أرسل 100 أمر، ونُفذت خمسة منها.
عند قسمة 100 على خمسة، تكون النتيجة 20 أمرًا مقابل كل تنفيذ.
أما إذا أرسل النظام 200 أمر، ولم يُنفذ منها سوى خمسة، فسترتفع النسبة في هذا المثال إلى 40.
هذا مثال حسابي تعليمي لفهم معنى النسبة، وليس عرضًا للصيغة التنظيمية التفصيلية لاحتساب جميع أنواع الأوامر وتعديلاتها وإلغائها.
ومن المهم التأكيد أن القاعدة لا تعني منع المستثمر العادي من إدخال أكثر من 20 أمرًا، ولا تعني بالضرورة رفض الأمر الحادي والعشرين بصورة آلية.
إنها متطلب تنظيمي يتعلق بأنشطة التداول الخوارزمي في نطاق محدد، وليس سقفًا عامًا لعدد الصفقات التي يستطيع الفرد تنفيذها يوميًا.
ما علاقة القرار بسيولة السوق؟
السيولة من أكثر المصطلحات تداولًا في الأخبار المالية.
لكن ماذا تعني؟
لنفترض أنك تمتلك أسهمًا في شركة، وتريد بيعها بسرعة.
إذا وجدت عددًا كافيًا من المشترين المستعدين للشراء بأسعار قريبة من السعر السائد، فمن المرجح أن تتمكن من البيع دون الحاجة إلى تقديم تخفيض كبير في السعر.
أما إذا كان المشترون قليلين، فقد تضطر إلى الانتظار أو قبول سعر أقل.
هذه إحدى الصور المبسطة للسيولة.
فالسيولة تعبر عن سهولة شراء الأصل أو بيعه، دون أن تؤدي العملية إلى تغير كبير في سعره.
ويمكن لبعض استراتيجيات التداول الخوارزمي أن تدعم السيولة من خلال تقديم أوامر بيع وشراء وتحديثها باستمرار.
لكن في المقابل، قد تتسبب بعض الأنظمة، إذا لم تُصمم أو تُراقب بصورة مناسبة، في إرسال أعداد كبيرة من الأوامر الخاطئة، أو التفاعل بصورة متسارعة مع تقلبات السوق.
لذلك فإن زيادة عدد الأوامر الظاهرة على شاشة التداول لا تعني بالضرورة تحسن السيولة الفعلية.
فالأهم هو وجود أوامر قابلة للتنفيذ، وحجم الكميات المتاحة، والفارق بين أسعار العرض والطلب، وقدرة السوق على استيعاب عمليات البيع والشراء.
هل يمكن أن تتسبب الخوارزميات في اضطراب السوق؟
التداول الخوارزمي ليس مشكلة في حد ذاته.
فالتكنولوجيا يمكن أن تساعد المؤسسات على تنفيذ العمليات بكفاءة، وتقليل بعض تكاليف التداول، وإدارة الأوامر بصورة منظمة.
لكن الاعتماد على الأنظمة الآلية يضيف أنواعًا مختلفة من المخاطر.
فإذا احتوى البرنامج على خطأ في التعليمات، فقد يُرسل أوامر غير مقصودة.
وإذا استجابت أنظمة متعددة لتغيرات الأسعار بالطريقة نفسها، فقد تسهم في تضخيم التحركات قصيرة الأجل في ظروف معينة.
وتشير هيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية إلى أهمية وجود ضوابط تمنع إصدار الأوامر الخاطئة، وتحد من احتمالات إسهام الأنظمة الآلية في اضطراب السوق.
ولهذا لا تقتصر الرقابة التنظيمية على عدد الأوامر.
فمن الضروري أيضًا اختبار الأنظمة قبل استخدامها، ومراقبة أدائها، والقدرة على إيقافها إذا ظهرت مشكلة.
ماذا ألزمت هيئة السوق المالية المؤسسات؟
لم يقتصر التعميم السعودي على تحديد معدل الأوامر.
فقد أكدت الهيئة ضرورة التزام مؤسسات السوق المالية بضوابط رقابية، تشمل اختبار أنظمة التداول الخوارزمي واستراتيجياتها قبل تشغيلها، ومراقبة الأوامر المدخلة، وإصدار التنبيهات والتقارير اللازمة.
كما تضمنت المتطلبات إمكانية إيقاف الأنظمة أو الخوارزميات عند الضرورة، والاحتفاظ بالسجلات المرتبطة بها، وتقديم المعلومات إلى الهيئة وتداول السعودية عند طلبها.
وتأتي هذه المتطلبات بهدف تعزيز سلامة التداولات وكفاءتها، والحد من المخاطر والتأثيرات السلبية المحتملة على السوق.
أما تحديد أثرها الفعلي في السيولة وتقلب الأسعار، فيحتاج إلى بيانات ومقارنات بعد التطبيق.
هل سيؤدي القرار إلى ارتفاع الأسهم السعودية؟
لا يمكن استنتاج ذلك من القرار وحده.
فأسعار الأسهم تتأثر بعوامل عديدة، تشمل أرباح الشركات، وتوقعات المستثمرين، وأسعار الفائدة، والسيولة، والمخاطر الاقتصادية.
أما الضوابط الجديدة، فيتعلق هدفها المعلن بتنظيم سلوك أنظمة التداول وتعزيز سلامة السوق وكفاءتها.
وقد يكون من المفيد لاحقًا دراسة تغير معدلات الأوامر المنفذة، وفروق أسعار العرض والطلب، وأحجام التداول، قبل وبعد تطبيق الضوابط.
لكن هذه المقارنات تحتاج إلى بيانات موثوقة، مع مراعاة بقية العوامل المؤثرة في السوق خلال الفترة نفسها.
هل ينافس الحاسوب الإنسان في سوق الأسهم؟
أصبحت الخوارزميات إحدى الوسائل التي تستخدمها المؤسسات المالية لتنفيذ عمليات التداول وإدارة الأوامر.
لكن سرعة الحاسوب لا تعني بالضرورة قدرته على تحقيق أرباح أكبر، كما أن استخدام التكنولوجيا لا يلغي مخاطر الاستثمار.
فالخوارزمية تنفذ التعليمات والاستراتيجيات التي صُممت لأجلها، وقد تحقق نتائج جيدة أو سيئة بحسب جودة تلك الاستراتيجيات وظروف السوق.
ومن هنا تأتي أهمية الرقابة التي توازن بين الاستفادة من الابتكار التقني والحد من المخاطر.
أما الدرس الذي يمكن أن يستفيد منه المستثمر، فهو أن ما يظهر على شاشة التداول ليس بالضرورة الصورة الكاملة للسوق.
فليست كل الأوامر صفقات، وليست كثرة الأوامر دليلًا على كثرة المشترين، وليست سرعة التداول ضمانًا لتحقيق الأرباح.
وفهم هذه الفروق هو الخطوة الأولى نحو قراءة أكثر وعيًا لما يحدث داخل الأسواق المالية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!